عين على العدو

نكسة طائرات التجسُّس

المجد-

شكَّل عنصر الاستطلاع الميداني والتجسس خلف خطوط العدو المهمة القتالية الأولى التي اضطلعت بها الطائرات عندما زج بها في الحرب العالمية الأولى أول مرة، وفي بداية الأمر كان العنصر البشري هو الذي يقود تلك الطائرات فعليا، ثم تحول الوضع منذ بداية الفترة لما بعد الألفية الثانية ليصبح البشر مجرد مسيطرين على مركبات جوية من دون طيار على الأرض.

واستمرت هذه الحال إلى أن جاءت حادثة استيلاء الجمهورية الإسلامية الإيرانية على أحدث طائرات الاستطلاع والتجسس لدى الولايات المتحدة نهاية العام الماضي، وذلك عبر قرصنة معلوماتية وفق زعم الجانب الإيراني، لتنقلب الأمور كلها رأسا على عقب، ويستثنى أهم مركبات الاستطلاع والتجسس الجوي من دون طيار RQ-4A «غلوبال هوك» من ميزانية عام 2013 المقبلة إلى غير رجعة.

وعوضا عنها يوكل لطائرات «U-2» الأقدم في التاريخ والتي يقودها بشر في القيام بتلك المهمة، وهو ما بات يثير تساؤلات عدة، أهمها: هل كان لحادثة استيلاء إيران على تلك الطائرة المتطورة تأثير في ذلك القرار؟ كيف ستقوم الطائرات الاستطلاعية بطيار من تأدية مهام تلك التي من دون طيار؟ وما الفرق الذي سيحدثه ذلك؟

بعد تقييم أداء سير العمليات في عاصفة الصحراء عام 1991م تبين أن هناك قصوراً ملحوظا في كفاية قوات التحالف، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، من ناحية طائرات التجسس والاستطلاع، خصوصا بعد تقاعد أشهر وأعتى طائرة استطلاع وتجسس بنيت في العالم حتى الآن، وأسرعها على الاطلاق (أكثر من 3 أضعاف سرعة الصوت) ألا وهي SR-71 أو "البلاك بيرد" في بداية عام 1995م.

 فقد كان الاعتماد على طائرات تجسس من نوع U-2 وRC-135 وهي طائرات مأهولة لم تكن لتزج في أجواء تقع مباشرة فوق أراضي العدو المحمية بدفاعات فتاكة، نظرا إلى العامل الإنساني على متنها، أما طائرات الاستطلاع غير المأهولة فان الموجود في الخدمة الفعلية من فئة "بريديتور RQ-1" ومثيلاتها وهي ذات أداء محدود ومدى قصير جدا، لا يسمح لها بالبقاء لفترة طويلة في الجو ومن دون اكتشافها من قبل وسائل العدو المضادة.

لذا، ركزت القيادة المركزية لسلاح الجو الأميركي على تصنيع طائرة تجسس واستطلاع من دون طيار ذات أداء عال ومدى طويل، والأهم ذات تجهيزات ملاحية وأنظمة كشف ومستشعرات فائقة التطور.

 

البحث عن طائرة استطلاع  غير مأهولة

أطلق على المشروع، الذي تبنته شركة «نورث روب ـ غرومان / Northrop- Grumman.» لإنتاج طائرة استطلاع وتجسس غير مأهولة، المصطلح Tier 2plus أي «المرتفع 2 زائد» وهو ما يبين أن القصد منه هو إيجاد بديل لطائرة U-2 ونسختها المحسنة TR-1، التي ستستمر رغم ذلك في الخدمة حتى عام 2016 حسب ما كان يعتقد في ذلك الوقت، فظهرت طائرة RQ-4A ذات الجناح الطويل والمستدق الأطراف ذي النسبة العالية، والأنف الذي يشبه الدلفين ومجموعة ذيل على شكل حرف V باللاتينية، ومحرك نفاث موضوع فوق البدن لتخفيف الانبعاث الحراري أطلق على تلك الطائرة لقب غلوبل هوك Global Hawk، اي الصقر العالمي نسبة لقدرة تحليق هذه الطائرة لمدى يصل الى 26 الف كلم او 42 ساعة من التحليق المتواصل، وبارتفاع يتجاوز 65 الف قدم من دون كلل، وهو ما يعتبر ثورة في مجال صناعة طائرات التجسس.

صورة طائرة RQ-4A

خصائص استثنائية

تكمن قوة RQ-4A في المجسات المزودة بها وبالأخص رادارها المتطور العامل بنظام Synthetic Aperture Radar او SAR أي المسح الراداري المجسم، الذي يعطي صورة أو يرسم صورة رادارية عن الهدف الذي يتم مسحه بواسطته، وبجانب ذلك هناك جهاز الكشف العامل بالأشعة تحت الحمراء من الجيل الثالث المتطور وجهاز الكشف الإلكترو-بصري التلسكوبي، كما زودت بأنظمة ملاحية ونظام تحكم في الطيران غاية في التطور والحداثة، وربطت جميع تلك الأنظمة بجهازي كمبيوتر لإدارة المهام، تم تلقيمه بكل المعطيات الضرورية لضمان أداء أمثل للطائرة، وشبكة أنظمة الملاحة بالقصور الذاتي المحمولة على متن الطائرة بنظام الملاحة وتحديد المواقع بالأقمار الصناعية GPS، وفر للطائرة قدرة على رسم خط سيرها بصورة آمنة.

