الأمن المجتمعي

الكتمان والسرية في العمل المقاومة

المجد-

احفظ سرك حتى من زوجك وأبنائك فإنهم قد يفشوه ولو بحسن نية، كأن يتصل أحدهم على البيت فيسألوا عنك فيرد الابن: بابا زعلان… عمو أبو مصعب مات، والملخص:

أولاً: ضرورة استعمال الحذر في صيانة الأسرار وحفظها عمن يتطلع إلى تلقفها. وجدير بالذكر أن مادة السر وردت في القرآن 32 مرة بالصيغ المختلفة.

ثانياً: مشروعية وضع العقوبة الرادعة للمعتدين قطعا لدابر العدوان في الأرض، لأن الله جعل جزاء الشياطين المعتدية على أسرار السماء إعدامها بالشهب الراصدة لها.

كما يكون إظهار السر وإفشاؤه مستقبحا لا يجوز.. إلا لضرورة وفي أضيق الحدود إذا كانت هناك مصلحة تفوق كتمانه. وإذا كان الحفاظ على السر واجب فإن إفشاء السر حرام لأنه يؤدي إلى ضرر، والضرر ممنوع شرعا، ويكون غدرا بالعهد وعدم وفاء بالوعد، والله سبحانه حرم الخيانة وحرم الغدر، وعدم الوفاء، ومن أجل تحريم إفشاء السر أجاز العلماء الكذب حفظاً للسر أن يظهر. والذي لا يحفظ السر ولا يبالي بإفشائه رجل فيه ثلاث صفات مذمومة:

1.     ضيق صدره وقلة صبره.

2.     غفلته عن الحذر الذي يجب أن يكون عند العقلاء، وسهوه عن اليقظة التي ينبغي أن يتصف بها الأذكياء فهو رجل أحمق غبي.

3.     ارتكابه الضرر والمخاطرة بما لا يعرف عقباه.

ومن أجل ذلك جاء التحذير الشديد من إفشاء السر، وتأمل قوله تعالى: (قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) [يوسف: 5]، ومن السنة: قال – عليه الصلاة والسلام -: ( إن العبد ليقول الكلمة لا يقولها إلا ليضحك بها المجلس ، يهوى بها أبعد ما بين السماء والأرض، وإن المرء ليزل على لسانه، اشد ما يزل على قدميه) البيهقي. وإليكم أمثلة من السنة والسلف الصالح في حفظ الأسرار:

1.   لما ولي عمر بن الخطاب قدامة بن مظنون بدل المغيرة أمره ألا يخبر أحدا، فلم يكن له زاد، فتوجهت امرأته إلى دار المغيرة، أقرضونا زاد، لراكب فإن أمير المؤمنين ولي زوجي الكوفة، فأخبرت امرأة المغيرة زوجها، فجاء عمر واستأذن عليه وقال له: "وليت قدامة الكوفة وهو رجل قوي أمين، فقال: ومن أخبرك؟ قال: نساء المدينة يتحدثن به، فقال اذهب وخذ منه العهد" ] محاضرات الأدباء للأصفهاني ج1 ص 75 [.

2.   لما اعتزم النبي فتح مكة أمر عائشة أن تجهزه، فدخل عليها أبوها أبو بكر وهي تعد الجهاز، فقال: أي بنية أمركن رسول الله بتجهيزه؟ قالت: نعم قال: فأين ترينه يريد، فقالت والله ما أدري، ثم أعلم النبي الناس أنه سائر إلى مكة وأمرهم بالجد والتجهيز وقال: "اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها، لكن حاطب بن أبي بتلعة كتب إلى قريش بذلك وأرسل الكتاب مع امرأة وجعل لها جعلا فأخفته في قرون رأسها، وكان من أمره ما كان وكان من رأي عمر قتله، ولكن النبي عفا عنه لأنه من أعلى بدر، ونزل في ذلك قول الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ )) ] الممتحنة: 1 [. ففي هذه القصة عدم اخبار عائشة أباها بمقصد النبي –صلى الله عليه وسلم-، ومنها دعا النبي أن يأخذ العيون من قريش حتى يبغتها، وغضب النبي على عمل حاطب ورأي عمر في قتله، ووعيد الله للجواسيس والعملاء.

3.   ذهب النبي – صلى الله عليه وسلم – ومعه أبو بكر إلى بدر وقابلا رجلا وسألاه عن أخبار قريش وعرفا منه مكانهم ولما كان الرجل قد شرط عليما أن يعرف من أي قبيلة هما فقال النبي: أخيرا نحن من ماء، ثم انصرفا عنه وحار الرجل في معرفة هذا النسب أو هذه الجهة.

4.   كان النبي عليه السلام إذا أراد غزوة وارى بغيرها، كأن يقول إذا أراد غزو حنين: كيف طريق نجد، ومياهها ومن بها من العدو، وكان يقول: "الحرب خدعة".

5.   روى الحاكم عن عائشة، جعل رسول الله شعار المهاجرين يوم بدر "عبدالرحمن"، والخزرج "عبدالله"، وأخرج عن ابن عباس مرفوعا: (جعل الشعار للأزد "يا مبرور يا مبرور" )، وروى احمد وأبو داود والترمذي حديث النبي: (إن بينكم العدو فقولوا "حم لا ينصرون")، وعن سلمة بن الأكوع: (غزونا مع أبي بكر زمن الرسول فكان شعارنا "أمت، أمت" ) [رواه أحمد وأبو داود[ واحيانا "يا منصور أمت".

6.   لما انتهت معركة أحد نادى ابو سفيان: "أفيكم محمد ، أفيكم أبو بكر ، أفيكم عمر؟"، وقد أمر النبي بعدم اجابته، حتى لا يعود المشركون للقتال، والمسلمون مازالت جراحاتهم دامية.

7.   صرخ الشيطان في أحد أن محمد قتل، فألقى بعض المسلمين السلاح، ومر بهم أنس بن النضر فصرخ فيهم ما جلوسكم؟ قالوا: إن محمدا قد قتل، فقال: وما قيمة الحياة بعد محمد قوموا فموتوا على ما مات عليه. وقد حدث أن النعمان بن مقرن قائد معركة نهاوند قد مات في أثناء المعركة فأخفوا موته حتى انتصروا.[

قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا )) ] النساء: 71 [، وقال تعالى: ((وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا )) ] النساء: 102 [.

مقالات ذات صلة