في العمق

الهند والكيان.. علاقات أمنية وتعاون متبادل

المجد

اتسمت العلاقة بين الهند والكيان على مدى نحو أربعة عقود بالتوتر والتحفظ, بينما اختلف الأمر في التسعينيات، وقد ساعد على ذلك انهيار الاتحاد السوفياتي وضعف الدول العربية والإسلامية, وبدء علاقات شبه طبيعية بين الكيان وبعض الدول العربية، وتشجيع الولايات المتحدة الهند على إقامة علاقات قوية بما فيها العلاقات الإستراتيجية مع الكيان.

بالإضافة إلى تصاعد موجات العنف داخل الهند من جماعات شبه إسلامية -وخاصة في النزاع على كشمير- تدعمها حكومة باكستان، وتصور الهند بأن لدى الكيان خبرة في معالجة قضايا العنف الإثني، ووصول قوى متعصبة إثنيا ومضادة للإسلام للحكم في الهند (حزب بهارتيا جاناتا عام 1998)، كذلك انقلاب الولايات المتحدة على الجماعات الإسلامية التي شجعتها ضد الاتحاد السوفياتي عن طريق باكستان، وتحول الحكم في باكستان إلى حكم عسكري دكتاتوري.

كل هذا نتج عنه إقامة علاقات دبلوماسية بين الجانبين الهندي والصهيوني عام 1992، وجاء وصول حزب بهارتيا جاناتا إلى الحكم عام 1998 ليشكل بداية جديدة للتعاون بين نيودلهي وتل أبيب، وسرعان ما تطورت هذه العلاقات تشجعها التطورات السابقة بحيث وصلت إلى علاقات تعاون إستراتيجي في بعض المجالات وخاصة الدفاع.

مجالات التعاون بين البلدين

تنوعت العلاقات بين الهند والكيان فاشتملت على علاقات ثقافية، وعلاقات اقتصادية في مجالات الزراعة ونقل التكنولوجيا، واستخدام الكيان كمنصة لتوسيع التجارة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، بينما شكلت السوق الهندية الكبيرة حلقة اتصال مع الشرق الأقصى ومبيعات السلاح.

وأقام البلدان نحو 200 مشروع مشترك في مجالات الهندسة وإدارة المياه الجوفية ومحاربة التصحر والتكنولوجيا الرفيعة وغيرها. وقد ارتفعت الاستثمارات الصهيونية في الهند من 36 مليون دولار عام 1992 إلى مليار دولار عام 1999، واتفق البلدان على معاملة كل منها للأخرى معاملة الدولة الأولى بالرعاية, وارتفع معدل التبادل التجاري بينهما من 202 مليون دولار عام 1992 إلى أكثر من مليار دولار، كما اتسعت مجالاته وتنوعت.

وعلى المستوى الدبلوماسي تعاونت الهند مع الكيان في بعض القضايا التي تعرضت فيها دولة الكيان للإدانة الدولية خاصة فيما يتعلق بالمساواة بين الصهيونية والعنصرية، وذلك في مقابل تأييد الكيان للهند في مواجهة باكستان.

العلاقات الأمنية

تتقدم العلاقات الأمنية بين الهند والكيان باطراد حيث أصبحت الكيان ثاني مورد للسلاح إلى الهند بعد روسيا، وقد زودت دولة الكيان الهند بالكثير من الأسلحة والمعدات العسكرية في حين تقدم الهند فرصة لنشر الغواصات الصهيونية التي تمثل في العقيدة القتالية الصهيونية قوة ضربة ثانية بحرية بعيدة عن أسلحة جيرانها، ويمثل المحيط الهندي بنية تحتية إدارية تسهل الانتشار غير متوفرة في البحر المتوسط ولا في البحر الأحمر.

ولا شك في أن ذلك يتطلب تعاونا صهيونياً مع الأسطول الهندي، ويمثل التعاون الهندي مع الأسطول الصهيوني عملا مهما لإمكان تهديد الكيان لإيران التي طورت صواريخ يمكنها إصابة كافة المدن الصهيونية الكبرى، كما يساعد على تهديد دول الخليج وتطويق الوطن العربي من الجنوب.

وفي هذا المجال قامت الغواصات الصهيونية عام 2000 باختبار وتجربة صاروخ "كروز" قادر على حمل رأس نووية في مياه المحيط الهندي أمام شاطئ سريلانكا. وتكررت التقارير عن مثل هذه التجارب بعد ذلك, وهناك تقارير عن رغبة مشتركة بين الجانبين في التعاون بمجال تطوير نظام مضاد للصواريخ على أساس النظام "أرو" باعتبار أن كليهما يتعرض لاحتمال التهديد باستخدام الصواريخ ضده.

ويرى بعض الكتاب الصهاينة أن تحالفا بين الهند والكيان تؤيده الولايات المتحدة سيخلق قوة استقرار في المنطقة بالتعاون مع قوى لها عقلية مشابهة مثل تركيا، وأنه يمكن أن يساهم في مواجهة قوى التطرف الراديكالي المعادي لمصالح الولايات المتحدة في غرب ووسط آسيا. ومن المحتمل أن يكون أحد أهداف هذا التعاون إنشاء توازن وثقل مضاد لقوة الصين المتنامية والتي تتحدى الهيمنة الأميركية.