مخاطر أقل ولكن!

لعل حادثة إسقاط الطائرة U-2 الاستطلاعية واسر طيارها «فرانك باورز» الأميركي في الاتحاد السوفيتي أثناء مهمة تجسسية فوقه عام 1960 وما تلتها من إسقاطات فوق الصين وكوبا بعد ذلك، قد أضرت بالقيادة الأميركية وسببت لها إحراجا دبلوماسيا في أوساط المجتمع الدولي، والحقيقة أن السبب الذي يصعد من ذلك هو وجود العنصر البشري على متن الطائرة، مما يعيق من مرونة العملية، نظرا لضرورة اتخاذ الإجراءات الاحترازية كي تضمن سلامة الطيارين ومنع وقوعهم في الأسر قدر الإمكان والأهم عدم حصول العدو على أجهزة الطائرة الحساسة التي قد يكون بعضها حديثا ومتطورا لدرجة خطيرة، كما حدث للطائرة الأخيرة RQ-170 الخفية.

من أجل ذلك ظهرت فكرة التحول إلى الطائرات غير المأهولة والمسيرة عن بعد، إلا أن القرار المثير الذي اتخذ في العودة إلى طائرات العهد البائد كالـ U-2 ربما لم يأت من فراغ؛ وقد لا يكون السبب كما هو معلن أنه اقتصادي بحت، خصوصا لو علمنا أن أسطول طائرة U-2 التي يقودها بشر يكلف مبلغ 2830 دولارا أميركيا للمهمة الواحدة في الساعة، في حين أن ذلك يكلف للطائرة RQ-4A من دون طيار 6710 دولارات وهو ما يفسره البعض بأن طبيعة التجهيزات والإجراءات المتبعة للأخيرة تختلف كليا عن تلك التي لـ U-2 إلا أن هناك توابع أكبر وهي القرصنة المعلوماتية للأعداء باتت ربما تقلق القيادة الأميركية مؤخرا وهو ما دعاها إلى الزج بالعنصر البشري رغم المخاطرة مرة أخرى في تنفيذ تلك المهمة.

ما خفي كان أعظم

قد تكون عملية الاستعاضة بطائرات يقودها بشر بتلك غير مأهولة ما هي إلا كتغطية لطائرة أو مركبة جوية أحدث وأقوى من يدري؟ خصوصا أن أسطورة الطائرة الشبح «أورورا « ذات القدرة على التحليق بسرعة تتجاوز سرعة الصوت بخمسة أضعاف (أكثر من 5 آلاف كلم/ساعة) لاتزال تتردد على مسامع المراقبين في مجال الطيران، إلا أن أكثر تلك الروايات التي تلمح إلى أنه بالفعل لدى سلاح الجو الأميركي طائرة تجسس ثورية هو ما أثر حول الطائرة الفضائية غير المأهولة «X-37B» خصوصا أن الصين وجهت إليها أصابع الاتهام بالتجسس على المحطة الفضائية الخاصة بها منذ مدة قريبة، وهذا قد ينقلنا إلى أبعاد أخرى من الصراع الأممي اللامتناهي.

مقارنة بين Global Hawk و U-2

المعلومات التقنية لطائرة RQ – 4A غلوبل هوك

– تاريخ الطيران الاولي: فبراير 1998

– النوع: طائرة استطلاع وتجسّس

– المقاييس / الطول: 14م

– عرض الجناح: 39 م

– الأداء / السرعة: 580 كلم/ساعة

– المدى الأقصى: 16520 كلم

– مدة البقاء في الجو: 28 + ساعة

– الارتفاع الأقصى للطيران: 65 ألف قدم

– المحرك: 1 نفاث فئة رولزرويس

– نظام التوجيه والقيادة: آلي كامل

 

المعلومات التقنية لطائرة U ـ 2 

– تاريخ الطيران الاولي: 1955

نوع الطائرة: طائرة استطلاع وتجسس

– الطول: 19م

– عرض الجناح: 31.5م

– الأداء / السرعة: 680 كلم/ساعة

– المدى الأقصى: 11564 كلم

– مدة البقاء في الجو: 10 إلى 12 ساعة

– الارتفاع الأقصى للطيران: 70 ألف قدم

– المحرك: 1 نفاث فئة «برات اندوتني»

– الطاقم: طيار واحد

اعد التقرير/ علي محمد الهاشم

صحيفة القبس الكويتية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى