عبرة في قصة

قصة إيلي كوهين في كتاب الموساد

د. علي العتوم

الموسادُ (جهازُ المخابرات الإسرائيلية السرّي) كتابٌ من تأليف: دينيس إيزنبرغ وإيلي لاندو وأوري دان، إصدار المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر– بيروت الطبعة الثالثة (1986م). ويقع الكتاب في ثلاثة عشر باباً ومئةٍ وسبعٍ وثمانينَ صفْحةً من القطع العادي، ويتحدث عن نشوء الموساد في الخمسينيات من القرن الماضي، وعن كبير رؤسائه أيسر هرئيل، واختطافه آيخمان من الأرجنتين، ذلك الرجل النازيُّ الذي كان له دورٌ كبيرٌ في مذابح اليهود، وعن عددٍ من الجواسيس الإسرائيليين كَـ(لوتس) الذي كان يتجسس في مصر لحساب اليهود تحت مظلة مُرَبٍّ للخيول، وعن إيلي كوهين الجاسوس اليهوديِّ الأكبر الذي عمل لصالح الدولة العبرية في مصر وسوريّة، والعميل الروسيّ (إسرائيل بير) صديق بن غوريون، ومئير عميت ودوره الخطير في حرب (1967م)، والآخر مصمم الميراج (فراو نكنشت)، ومن ثمّ دور هذا الجهاز في البحث عن الصبي اليهودي ذي عشر السنوات من جماعة (ناطوري كارتا)، وأخيراً عن دوره في حرب رمضان (1973م).

وبما أنّ أهم أعمال الجوسسة الإسرائيلية ومدى نجاعتها تمثّلت في كسب اليهود لحرب حزيران عام (1967م)، وأهمُّ عملائها على الإطلاق إيلي كوهين، فسيكون حديثي هنا منصبّاً عليه وعلى قصته. ولكنّني قبل البدء بذلك أرى أنْ أنقل من الكتاب نصوصاً بأعيانها تبيّن مدى المخادعة اليهوديّة التي تجري عليها (إسرائيل) في تصرّفها مع العرب أوقات الحرب أو بين يديها. فإذا علمنا أنّ عبد الناصر قال -إذْ لم يبدأ الهجوم على اليهود في حرب (1967م)-: إنّ سفيري روسيا وأمريكا نصحاه بألا يكون هو البادئ بالهجوم، فإنّ كتاب الموساد هذا يقول – حسب تقرير زعمائه-: (إنّ فرصة إسرائيل الوحيدة في التغلب على خصمها الذي يفوقها في العَدَد والعُدَّة، تكمن في أن تكون هي البادئةَ بالهجوم). وهو ما فعلته حقّاً فكسبت المعركة، واستخذى عبد الناصر لقول الروس والأمريكان نصراء إسرائيل، فانهزم وانخزى. ومما يدلُّ على أنّ أمريكا كانت تودّ أنْ تكون إسرائيل هي البادئة بالضربة الأولى، فحوى ما قاله وزير الدفاع الأمريكي آنذاك (روبرت ماكنمارا) من (أنّ الولايات المتحدة ستقف إلى جانب إسرائيل، إذا قامت بتوجيه ضربة ردْعٍ مسبقة إلى سوريّة ومصر)!

وقد جاء في الكتاب بالنسبة لبدء الطيران اليهودي بالهجوم قولُه بالحرف: (عندما شنَّ سلاح الطيران الإسرائيلي الحربَ في الساعات الأولى في الخامس من حزيران، كانت أهدافُه الأولى هي المطاراتِ التي ركَّزَ فيها سلاح الطيران المصري، طائراتِه الحربية. وكان الطيّارون الإسرائيليون على معرفة تامّةٍ بمواقع منشآت الرادار المصريّة، ونقط الرادار العمياء. وقد مضوا عبر تلك الخطوط دون أنْ يكتشِفَ أمرَهم أحدٌ حتّى اللحظة الأخيرة. وكانت لديهم معرفةٌ دقيقةٌ بشأن مواعيد تناول الطيارين المصريين فطورهم. وفي ذلك الوقت بالضبط شرع الإسرائيليون في الهجوم. وفي تلك الدقائق البالغة الخطورة دمّر الإسرائيليون معظم سلاح الطيران المصري. وكانوا يقصفون السِّربَ تلوَ السِّربِ من الطائرات الجاثمة على الأرض. ومما زاد رعبَ المصريين، أنّ طائرات الميراج كانت تميّز الطائرات المصرية الحقيقية من طائرات التمويه، فلم تَضَعْ قنبلةً واحدة عبثاً. وفي الأيّام التالية دمرت الطائرات الإسرائيلية شبكة الصواريخ: أرض– جو المصرية بأسرها. أمّا مصنع الذخيرة المهم في حُلوان والذي كان يُظَنّ أنّ موقعه سرٌّ مغلق، فقد دُمِّر هو الآخرُ تماماً)!