واشتملت العلاقات العسكرية بين الكيان والهند على عدة جوانب أهمها الإمداد بالسلاح، ومنها تزويد دولة الكيان بمقاتلات ميغ/27 الهندية بعناصر إلكترونيات الطيران، وتحسين قدرات الطائرات 125 طائرة ميج/21 وطائرات سوخوي/30 وطائرات "جاغوار" ومروحيات مي/35 ومي/8، كما باعت للهند عددا غير معروف من طائرات بدون طيار، وقنابل موجهة بالليزر، وأحدث نظم إدارة النيران للدبابات "ت/72 "، و30 صاروخا مضادا للسفن من طراز "باراك"، وتحسين قدرات 180 مدفعا عيار 155 ملم وبيع دانات مدفعية عيار 155 ملم، ورادارات ونظم مساحية، وأجهزة رصد ومراقبة الحدود بما فيها مستشعرات شديدة الحساسية للمساعدة على تشغيل خط السيطرة على الحدود الهندية الباكستانية، وبنادق قناصة، وأجهزة رؤية ليلية، وأجهزة تقدير المسافات وتحسين إمكانيات المعدات السوفياتية المدرعة والطائرات. وتشتمل قيمة العقود ما يزيد على ثلاثة مليارات دولار من المعدات العسكرية.

كذلك يتردد أن دولة الكيان زودت الهند برادار "غرين باين" المستخدم في نظام "أرو" بموافقة الولايات المتحدة، وتكنولوجيات الإجراءات الإلكترونية المضادة, وهناك تقارير بأن الهند تتفاوض لشراء نظام الإنذار المتقدم المحمول جوا من طراز "فالكون"، كما اشتملت المحادثات الهندية الصهيونية الأميركية على بيع الهند نظام "أرو" للدفاع ضد الصواريخ.

وفي مجال الوحدات البحرية اشتملت مبيعات السلاح الصهيوني للهند على لنشين سريعين من طراز "دفورا" مسلحين بنظم مساحة حديثة ونظام مدافع معقد، وصواريخ مضادة للسفن سبقت الإشارة إليها.

وفي مجال المشروعات المشتركة سبق أن أذاع مسؤول أميركي من البنتاغون في ديسمبر/ كانون الأول 2002 أن الهند والكيان تخططان لإنتاج مشترك لمروحية خفيفة متقدمة. وقد تعاونت شركة "هندوستان إيرونوتكس ليمتد" مع شركة الصناعات الجوية الصهيونية لتسويق مشترك للمروحية الخفيفة المتقدمة من صنع الشركة الهندية المذكورة.

وقد أعلن مسؤولون من شركة هندوستان المذكورة في فبراير/ شباط 2003 عن اتفاق تكامل إلكترونيات الطيران من إنتاج شركة الصناعات الجوية الصهيونية في المروحية الخفيفة المتقدمة، وفي تسويق هذه المروحية عالميا. كما اتفقت الهند والكيان على إنتاج مشترك للنشات السريعة من طراز "دفورا".

وفي مجال التدريب يقوم خبراء الكيان في مكافحة الإرهاب بتدريب نظرائهم الهنود في كشف التسلل على امتداد الحدود، وتتبع حركة المتطرفين في الدولة، واكتشاف المفرقعات وتأمين القنابل واستخدام الأجهزة والتكتيكات الأخرى. ومن المنتظر أن تقوم دولة الكيان بتدريب أربع كتائب أي ما يعادل نحو ثلاثة آلاف جندي هندي على ضربات ضد أعمال العصابات بالإضافة إلى تدريبهم في الصحراء والجبال والأدغال وتحرير المخطوفين.

مخاطر هذه العلاقة على العالم العربي والإسلامي

تعتبر أية علاقة تعاون بين الكيان ودولة أخرى خطرا على العالم العربي والإسلامي إذ يمثل ذلك فرصة للكيان لمزيد من التعدي على الحقوق العربية والإسلامية، كما يشكل فرصة لخروج الكيان من عزلتها في المنطقة حيث تحيط بها دول وشعوب عربية تدرك مخاطرها.

وهكذا فإن تطور العلاقة بين الهند والكيان يمثل خطرا على الدول والشعوب العربية والإسلامية، لكن هذه المخاطر تختلف باختلاف أنواعها.

وإذا كان من الضروري تحديد الأولويات، فإن المخاطر الناجمة عن العلاقات الإستراتيجية الأمنية والتي تتمثل أساسا في استخدام الكيان لمياه المحيط الهندي بالتعاون مع الأسطول الهندي تشكل الخطر الأكبر حيث يشكل الوجود البحري الصهيوني تهديدا مباشرا لجنوب شرق الوطن العربي وخاصة دول الخليج العربي والعراق، وللدول الإسلامية بجنوب غرب آسيا وخاصة إيران وباكستان حيث هنا يصبح التهديد للوجود ذاته.

أما مبيعات الأسلحة الصهيونية للهند فإنها تزيد من قدرات الكيان على تطوير صناعتها العسكرية على نحو يزيد من قدرتها على تهديد الوطن العربي والإسلامي، كما أنها تساعد دولة الكيان على مواجهة المخاطر الاقتصادية الناجمة عن انتفاضة الأقصى وبالتالي القدرة على الاستمرار في تهديد الشعب الفلسطيني والدول العربية المجاورة.

ولا يمكن إغفال أهمية التعاون الهندي الصهيوني في باقي المجالات إذ أنه يوفر فرصة لإفلات الكيان من الإدانة الدولية في المحافل المختلفة، كما أنه يفتح السوق الهندية الكبيرة أمام المنتجات الصهيونية مما يمكنها من الصمود في مواجهة المقاطعة العربية.

مقالات ذات صلة