في العمق

“بروتوكولات” الصهاينة والأمريكان.. ضد لبنان

 


تحليل ـ موسى راغب



ما حدث ويحدث الآن في لبنان أمر يُفزع كل من في المنطقة، أيا كانت توجهاتهم السياسية والعقائدية. فبالرغم من أن هذه الأحداث تعد ترجمة عملية لمخطط أعدته إسرائيل وأمريكا، بهدف جر لبنان لحرب أهلية من شأنها إضعاف المقاومة، غير أن الانفجار المرتقب قد يؤدي لنتائج كارثية ليس للبنان وحده، وإنما لجميع المنطقة بمن فيها إسرائيل والمصالح الأمريكية.


 


الواقع أن إسرائيل وأمريكا اللتان تضعان حزب الله على قمة القضايا التي تواجههما في المنطقة، تدركان أن القضاء عليه يكمن في إضعافه، وإن إضعافة لن يتحقق إلا بواحد من أمرين: فإما بقطع الإمدادات التي تصل إليه من سوريا وإيران .. وهذا يتطلب توجيه ضربات عسكرية قادرة على منع تلك الامدادات من الوصول إليه من جهة، كما يتطلب القيام بشن حرب حاسمة على الحزب للإجهاز على بنيته التحتية والقضاء على عناصرة من جهة أخرى، وإما بجرُ الحزب لحرب ضد الموالاة وحلفائهم في لبنان والمنطقة، بهدف فتح جبهة ثانية تتزامن في وقوعها واحتدامها – إن توافرت الظروف المناسبة – مع قيام إسرائيل (بالتعاون مع البحرية الأمريكية المرابطة قبالة الساحل اللبناني) بشن حرب ضارية، تستهدف التخلص من قدرات الحزب القتالية، وتدمير بنيته التحتية نهائياً.


 


والذي تابع ما جرى في اليومين الأولين من الأزمة، وأمعن التفكير في التصريحات التي صدرت عن المسئولين فيهما والمقربين إليهما، لا بد أنه خلص لنتيجة مؤداها: إن “خط الرجعة” لكليهما بات صعباً للغاية، ما لم يتراجع أحدهما عن قراراته إن جبراً أو طواعيةًً. فالقرارات التي اتخذتها حكومة السنيورة، والتي عبر عنها بطريقة استفزازية قميئة أبرز زعماء الموالاه “وليد جنبلاط”، إنما تستهدف النيل من أهم سلاح للمقاومة، وهو منظومة الاتصالات الخاصة بها، وجرها للدخول في صراع جانبي من شأنه تسهيل مهمة الجيش الإسرائيلي، إذا ما قرر القيام بهجوم جديد على حزب الله، بالتزامن مع الأزمة الراهنة.


 


لكن المفاجأة الكبرى التي قلبت كل الخطط التي وضعتها حكومة السنيورة، والتي اعتمدت فيها على تقديرها الخاطئ بعدم قدرة حزب الله القيام بردود فعل مؤثرة، جاءت عبر المؤتمر الصحفي الذي عقده أمين عام حزب الله، والذي أكد فيه أن تلك القرارات تعني إعلان الحرب على المقاومة، وأن الرد عليها منذ لحظة إعلانها يأتي في هذا السياق.


 


وبرر أمين عام الحزب ذلك بقوله: إن محاولة الموالاة تفكيك منظومة الاتصالات الخاصة بالحزب، سواء في المطار أو في أي موقع آخر، تعني إعلان الحرب على المقاومة، لأن الكشف عن هذه المنظومة، سيمكِّن العدو من إفشال أي عمليات أو تحركات تقوم بها عناصر المقاومة في أية معركة قادمة.


 


وعودة لمعرفة المضمون الحقيقي لتلك القرارات والمبررات التي ارتكز عليها كلا الفريقين في اتخاذ موقفيهما من هذه المسألة ، نقول: إن اتخاذ الموالاة لهذه القرارات وفي هذا التوقيت بالذات، ينطوي – من وجهة نظر المراقبين – على دلالات هي في غاية الخطورة، بالنسبة لأمن المقاومة واستمرارها، ذلك أنها تهدف لتحقيق هدفين خطيرين:


 


أولهما- حرمان المقاومة من امتلاك شبكة اتصالات تحمي أمنها، وبخاصة في مطار بيروت الدولي الذي يقع في ذات المنطقة التي تتواجد فيها قيادات المقاومة، والذي عادة ما تستخدمه أجهزة الاستخبار المعادية للتجسس على قيادات الحزب، وبخاصة جهاز الموساد الإسرائيلي ووكالتي الاستخبار الأمريكيتين CIA و FBI .


 


وثانيهما-  مطالبة حكومة السنيورة الجيش وقوى الأمن اللبنانية، القيام بإزالة الكاميرات والكيبلات التابعة لتلك الشبكة، والمقامة في مطار بيروت الدولي،. كما طالبت الأجهزة القضائية بملاحقة من وصفتهم بـ “المتورطين” في إقامة تلك الشبكة ومحاكمتهم، ما اعتبره أمين حزب الله “إعلان حرب” على المقاومة.


 


فهدف هذه القرارات – في نظر سماحة نصر الله – دفع المقاومة في مواجهةٍ مباشرةٍ مع مؤسستي الجيش وقوى الأمن اللبنانية، بما ينطوي عليه ذلك من مخاطر من شأنها تهديد أمن لبنان ووحدته. كما يحقق للمشروع الصهيوأمريكي هدفه الرئيس، وهو العمل على دفع المقاومة للدخول في حربين متزامنتين: إحداهما مع إسرائيل، والأخرى مع الجيش والأمن الوطني اللبناني، إضافة للمليشيات التابعة للموالاة. وبذلك يصبح الطريق ممهداً أمام تنفيذ المراحل التالية من ذلك المشروع، بدئاً بتحقيق الهيمنة الكاملة على لبنان، وجعله مرتكزا ينطلق منه لمهاجمة سوريا بهدف إسقاط النظام فيها أو تحجيم دورها في المنطقة على الأقل، وانتهاءً بتوجيه ضربات عسكرية مركزة على إيران تستهدف إسقاط النظام الإسلامي في طهران (إن أمكن)، وتدمير البنية التحتية للاقتصاد الإيراني، إضافة لقصف مواقع الجيش الإيراني وتدمير أسلحته البرية والبحرية والجوية.  


 


أمين حزب الله من جانبه، فنَّد المزاعم التي ساقتها الموالاة في معرض تبريرها لتلك القرارات، بقوله: إن منظومة الاتصالات التي تتحدث عنها حكومة السنيورة، لا تمس القوانين والدستور اللبناني، وإنما هي لتأمين الاتصالات الخاصة بالمقاومة، ولا علاقة لها باختصاصات المؤسسة الحكومية المعنية على الإطلاق. كما أنها ليست الوحيدة المقامة في لبنان، فهناك العديد من شركات الاتصال الخاصة، منها المرخص ومنها غير المرخص، ما يفضح – في نظره – الأهداف الحقيقية من وراء إصدار تلك القرارات، وفي هذا التوقيت بالذات الذي يقدم فيه ” رود لارسون” (المعروف بعمالته لواشنطن) تقريره لمجلس الأمن، حول تنفيذ القرار الأممي 1559 الخاص بنزع سلاح المليشيات في لبنان، فضلاً عن الأضرار التي تلحقها تلك القرارات بقدرات المقاومة القتالية.


 


لكن الأخطر من ذلك، أن الأمين العام لحزب الله أعلن بكل وضوح، أن تلك القرارات تعني “إعلان حرب” على المقاومة، وإنها جاءت استجابة للالتزامات التي قطعها رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي “وليد جنبلاط” على نفسه للموساد الإسرائيلي والـ “CIA” و “”FBI ، بشأن فتح جبهة داخلية لإشغال حزب الله عن مهمته الرئيسة وهي مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، إضافة لهدف جنبلاط في إضعاف قدرات الحزب القتالية.


 


وأوضح نصر الله أن موقف حزب الله (بعد صدور تلك القرارات)، سيكون – بالقطع – غير الموقف الذي كان عليه قبل صدورها، كما أنذر الموالاة ومن يناصرونها بأن المقاومة سوف تقاتل كل من يحاول التعرض لأمنها أو ينال من سلاحها، ولن تتساهل بعد اليوم مع أي تجاوزات تضر بأمنها.


 


وفي هذا السياق أكد سماحته، أن منظومة الاتصالات التي تعرضت لها قرارات الحكومة هي أهم سلاح للمقاومة، وهي توازي ما يسمى (في كل جيوش العالم وحركات التحرر الوطني) بسلاح الإشارة. فمحاولة التعرض لهذا السلاح وبالطريقة التي اتخذتها الحكومة اللبنانية، يعد – في نظره – اعتداء صارخاً على المقاومة واستهدافاً بيِّنا لسلاحها لن يتم السكوت عليه.


 


وفور انتهاء خطابه، قامت عناصر حزب الله بترجمة أقواله إلى أفعال، حيث تواترت الأنباء عن وقوع اشتباكات بينها وبين عناصر من تيار المستقبل، الذين كانوا يرابطون في مكاتب وشقق سكنية اتخذورها مقاراً لهم في مختلف أحياء بيروت الغربية. وأسفرت تلك الاشتباكات عن طرد تلك العناصر وتسليمهم وأسلحتهم ومقارهم للجيش اللبناني، كما جرى خلال ليل التاسع من مايو الجاري تسليم مواقع للتيار ذاته في مناطق أخرى من لبنان، مثل بعلبك وصيدا وغيرهما.


 


ومما زاد من اشتعال الموقف، مطالبة أحد قادة المعارضة مساء يوم الجمعة 9/5، إلغاء جميع النقاط الأمنية القائمة في منطقة الجبل التي تتبع “النائب وليد جنبلاط”، وكذلك المراكز التابعة لتيار المستقبل وغيره من فريق الموالاة، في موعد أقصاه صباح اليوم التالي السبت 10/5 ، ما يشير إلى أن ثمة استعدادات مسبقة اتخذتها المعارضة للرد (ميدانياً) على تلك القرارات .


ولسنا هنا بمعرض التدليل على أي من الفريقين يعمل لصالح لبنان وقضايا الأمة العربية، فهذا أمر محسوم لصالح المقاومة من وجهة نظر الشارع العربي على الأقل، وإنما لندق أجراس الخطر حيال النار التي يمكن أن تشتعل لتأكل الأخضر واليابس في لبنان والمنطقة، إذا لم تقم حكومة السنيورة بسحب تلك القرارات والعودة لطاولة الحوار، مثلما طالب أمين عام حزب الله.


 


فالفتنة القائمة التي تعمل إسرائيل وأمريكا على إذكائها في لبنان، سوف تكون بمثابة الفتيل الذي يفجر الأوضاع في كل دول المنطقة. وليس في هذا القول مبالغة، ذلك أن العديد من المشكلات الخطيرة بدأت تتفجر في الشارع العربي. فهناك مشكلة الفقر المدقع الذي تعيشه قطاعات واسعة من شعوب المنطقة .. وهناك مشكلة الارتفاع الصارخ وغير المبرر في الأسعار الغذائية والأساسية التي فاقت كل التوقعات .. وهناك مشكلة الفساد الذي استشرى في دول المنطقة بشكل وبائي وما زال .. وهناك العديد من الأنظمة العربية التي تعتمد أسلوب التعسف والاستهانة في التعامل مع مواطنيها كقيم آدمية .. وأخيراً وليس آخراً، هناك مشكلة النمو السرطاني للرأسمالية المتوحشة التي ما زالت تتوغل بشكل شره في كل بلدان المنطقة. فجميع هذه الأثافي، سوف تكون وقودا (سريع الاشتعال)، لتفجير الموقف في المنطقة، الأمر الذي لا يمكن التنبؤ بنتائجة التي سوف تكون – بلا شك – كارثية.


 


وإذا كان الأمريكيون يرون فيما يحدث في لبنان، مجرد تفعيل لمبدأ “الفوضى البناءة” الذي يرعونه ويعملون جاهدين على تطبيقه في المنطقة، فعليهم وحلفائهم الإسرائيليين أن يدركوا قبل فوات الأوان، أن النتائج المدمرة لما يجري في لبنان، لن تقتصر عليه وعلى البلدان العربية فقط ، وإنما ستطال أيضاً الأمريكيين والإسرائيليين، وتعرِّض مصالحهم لأفدح الخسائر.


