عين على العدو

الجواسيس .. ومهنة التجسس

المجد –

التجسس فن قديم .. لا يمكن لباحث أن يتكهن بتاريخ ظهوره على وجه الدقة .. لكن يُعتقد أنه تواجد منذ خُلق الإنسان ، حيث بدا صراع الاستحواذ والهيمنة وفرض قانون القوة باستخدام شتى الأساليب المتاحة ، وأهمها الجاسوس ، الذي كان هو الأداة الأولى بلا منازع.

وقد مارس الإنسان التجسس منذ أقدم العصور ، داخل مجتمعات البشرية المنظمة ، وقد مثلت ممارسته بالنسبة له ضرورة ملحة تدفعه إليه غريزته الفطرية للحصول على المعرفة وكشف أسرار المجهول التي قد تشكل خطرا يترصد به في المستقبل، ولذلك تنوعت طرق التجسس بدءا من الاعتماد على الحواس المجردة ، والحيل البدائية والتخمينات ، وصولا إلى الثورة التكنولوجية في ميدان الاتصالات والمعلومات.

وعلى مر العصور ظهر الكثير من الجواسيس، لكن قلة منهم استطاعوا أن يحفروا أسماءهم في ذاكرة التاريخ ، بما تمتعوا به من سمات شخصية فريدة أهلتهم لأن يلعبوا أدوارا بالغة التأثير في حياة العديد من الأمم والشعوب. وهنا سنستعرض بعض الأحداث المتعلقة بمهنة التجسس في العصور القديمة.

أول عملية تجسس في التاريخ :

رجال في أكياس الدقيق !!

تختلف شدة ممارسة التجسس بين مجتمع وآخر حسب نوع الأعراف والعادات السائدة ، فنراه على سبيل المثال سمة ثابتة عند اليابانيين ، فهم يؤمنون بأن العمل في مجال المخابرات خدمة نبيلة ، في حين أن معظم شعوب العالم تعاف هذه المهنة ، التي لا غنى عنها في الدولة المعاصرة حتى تقوم بمسؤولياتها. فلا يكفي أن تكون الدولة كاملة الاستعداد للحرب في وقت السلم ، بل لابد لها من معلومات سريعة كافية لتحمي نفسها ، وتحقق أهدافها في المعترك الدولي.

ولعل هذا ما أوعز إلى تحتمس الثالث فرعون مصر بتنظيم أول جهاز مخابرات عرفه العالم.

طال حصار جيش تحتمس الثالث لمدينة يافا ولم تستسلم. عبثا حاول فتح ثغرة في الأسوار، و خطرت له فكرة إدخال فرقة من جنده إلى المدينة المحاصرة ، يشيعون فيها الفوضى والارتباك ، ويفتحون ما يمكنهم من أبواب ، لكن كيف يدخل الجنود ؟؟

اهتدى إلى فكرة عجيبة ، شرحها لأحد ضباطه واسمه توت ، فأعد 200 جندي داخل أكياس الدقيق ، وشحنها على ظهر سفينة اتجهت بالجند وقائدهم ‘إلى ميناء يافا التي حاصرتها الجيوش المصرية ، وهناك تمكنوا من دخول المدينة وتسليمها إلى المحاصرين ، وبدأ منذ ذلك الوقت تنظيم إدارة المخابرات في مصر والعالم كله.

ويذكر المؤرخون أن سجلات قدماء المصريين تشير إلى قيامهم بأعمال عظيمة في مجال المخابرات ، لكنها تعرضت للضعف في بعض العهود .

وتجدر الإشارة إلى أن تحتمس الثالث كان غير فخورا بأنه رائد الجاسوسية ، فقد كان يشعر بقدر من الضعة في التجسس والتلصص على الأعداء ، وكأنه كان يعتبره ترصدا في الظلام أو طعنا في الظهر ، مما جعله يسجل بخط هيروغليفي واضح على جدران المعابد والآثار التي تركها – كل أعماله وحروبه ، أما إنشاء المخابرات أمر بكتابته بخط ثانوي ، واخفاه تحت اسم ( العلم السري ) مفضلا أن يذكره التاريخ بمنجزاته العمرانية والحربية والإدارية ، وما اداه من اجل رفاهية شعبه ، دون الإشارة إلى براعته في وضعه أسس التجسس.

 

) صن تزو ) رائد الجاسوسية في الصين :

يعتبر صن تزو رائد الجاسوسية في الصين ، ولا يعني ذلك أن الصين لم تعرف الجاسوسية قبل عام 510 ق.م ، فعمر الجاسوسية في الصين حوالي 2500 سنة ، لكن الفضل يرجع لصن تزو في تكوين أول شبكة مخابرات كاملة في الصين.

ألف كتابا بعنوان : ( أصول الحرب)، و هو أقدم كتاب عُرف عن فن الحرب عموما، وما زال مطلوبا للقراءة في أكاديميات عسكرية كثيرة ، استفاد منه ماوتسي تونغ في زحفه الطويل، وطبقه اليابانيون قبل مهاجمة بيرل هاربر ، وهو كتاب شامل مفيد، حتى أن قيادة الطيران الملكي البريطاني وزعته بعد تبسيطه على ضباطها في سيلان أثناء الحرب العالمية الثانية.