ويعلِّق صاحبُ الكتاب على ذلك مشيراً إلى أهمية المعلومات التي كان يتحصّل عليها الجاسوسُ اليهودي لوتس من علاقاته مع رجال الحكم في مصر، ولا سيّما العساكر لكسب المعركة في الجبهة، بقوله: (إنّ كثيراً من المعلومات التي ضَمِنَت نجاحَ هذه الهجمات الخاطفة، إنّما حصَل الإسرائيليون عليها من المعلومات التي قدّمها الجاسوسُ وليفغانغ لوتس محبُّ الخيول)! وأقول –كما جاء في الكتاب نفسه-: ذاك الذي كان على علاقة وطيدة برجال الحكم في القاهرة لاتصاله المستمر بهم عن طريق الاعتناء بالخيول وسباقاتها، ولا سيّما نادي الفرسان، وإقامة حفلات الأُنس والمآدب لهم، وعلى رأسهم يوسف غُراب رئيس الشرطة المصريّة، والجنرال فؤاد عثمان والكولونيل مُحسِن سيّد. وكلاهما ذو دورٍ أساسيّ في الاستخبارات العسكريّة. وكان من هؤلاء حسين الشافعي نائب رئيس الوزراء وأحد مستشاري عبد الناصر الأقربين. ومن هنا فكثيراً ما اطلع ولفغانغ على القرارات الخطيرة التي ستتخذها الدولة قبل أنْ يعرف موظفو الحكومة الرسميّة شيئاً عنها!

 

ايلي كوهين قبل كشف أمره

ايلي كوهين قبل كشف أمره

هذا على الجبهة المصريّة، أمّا على الجبهة السوريّة التي كانت من نصيب إيلي كوهين، ولا سيّما في مرتفعات الجولان، فقد جاء عنها في هذا الكتاب قولُه: (في 9 حزيران قامت موجة من طائرات الميراج المقاتلة القاذفة بدكِّ المرتفعات، وتدمير كثير من مواقع المدفعية هناك، ثمّ اقتحمت الدباباتُ الإسرائيلية تلك الجبال والتلال، واستطاع الإسرائيليون بعد معركةٍ ضاريةٍ أنْ يطردوا السوريّين من المنطقة، وأنْ يأسروا ألوفاً من جنودهم. أمّا ذلك المجموع الهائل من الدبابات ومدافع المورتر والمدفعية التي توجهها الكومبيوترات، فقد أصبحت حُطاماً وأنقاضاً). ويعلِّق الكتابُ على ذلك بقوله –ذاكراً فضل كوهين في هذا الشأن-: (وإنّما أصبح النصر الساحق في مرتفعات الجولان أمراً ممكناً، بفضل البرقيات التي كان إيلي كوهين يبثّها من دمشق، فقد عيّن بدقةٍ تامّةٍ كلَّ موقعٍ لهم، مما جعل الدبابات والمقاتلات ورجال المشاة في إسرائيل يعرفون تلك المواقع على وجه التحديد)! وتأكيداً على ذلك فقد جاء في الكتاب –تقديراً لجهود كوهين في برقياته المرسلة من دمشق إلى تل أبيب- قولُه: (كان إيلي يزوِّد تل أبيب بمعطياتٍ لا تقدر بثمنٍ. وكان في تفسيراته للتغيرات السياسية في دمشق من الدقة واستباق الحوادث الفعلية، ما يجعل الموساد يقوم بإرسالها إلى رئيس الوزراء خلال ساعاتٍ قليلةٍ من وصولها إليه. وكثيراً ما اتخذ بن غوريون قراراتٍ مهمةً في السياسة. وهي قراراتٌ قد تفصل بين الحرب والسلم، بناءً على برقيات إيلي كوهين الموثوق بها).

ايلي كوهين الجاسوس الاسرائيلي في سورية في احدى سهراته

وأقول: إنّ هذه المعلومات التي كان يرسلها كوهين لتل أبيب كان يبعثها من مصدرها الوثيق، وذلك من علاقته الحميمة مع رجال سوريّة آنذاك، السياسيين والعسكريين على السّواء، بَلْهَ رجالَ الأعمال والأعيانَ. ومعلومٌ أنّ على رأس هؤلاء وأوّلَهم، رئيسُ الجمهوريّة آنذاك أمينُ الحافظ، والجنرال حاطوم قائد المظلات، وجورج سيف المسؤول عن الإذاعة في وزارة الإعلام السوريّة، واللفتنانت معزّ زهر الدين ابن أخت رئيس الأركان عبد الكريم زهر الدين، ووزير الإعلام أنور الجندي. وقد تكوّنت علاقات كوهين الراسخة مع رجال الحكم هناك، واستطاعته اختراقهم في أدقِّ الأمور الوطنية وأكثرها حساسيّةً وانطلاء تزييفاته عليهم، عن طريق إتقانه العجيب لأعمال التجسس، ومهارته في مهنته، وإخلاصه لبني قومه، وقدرته العجيبة على الخداع، وسخائه المُفْرط في الولائم والمآدب، وإقامة ليالي السمر واللهو، وحفلات الشراب والتحشيش، وتقديمه الهدايا الفاخرة لهؤلاء ونسائهم، ووضع شقته في دمشق تحت تصرف أصحابه من كبار رجال الدولة ليخْلُوا فيها مع عشيقاتهم، بحيث أصبحوا له ركائب، لمّا أشبع بطونهم وفروجهم، ومن ثمّ وبالمقابل باحوا له بكلِّ أسرارهم وأسرار الوطن التي كان يُمَرِّرُها في الحال لليهود الذين كانوا آنذاك يُعِدّون العُدَّة للانقضاض على العرب في خطوط دفاعهم الأولى بمصر وسوريّة كي يضعوا حدّاً لادعاءاتهم وأكاذيبهم وخداعهم شعوبهم.

(سيتم عرض الجزء الثاني في موضوع لاحق)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى