عين على العدو

هل هي حقاً نكبة، أم نعمة على العرب والمسلمين؟

 


يبدأ “شيعة” النظام الرسمي العربي ومحازبوه ( هنا يتوحد الجميع، ولا يختلفون أبداً، ومن كل المذاهب في ملة واحدة من الرياء للنظام الرسمي العربي ويصبحون بـ”نعمه وفضله وكوبوناته”، إخواناً)، ويحيون مع ذكرى “النكبة” في كل عام، طقوساً من الندب واللطم القومي على ضياع فلسطين في نفس أبواق النظام الرسمي العربي الذي باع فلسطين، حين تواطأ مع الغرب واشترى أسلحة فاسدة تطلق للخلف وأعطاها ” للمجاهدين” المخدوعين بوعود نصرة بيت المقدس. وفزعة العرب تلك لا تكشف لنا إلا على أن الهزيمة فكر وثقافة متأصلة يمارسها كبار القوم، قبل أن تكون أي شيء آخر. فحين نتحرر من أوهامنا وننتصر على ذواتنا المهزومة تاريخياً لن يكون هناك أي شيء في حياتنا اسمه إسرائيل، وعندما تهزم العقول، لن يكون للجسد أي مفعول.


 


فقد ظل العربي والمسلم منتشياً قروناً طويلة بفكرة أنه من خير أمة أخرجت للناس، لمجرد أنه قام بعملية غزو ناجحة لدول الجوار محولاً إياها لعصف مأكول، وفرض ثقافته عليها بالسيف وسبى نساءها، وأنشأ فوقها تلك الإمارات التي حفلت بثقافة نكح الصغيرات، وتفخيذ الرضيعات، ورضاعة الكبير، وجز أعناق الفاسقين والمرتدين والفاسدين ( مفهوم الفساد يشتمل على كل شيء بدءً بشرب الكحول وعدم ارتداء الحجاب وانتهاء بالمعارضة السياسية والخروج على طاعة الأمير). وأوهام العربي والمسلم تمادت في تفاؤلها حد القول بأن الله يقف معه في كل معاركه، وبأن الملائكة ستنتصر له، وتحارب، وستهزم من أجله، القوم الكافرين الظالمين ( لم ينتصر العرب والمسلمون في أية معركة حديثة فثقافة الغزو، وهي استراتيجية العرب العسكرية تاريخياً وفيها الكثير من المكر والعشوائية والغدر والاعتماد على الحظ والغيب، لا تتفق، ولا تنسجم مطلقاً، أو تنجح مع التكنولوجيا والعلم العسكري الحديث والمعقد). وما زال بعضهم حتى اليوم ينتظر المدد من أولياء الله وملائكته، ويعولون أن يشفع لهم الأنبياء لكي يبيدوا دولة إسرائيل.


 


وقد لازم ذاك التفكير العربي والمسلم حتى أقعده عن العمل وعن فعل أي شيء، منتظراً ومستنداً على أن الله وملائكته سيفعلون من أجله كل شيء، ولذلك نرى أن العربي والمسلم ما زال يعتمد في غذائه وكسائه ودوائه على الآخرين الذين يحتقرهم.


 


 ويحنّ العربي والمسلم لدولة الخلافة حنيناً طفولياً غريباً وهي حلمه الأثير حتى اليوم، ( استدرك أشاوس القومية العربية ذلك التصور لاحقاً نظراً لعيوبه الكثيرة واستبدلوه بحلم أو بدولة الوحدة العربية). وفكرة دولة الخلافة، كنظام أبوي رعوي استبدادي أمـْيـَز، هي ذروة ما أنتجه العقل البدوي الصحراوي من تصور ومساهمة في علم الاجتماع السياسي العالمي. هذه الدولة التي تقطع فيها الرؤوس علناً في الميادين العامة، ويصلب فيها المفكرون الأحرار أياماً بلياليها على الأعواد، وتفقأ فيها عيون “المعاهدين” والمعارضين السياسيين وأبناء العمومة والأخوال، ويكثر فيها الشحاذون والفقراء والجياع والمضطهدون، فيما تتجمع الجواري والغواني والغلمان المردة في قصور السلاطين والسفاحين، ليس فيها أي شكل من أشكال الممارسة الديمقراطية أو أية سمة من سمات الدولة السياسية بشكلها العصري الحديث.


 


 ومن أجل هذه الدولة التي اكتسبت طابعاً قدسياً، رفض العربي والمسلم كل أشكال التطور المادي، وأي نمط من أنماط الحكم البشري الوضعي، ونادى بحاكمية الله الذي يودع سره وثقته في حاكم معصوم يلبس عمامة ومن هنا تم رفض الفلسفة، وحظر التفكير، وكفـّرت الحداثة، وشجبت العلمانية والتنوير، ولعنت الماركسية، وحـُقـّرت الديمقراطية وسـُفه كل شيء، وكل ما أتت به تجارب الأولين واللاحقين. وضرب العربي والمسلم حصاراً محكماً حول مقدساته التي لا يجوز الاقتراب منها ومسها بأي نوع من النقد والتشهير.


 


غير أن صدمة الاحتلال والهزيمة الساحقة الماحقة للعرب والمسلمين على أيدي اليهود، وبكل ما تثيره “اليهودية” ومفهومها من استفزاز للعقل الإسلامي، وتحرير “أرض الميعاد”، من الغزو العربي البدوي الإسلامي، وعودة أرض إسرائيل إلى أصحابها الشرعيين، حسب الخطاب اليهودي، هزت وخلخلت جزءً كبيراً من بنية ذاك هذا التفكير الطوباوي، وبددت الكثير من أوهام العرب والمسلمين التي تغنوا بها عبر التاريخ، وضعضعت البنيان الأسطوري الميثي لرواية التاريخ العربي، الذي انتابه الذعر بدل الطمأنينة ودخل إليه الشك بدل اليقين. إذ صارت دولة إسرائيل اليهودية، غير المسلمة والكافرة، كياناً سياسياً واقعاً يسعى العرب والمسلمون، والمؤمنون منهم، خاصة للاعتراف به، وأقوى دولة في قلب العالم العربي والإسلامي، يخطب ودها ويطلب يدها الصغير والكبير، وتصول وتجول وتعربد أمام الجميع دون أن تتدخل العناية الإلهية لوقف ذاك التصعيد ونصر المؤمنين على الملاحدة، “أعداء الله”، الملاعين. وأعطى وجود إسرائيل فرصة ثمينة ونادرة لتهذب البدو الأعراب قليلاً ويتعلموا لغةالتسامح والتعايش والتصالح مع الآخر المختلف، ولتنتشر معها ثقافة الحوار والتفاوض التي كانت معدومة في التاريخ العربي والإسلامي حيث كان الغزو والقتل ولغة الحروب والسيف هو الفيصل والحكم ( فاوضت الدول العربية الإسلامية، سراً وعلانية، إسرائيل وحاوروا قادتها اليهود بكل طاعة وخشوع واحترام والتزام غريب بالعهود والمواثيق). وكل هذا يخالف، ولا يتوافق مع تركيبة وبنية العقل الجمعي العربي والإسلامي الذي يحتقر الغير والآخر، وخاصة “اليهودي”، والكافر، ويدعو لقتله علناً في خطب الجمعة، ويعتبر نفسه سيداً وفوق الجميع. وتراجع العرب والمسلمون وتقهقروا خلف إسرائيل كثيراً ما استدعى الكثير من الأسئلة وعلامات الاستفهام حول حقيقة، وحال خير أمة أخرجت للناس.


 


فهل تكون هذه “النكبة المباركة”، برأينا، بداية لإعادة تشكيل جديد من الوعي والتفكير تؤسس لقطيعة مع الفكر والتراث الغيبي الذي لم يكن منطقياً وصائباً في رؤيته وتفسيره الأسطوري للتاريخ؟ ومن هنا يبدو، ومع وجود إسرائيل، أن هناك دفعاً باتجاه إقرار نوع من العقلانية في الطرح والرؤية تؤدي إلى فضاء من التفكير الصحيح يقطع مع ثقافة الاستعلاء والازدراء، ويعالج مختلف القضايا المطروحة وفق رؤية واقعية قائمة على العلم والمنطق وبعيدة عن الغيب والأساطير وأي نوع من التشنج والغوغائية والغطرسة والعناد الكيدي الثأري الأرعن والعنجهية الفوقية التي تميز بها عقل العرب والمسلمين عبر التاريخ.

مقالات ذات صلة