كرس الكتاب جهدا كبيرا لإيضاحه لأهمية الجواسيس ، وطالب بتقسيمهم إلى خمسة أقسام :

– جواسيس محليون: مواطنون محليون يتقاضون مكافآت على المعلومات التي يقدمونها.

– جاسوس داخلي : خائن في صفوف العدو.

– جاسوس محوَّل: عميل أمكن إقناعه بتغيير.

– جاسوس هالك: عميل اعتاد تزويد العدو بمعلومات زائفة، من المحتمل قتله فيما بعد.

يعتقد صن تزو بأن شن حرب بطريقة اقتصادية ، مع الدفاع البلاد ضد الآخرين ، يتطلب ضرورة استخدام نظام تجسس دائم ، يرصد أنشطة الأعداء والجيران على السواء ، وأكد أهمية التقسيم المذكور ، وضرورة اعتبار الجاسوسية عملا شريفا ، وملاحظة إستمرار تقريب العملاء من زعمائهم السياسيين والقادة العسكريين.

 

هانيبال القرطاجي (جيش من الجواسيس)!!

الجواسيس ومهنة التجسسكان هانيبال قائدا عبقريا ولوعا بمفاجأة أعدائه وإشلعة الفزع في صفوفهم ، معتمدا في حروبه على التجسس.

قاد حملة عبرت مضيق جبل طارق وانتصر على الأسبان عام 220 ق.م ، واتجه شمالا إلى جنوب فرنسا ، وتسلق جبال الألب رغم البرد القارس الذي فتك بكثير من الجنود والفيلة التي كان يستخدمها في حروبه ، وهبط إلى سهول أيطاليا ،محطما كل جيوش الرومان التي تصدت له ، ويُقدر ضحايا هذه الحرب من أعدائه بثمانين ألف جندي من المشاة والفرسان.

أثناء غزو هانيبال لجزيرة صقلية، تعذر عليه الاستيلاء على إحدى المدن رغم الحصار الطويل . أراد أن يعرف سر قوة المدينة ومنعتها، فأرسل أحد رجاله فدخل المدينة وادعى أنه جندي مرتزق، وعرض خدماته على حاكم صقلية و أقام في المدينة يتجول فيها، ويدرس تحصيناتها وخطط الدفاع عنها، ويرسل الإشارات إلى هانيبال عن طريق الدخان المتصاعد من نار يوقدها لطهو طعامه فوق تل المدينة، دون أن يفطن إليه أحد.

وفي تقدمه نحو روما، كان ينشد النصر لجيشه، بجيش آخر من الجواسيس ، يجمعون له المعلومات من وادي نهر البو وسهول الألب السفلى عم القوات ومعنويات الناس والجيش ، وخصوبة الأرض وأنواع المحاصيل ، ثم يضع خططه الحربية على ضوء ما يتوافر له من معلومات.

 

الجواسيس ومهنة التجسسسيبيو أفريكانوس: (قاهر الفيلة)

اكتسب سيبيو شهرته من كونه القائد الذي انتصر على هانيبال ، وفي عقر داره. ولذلك كرموه بلقب (أفريكانوس) أي قاهر الفيلة ، وهو مدين بهذا الانتصار إلى جواسيسه.

كانت مشكلته في مواجهة هانيبال تنحصر في الفيلة التي يستخدمها كسلاح مدرع كاسح. ولكي يتغلب سيبيو على مشكلة الفيلة أرسل جواسيسه إلى معسكر هانيبال حيث اختلطوا بسياس الفيلة، وعلموا منهم أن نقطة ضعف الفيل تكمن في شدة انزعاجه إذا سمع أصواتا مدوية.

فلما إلتقى الجيشان ، أحدث جيش سيبيو ضجة هائلة بالطبول ، فساد الذعر والرتباك بين الفيلة ، وفقد جنود هانيبال السيطرة عليها ، وانتصر سيبيو عام 203 ق.م.

الجواسيس ومهنة التجسسوفي حملته ضد سايفاكس ملك نوميديا ، حليف هانيبال ، أرسل سيبيو أخاه لاليوس مبعوثا ظاهره التفاوض على الهدنة ، وباطنه التعرف على إمكانيات العدو ، و أرسل معه ضباطا متخفين في ثياب عبيد حتى لا يشك فيهم سايفاكس ، لكنه تفنن في إبعاد لاليوس ورفاقه عن تحصينات معسكره ، فأوعز لاليوس إلى رجاله بوخز الخيل التي معهم كما لو كانت حشرة لدغتهم.

ولما انطلقت الخيول خائفة، راح رفاق لاليس يطاردونها بطريقة طافوا معها في أرجاء المعسكر ، وتعرفوا على نقاط الضعف والقوة ، وفشلت مفاوضات الهدنة ، فهاجم سيبيو المدينة وأشعل في تحصيناتها النيران ، وأرغم سايفاكس على الصلح.

مقالات ذات صلة