 


فكل الشواهد تدل على أن المقاومة اللبنانية التي يقودها حزب الله، لا تتخذ قراراتها ولا رد أفعالها بصورة عشوائية، كما يعتقد – على ما يبدو – الإسرائيليون والأمريكان. كذلك تحرص قيادة المقاومة على أن لا تكون أسيرةً لمشاعر الغطرسة والزهو بالانتصارات التي حققتها على إسرائيل عامي 2000 و 2006. فهي دائماً ما تضع في حساباتها كل الاحتمالات، وتقرأ بعناية وموضوعية جميع السيناريوهات المتوقعة، وتقوم بالإعداد والتجهيز الجيد لمواجهتها والتعامل معها بموضوعية تامة. وهذا ما تحقق في حرب تموز2006 التي شنتها إسرائيل على لبنان.


 


فإذا كان الأمر على هذا النحو، أفليست محاولة وضع حزب الله في موضع خطير كالذي يخطط له المشروع الصهيوأمريكي الآن، يمكن أن تدفعه للقيام بعمليات عسكرية نوعية، ضد كل مناطق الدولة العبرية، بما فيها مفاعل ديمونه النووي في النقب، إذا ما شعر بخطر يهدد أمنه ووجوده؟.


 


أليس من الغباء والزهو بغطرسة القوة، اعتقاد الأمريكيين والإسرائيليين بأن شخصيات لبنانية هامشية، تعيش على ما تتحصل عليه من أموال مقابل عمالتها لهم ولغيرهم، وقيامها بأعمال السرقة والابتزاز والبلطجة .. نقول: هل يمكن لمثل هذه الشخصيات أن تحقق أهداف مشروعهم (الصهيوأمريكي) في لبنان والمنطقة؟!!.


 


وإذا لم يكن الأمر كذلك، فبماذا نفسر قول الرئيس السابق للمخابرات الإسرائيلية العسكرية “أهارون زئيفي” معلقاً على ما حدث في بيروت: “نصحنا ألـ CIA بعدم الاعتماد على وليد جنبلاط أو على سعد الحريري، لأننا جربناهم في العام 2006 ، ولم يتبين بأن لديهم الجرأة أو القدرة على مواجهة حزب الله. فجماهيرهم عبارة عن بسطاء وعاطفيين لا ينفع معهم كل التدريب”. كما قال: “الآن كل ذلك إنتهى لقد ضاعت جهود دولية وعربية مخابراتية إستمرت ثلاث سنوات في ليلة واحدة ، كل عملاء المخابرات في بيروت خرجوا منها الآن .. لقد خسر الغرب الكثير بمباغتة نصرالله لحلفائهم”(1)


 


ألا يعلم قادة أمريكا والكيان العبري، أن حزب الله لا يقف وحده في مواجهة إسرائيل وأساطيل أمريكا في البحر، وإنما جميع قطاعات الأمة بأطيافها السياسية والمذهبية والعرقية والدينية والأيديولوجية، تقف وراءه وتعاضده ضد الوجود الصهيوني الأمريكي في المنطقة؟، ألا يدركون معنى أن تقف إيران وسوريا والمقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حركة حماس وراء حزب الله وقيادته؟.


 


هذا الغباء في دراسة الموقف الحالي، لا يقتصر فقط على قادة أمريكا وإسرائيل، وإنما ينسحب بدايةً على حكومة السنيورة وأطراف الموالاة الأخرى. فهم يعتقدون بقدرتهم على استقطاب معظم الدول والشعوب العربية والإسلامية التي تتبع مذهب أصحاب السنة والجماعة، ضد المقاومة اللبنانية التي يتزعمها حزب الله الشيعي المذهب، بإشهارهم لسلاح الطائفية في وجهة المقاومة، وادعائهم بأن حزب الله يسعى – من هذا المنطلق – للسيطرة على أهل السنة والجماعة في لبنان، شأنه شأن إيران الشيعية (التي يعتمد على دعمها له بالمال والسلاح). وليس بخاف أن الموالاة ومن يؤيدها في المنطقة العربية، يتهمون إيران بأنها تسعى لمد نفوذها ليصل إلى شواطئ لبنان على البحر الأبيض المتوسط.


