الأمن التقني

كرسي الاعتراف وأبطال الديجيتال !

المجد- خاص

مع تخطي عدد مستخدمي الإنترنت حاجز 2 مليار فرد من أصل 7 مليارات هي تعداد البشرية، أي ما يزيد على ربع البشرية فإن هؤلاء نقلوا معهم أنشطتهم إلى الإنترنت، فأصبح الإنترنت أشبه بمجتمع بشري جديد بصورة جديدة، أو يمكن القول بأن المجتمع الإفتراضي الجديد أصبح أشبه بصورة رقمية للعالم الحقيقي، فما يحصل في العالم الحقيقي تجد له فوراً إنعكاساً في العالم الرقمي، بل إن الأحداث أصبحت كثيراً ما تحدث في العالم الرقمي أولاً ثم تنتقل إلى العالم الحقيقي.

هذان الملياران من البشر نقلوا معهم أنشطتهم الحياتية إلى العالم الرقمي، كل بحسب نشاطه الأصلي، فالمدرس نقل دروسه، والتاجر نقل تجارته، والجاسوس أيضاً نقل تجسسه إلى العالم الرقمي! فلم يعد خافياً على أحد النشاط الأمني الكبير والمحموم الذي تقوم به الأجهزة الأمنية والإستخبارية في مختلف دول العالم على شبكة الإنترنت، حيث لم تعد هناك دولة كبيرة أو صغيرة لا تملك جهازاً أمنياً أو أكثر للتعامل مع البشر في العالم الرقمي الإفتراضي، حيث أصبحت تحدث هناك جرائم لا تقل خطورة عن جرائم العالم الحقيقي إن لم تتفوق عليها في كثير من الأحيان.

لكن الجرائم الإلكترونية ليست الشئ الوحيد الذي تبحث عنه هذه الأجهزة، فالمعارضة السياسية في بلدان العالم أصبحت تتخذ من الإنترنت ملاذاً آمناً لحشد الرأي العام وتأليب الجماهير، فصار إخمادها أو على الأقل مراقبتها وتقييد نشاطها ما أمكن هدفاً ومطلباً للأجهزة الإستخبارية، وتشمل النشاطات الإستخبارية ضد المعارضة السياسية في الغالب أدوات لقياس الرأي العام وكذلك الإسقاط بأنواعه ضمن نشاطات أخرى، وهذان النشاطان بالتحديد (قياس الرأي العام وكذلك الإسقاط بأنواعه) تستخدم في ممارستهما أساليب شتى، لعل أخطر هذه الأدوات هي ما يسمى بكرسي الإعتراف.

وكرسي الإعتراف هذا في الأصل مفهوم إخترعه بعض رجال الدين في أوروبا بإسم الدين بغية السيطرة على أتباعهم، فزعموا أنهم يتكلمون بإسم الرب وأن الإعتراف لهم سوف يخلص الإنسان من ذنوبه! والهدف من ذلك جمع المعلومات للملوك في وقتها بالإضافة إلى (كسر عين) أتباعهم لضمان ولائهم المطلق، حيث كانت الكنيسة الآمر الناهي ووسيلة تثبيت العروش الأوروبية التي استخدمت الكنيسة بشكل فج لتقنين الظلم الشديد على رقاب الناس، فلما سقطت العروش سقطت معها الكنيسة.

واليوم، فإن كرسي الإعتراف، أو طاولة الإعتراف، أو أي تسميات أخرى أيضاً، هي أدوات ذات مضمون واحد : جمع معلومات عن شخصية ما تمهيداً لمحاولة تجنيدها أو توظيف المعلومات ضدها بشكل أو بآخر، بالطبع ليس كل من يطرح هكذا لعبة هو بالضرورة جاسوس أو ضابط مخابرات، فكثير من المغفلين والفضوليين يفعلون ذلك، ولكن المؤكد أن هذه الألعاب والنقاشات التي تتضمن غالباً معلومات شخصية يمكن توظيف هذه المعلومات ضد صاحبها لاحقاً أو أن يساء إستخدامها، كما تتضمن أحياناً أسئلة ذات مغزى إستخباري مفضوح! مثل : لو تعرضت للإبتزاز ماذا تكون ردة فعلك؟ وما هي أخطر شخصية مقربة منك؟! والأسوأ أن ينبري بعض الشباب الذين يظنون أنفسهم أبطال العالم الرقمي ليجيبوا عن كل صغيرة وكبيرة وبإستفاضة!

هذه النماذج، بكل ما تحويه من سفاهة ومخاطر أمنية في عالم شرس وخطير وملئ بكل أنواع الصراع، فضلاً عما يحتويه من إضاعة للوقت وفضح للأسرار ومساعدة للأعداء في بعض الأحيان تؤكد الحاجة الملحة للتوعية الأمنية للناس، عوامهم وخواصهم، وعلى كل من يهمه الحفاظ على أمنه الشخصي أو الإقتصادي أو الإجتماعي أن يلجم أهل بيته، ويحذرهم وينذرهم من الخوض فيما لا فائدة منه، ولا طائل من وراءه سوى كشف الأسرار، وهتك الأستار.

مقالات ذات صلة