تقارير أمنية

ماذا وراء إعادة هيكلة الجيش الصهيوني من جديد

المجد

أثار قرار الجيش الصهيوني تشكيل قيادة العمق الجديدة جملةً من التساؤلات عن مبرراتها ومسوغاتها لأنها جاءت بشكل مفاجئ، وقد أقيمت للتنسيق والسيطرة على العمليات المشتركة بين الأذرع ذات المدى البعيد، طارحة كثيراً من علامات استهجان واستفهام؛ لماذا بالضبط الآن؟ وهل هناك اعتبارات غير مناسبة؟ وهو ما يتطلب الفصل بين الهدف من عمليات في العمق، وإقامة تنظيم جديد كقيادة خاصة؛ ولا سيما أن الجيش عمل في السنوات الأخيرة في مناطق بعيدة جداً.

كما أن أحد القواسم المشتركة بين العمليات بعيدة المدى، هو الدمج بين الأذرع للأجهزة الاستخبارية المختلفة (قوات جوية، وحدات بحرية، وحدات خاصة)، والقيادة والسيطرة في كل عملية على ما يبدو مختلفة؛ أحياناً تُلقَى على عاتق مواقع السيطرة التي تعمل في كل مجالات العمليات العسكرية، وأحياناً يتم تشكيل هيئة سيطرة مرتجلة، مذكراً بأنه في سنوات الثمانينيات من القرن الماضي عمل موقع السيطرة في العمليات الخاصة بشكل جارٍ.

بينما يمكن استخلاص الدرس الذي يمكن تلمُّسه من إعلان الجيش أنه يؤسس قيادة إستراتيجية للعمليات البعيدة داخل أرض العدو، وهو الإشارة إلى نوع الحرب التي تتوقع أن تواجهها دولة الكيان، وأنها حرب طويلة وصعبة لا يمكن الانتصار فيها ببساطة عبر القتال عند الحدود، وهو ما يعني أن قيادة العمق ستشهد عمليات تنفذها القوات الخاصة في محاولة للسماح لكل وحدة بالاحتفاظ بقدراتها الفريدة، وفي الوقت نفسه ضرورة العمل ضمن تعاون أفضل مع منافسة أقل.

 

مع العلم أن تأسيس القيادة الجديدة كان قيد الدرس خلال العقد الماضي في الجيش، لكنه دُفِع على نحو متكرر إلى الواجهة جراء القضايا الملحَّة، وما تغير هو طبيعة التهديد الذي تواجهه دولة الكيان, الذي يتطلب تنفيذ وحدات النخبة عمليات بعيدة عنها، وداخل عمق أرض العدو؛ بحيث تكون مهمة القيادة منقسمة لنوعين:

الأول: ستعمل مع القوات الخاصة، وفي الوقت نفسه تشرف على عملياتها السرية التي قد تكون ضد تهريب الأسلحة إلى حزب الله وحماس، أو مباشرة ضد إيران ومنشآتها النووية، مع العلم أن للقوات الخاصة بعض النجاحات المبهرة في السنوات الأخيرة، معظمها لا يمكن نشره؛ حيث برز شعور لدى هيئة الأركان العامة منذ حرب لبنان الثانية بأن الوحدات قادرة على فعل المزيد إذا ما عملت مع بعضها بعضاً، وإن حصل تعاون أفضل بين أفرعها الخاصة.

الثاني: سيكون الدور الثاني للقيادة هو الإشراف على العمليات العسكرية واسعة النطاق، التي تُنفَّذ في عمق أرض العدو، سواء في لبنان أو سورية، وبينما لكل جبهة قيادتها المسؤولة عنها، فإن القيادة الشمالية مخولة بالعمل لخط محدد في لبنان وسورية وليس أبعد من ذلك، وكذلك الوضع بالنسبة للقيادة الجنوبية في سيناء.

السيطرة المناطقية:

إن المشكلة أنه في أي حرب مستقبلية قد يتطلب الأمر بالنسبة للجيش – مع امتلاك حزب الله وحماس لصواريخ متوسطة وبعيدة المدى – أن يعمل في عمقه، وليس فقط في الجنوب كما فعل صيف 2006م؛ بحيث إذا اندلعت الحرب مع سورية، وأراد الجيش شنَّ عملية (جوية، برية، بحرية) مشتركة شمال دمشق، فستلعب القيادة الجديدة دوراً أساسياً في توجيه القوات، وهو ما يجعل مخاوف الجيش تسهم بشأن تغيرات إقليمية محتملة في سورية ومصر والعراق في قرار تأسيس القيادة الجديدة، ناقلاً عن أحد الضباط رفيعي المستوى قوله: نبني القدرات لتقديم الحلول في أوضاع مضطربة.

وستستطيع القيادة الجديدة المساعدة في المستقبل بتشغيل قواتٍ خاصة بالشأن الإيراني، ويفترض أن تخطِّط وتقود عمليات في المناطق الموجودة بعيداً وراء الحدود، متعلقةٍ بالمعركة السرية التي تدار ضد المنظمات المسلحة، وبشكلٍ غير مباشر ضد إيران، في الفترة الممتدة بين الحروب من الممكـن التفكيـر – على سبيل المثال – بالعمليات التي تُنسَب لدولة الكيتان كهجمات سلاح الجو، وتشغيل مقاتلي الوحدات الخاصة في السودان، أو اغتيال الجنرال السوري في بيته.

وقد أعطى رئيس الأركان "بيني غانتس" تعليمات للقيادة الجديدة لفحص التطورات والتغييرات الإستراتيجية في المنطقة، والتأكد إن كان يتطلب تغييراً في استعدادات الجيش؛ حيث شخصت الحاجة لقيادة بين الأذرع تهتم بعملياتٍ مشتركة في العمق، بين الحروب وبالتأكيد خلالها، تُمارَس ضد الكيان قوة أساسها في المناطق البعيدة عن حدودها، والمواجهة ليست طولية؛ فيلق مدرعات يتقدم في الجولان باتجاه دمشق، على سبيل المثال، وإنما متزامنة، في حين أن العمق – على سبيل المثال – فيه قواعد إطلاق قذائف صاروخية، متورط طيلة الوقت في القتال، ويتطلب اهتماماً خاصاً.

هذا التشكيل الجديد للقيادة العسكرية، يشير بصورة واضحة إلى أن الصهاينة لا يهدؤون، وهذا هو حالهم على المستويين الأمني والعسكري، وتهديدات بكل اتجاه لشن حملة عسكرية لاستعادة قوة الردع التي تلاشت، ولكن في المقابل هناك تخوفات صهيونية من أن صواريخ المقاومة ستصل تل الربيع المحتلة، وسيكون على السكان النزول إلى الملاجئ في أي عملية عسكرية؛ حيث زعم رئيس هيئة الأركان العامة "بيني غانتس"، أن ما وصفها بـ "قوة الردع الكبيرة" التي حصل عليها الجيش جراء عملية الرصاص المصبوب، باتت متحققة، ولذلك من حين لآخر نقوم بالتعامل مع إطلاق للصواريخ من قطاع غزة، ونحن واعون أن مسارات التعاظم تتواصل من الأنفاق؛ لذلك لن نقدر على مواصلة العيش تحت تهديد متواصل وناشط لحركة حماس في غزة.

من جهة ثانية أكد "شاؤول موفاز" (رئيس هيئة أركان الجيش الأسـبق، ورئيـس لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست) أنه "لا بد من العمل بحزم ضد المسلحين في غزة، ويجب الإضرار بها بشكل رادع وأكثر قسوة، مثنياً على ما يقوم به الجيش من هجمات دورية، مشدداً على ضرورة أن يكون هناك رد أكثر شمولية ضد رؤساء هذه المنظمات ومنفذي التفجيرات".

وقال قائد قيادة اللواء الجنوبي التابع لفرقة غزة العسكرية "تال روسو": "إن الجيش مستعد وجاهز لتنفيذ عملية عسكرية ثانية ضد غزة، رغم أن المنطقة اليوم بصورة نسبية أكثر هدوءاً، والطرف الثاني يرد بطريقة مدروسة، لكن إذا اتسعت ما وصفتها بـ "الشقوق" في جسم التهدئة، فإننا سننفذ عملية عسكرية مختلفة عن الرصاص المصبوب ومتنوعة بهدف تجديد قوة الردع، وهو ما يعني أن عملية غزة القادمة ستكون أقصر من سابقتها، لكنها ستستخدم قوة عسكرية أكبر بكثير".

ولذلك أوضحت أوساط عسكرية أنه في حال الخروج إلى عملية عسكرية واسعة ضد حماس في غزة، فإن الأخيرة لن تجد بدّاً من تهديد مدينة "تل الربيع المحتلة" والمدن المجاورة لها بإطلاق الصواريخ، وهو ما سيدفع لاتخاذ قرار بوضع سكانها في الملاجئ، وهو أمر غير مسبوق في تاريخ مواجهاتها العسكرية.

د. عدنان أبو عامر

مقالات ذات صلة