 


والخطير في هذا التوجه، أن مفتي لبنان أصدر بياناً ناشد فيه أهل السنة والجماعة في العالمين العربي والإسلامي، مساعدة حكومة السنيورة في نزاعها مع حزب الله، متجاهلاً خطورة تحول النزاع بين الطرفين من الطابع السياسي إلى الطابع الطائفي. لكن ما يبشر بالخير أن العديد من العلماء والشيوخ من أهل السنة اللبنانيين، وقفوا لهذا البيان بالمرصاد، حيث أوضحو للمفتي بأن السنة والشيعة في لبنان هم إخوة ومسلمون. وإن الاختلاف في الرأي حول بعض القضايا، لا يعطي الشرعية لقيام نزاع مذهبي بين الطائفتين. فكلاهما تدينان بالإسلام، وتؤمنان بالله وكتابه ورسوله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. كما أوضحوا بأن المركز الديني الذي يشغله سماحة المفتي، ليس ملكا له حتى يبت وحده بقضايا خطيرة كالتي يعيشها لبنان الآن.


 


ونتيجة للمواقف والتصريحات والبيانات غير المدروسة التي صدرت وما زالت تصدر عن أقطاب الموالاة ومن يناصرهم، أعلن أمين عام حزب الله أنه لم يعد يخشى إشهار سلاح الطائفية في وجهه لسبب بسيط ، وهو أن الجميع يعلمون فساده وبطلانه. ذلك أن كل المواقف التي مر بها الحزب، أظهرت أنه لا يسعى للاستئثار برئاسة وزارة أو رئاسة دولة، وإنما ينادي بحكومة وحدة وطنية تمثل كافة الاتجاهات والأطياف السياسية والدينية والمذهبية، وتشكل لا على أساس طائفي، وإنما على قاعدة التمثيل العادل الذي يحقق مصلحة الوطن بمختلف طوائفه ليس إلاّ.


 


لذلك لخص نصر الله شروط إنهاء الأزمة بمطلبين: أولهما عودة الحكومة عن قراراتها الخاصة بشبكة الاتصالات التابعة لحزب الله في المطار، وإعادة قائد أمن مطار بيروت الدولي العميد “وفيق شقير” لعمله، والثاني: العودة لطاولة الحوار. فإذا ما لبت الحكومة هذين المطلبين، فلن تكون هناك – في رأيه – مشكلة وينتهي الأمر عند هذا الحد.


 


لكن إصرار حكومة السنيورة وفريق الموالاة على التمسك بتلك القرارات، دفع بالأمور إلى الأوضاع التي سادت بيروت خلال الأيام السابقة، والتي عرضنا لبعض منها في هذا التحليل.


 


والآن، وبرغم أن الجيش أبطل (عملياً) تلك القرارات، حين طالب – في بيان(2) له – حكومة السنيورة بسحبها رسمياً، وحين أعاد مدير أمن المطار لمنصبه، ووعد بمعالجة موضوع منظومة الاتصالات التي وضعها حزب الله في مطار بيروت بصورة تحفظ أمن المقاومة ولا تتعارض مع مصلحة لبنان .. نقول: برغم ذلك، ما زال السنيورة متمسكاً بالمنهج الذي كان يتبعه – قبل الأحداث الأخيرة – في التعامل مع المقاومة التي يتزعمها حزب الله، لدرجة أنه وصف رد فعل الحزب على تلك القرارات، بالانقلاب العسكري على الشرعية في لبنان، وأن الحكومة لم تصدر رسمياً تلك القرارات وإنما أودعتها مؤسسة الجيش لتبت فيها، وأن مشكلة حزب الله لا تنحصر مع حكومته وإنما تطال جميع اللبنانيين، هذا على الرغم من أن المساعد السياسي لـ “نبيه بري” رئيس مجلس النواب اللبناني دحض بالأدلة القاطعة والوثائق كل هذه الادعاءات(3).


 


والسؤال هنا .. إلى أين تسير الأحداث المتسارعة حالياً بلبنان؟.


من قبيل المبالغة القول، بأن الأوضاع الآن في بيروت وبقية المناطق في لبنان يسودها الهدوء. ويصح هذا القول (فقط) إذا قيس بما وقع في الأيام الثلاثة الاولى من أحداث، والتي انتهت بسيطرة عناصر حزب الله على بيروت، وانسحاب أو طرد عناصر تيار المستقبل من مواقعهم في العاصمة والجبل وصيدا وغيرها.


 


لكن هناك اثنين من اقطاب الموالاة وهما سعد الحريري و وليد جنبلاط ظلاّ محاصرين في بيروت تحت حماية الجيش اللبناني. وعلى الرغم من أن بعض المناصرين لحزب الله صرحوا (في تلك المرحلة) أن بإمكانهما مغادرة منزليهما متى شاءا، وأن بقاءهما هو بمحض إرادتهما .. غير أن ذلك لم ينف هاجس إصرارهما على إبقاء المواجهة بين الموالاة والمعارضة مشتعلةً. وهذا ما أثبتته مواقف السنيورة وتصريحاته الأخيرة (4)، بعد أن استجاب حزب الله لمطالب الجيش، بسحب المسلحين، وفتح الطرقات، وإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه، باستثناء إبقاء الحزب على العصيان المدني سارياً. كما أثبتته الاعتداءات التي ارتكبتها عناصر من تيار المستقبل في شمال لبنان بحق المؤيدين للمقاومة وحزب الله.


 


والواقع أن الموالاة كانت تدرك قبل إصدارها للقرارات التي أشعلت الأزمة، أنها لا تملك الأمكانات التي تعينها في تنفيذ تلك القرارات، كما تدرك مسبقاً أنها ستكون عامل استفزاز لحزب الله، وعامل تصعيد للموقف مع المعارضة، ومع ذلك أصدرت تلك القرارات .. فلماذا ؟!!!.


 


الحقيقة أن الإجابة على هذا التساؤل، تكمن في أن موقف الطرفين المتصارعين في لبنان، يعبران عن وجود مشروعين متناقضين في المنطقة، يحاول كل منهما القضاء على الآخر: أولهما يتصل بخيار المقاومة الذي يتبناه حزب الله في لبنان وحركة حماس في غزه، وفصائل المقاومة الشريفة في العراق، والثاني يتمثل في “المشروع الصهيوأمريكي” الذي يستهدف اعتماد مفاوضات (الاستسلام) وليس السلام العادل، طريقاً وحيداً لحل قضايا المنطقة.


 


وحين ثبت فشل هذا المشروع في تحقيق أية نتائج لصالح قضايا الأمة، اتجهت الانظار إلى خيار المقاومة كطريق فاعل لإعادة الحقوق المغتصبة لأصحابها. وكان من نتيجة ذلك، أن انتصر حزب الله في لبنان حين هزم الجيش الإسرائيلي في الحرب التي شنها على لبنان في تموز 2006 ، كما انتصرت حركة حماس وفصائل المقاومة الأخرى حين أجبرت شارون على سحب قواته من القطاع، وحين أحكمت حماس سيطرتها على مؤسسات السلطة الفلسطينية (الأوسلووية) وبخاصة الأمنية منها في يونيو الماضي، بعد أن دمرت أوكار الفساد التي كانت مستشرية فيها وبين قادتها الأوسلوويين بشكل مرضي.


 


إذن ما جرى ويجري الآن في لبنان، هو تعبير عن الصراع الدائر بين: المشروع الصهيوأمريكي، الذي يرى ضرورة التخلص من أتباع خيار المقاومة الذين وصفتهم أمريكا بمحور الشر في المنطقة، والذي يضم تحديدا: سوريا وإيران وحزب الله وحركة حماس .. وبين خيار مقاومة الاحتلال الأجنبي بكل أشكاله وأهدافه، والمتمثل في: الاحتلال الاستعماري الاستيطاني الصهيوني للأراضي الفلسطينية، والاحتلال الأمريكي الظالم للعراق.


 


وحتى ينتهي الصراع بين هذين الخيارين لصالح أحدهما، تبقى الأوضاع في لبنان والمنطقة بأسرها معلقة على صفيح ساخن.

مقالات ذات صلة