الأمن المجتمعي

كيف نواجه ظاهرة العملاء؟

المجد –

ظاهرة العمالة والخيانة معروفة منذ القدم، ولكنها تطورت في عصرنا وصار لها أجهزة كبيرة وتقنيات حديثة ونظم معقدة، تجيد صنع الجواسيس والعملاء، وتتقن فن دسهم في أماكن حساسة يتصيدون منها كل نافع لأسيادهم وضار بالبلاد التي يتجسسون عليها. ولم يقتصر التجسس على استخدام البشر فحسب، وإنما امتد ليشمل التجسس من خلال أجهزة إلكترونية واسعة الانتشار، كالكمبيوتر وأجهزة الهواتف وغيرها.

ومن أخس هذه الطرق وأرذلها الإغراءات الجنسية حيث تستدرج العاهرات الضحية رويداً رويداً حتى يقع في الفاحشة، فيصوَّر في أسوأ وضع ثم يهدد بالفضيحة إن لم يمتثل للأمر وهكذا!

تربة خصبة:

وهؤلاء الأبالسة يلقون الطعم للضحية مستغلين الفقر والجهل وضعف الوازع الديني، وهذه الثلاثة هي التربة الخصبة للإيقاع بالضحية ولتجنيد الجواسيس، ثم تكون الخيانة لله ورسوله والمؤمنين، ثم يكون بيع الأوطان بأبخس الأثمان.

وهذا الأمر ينذر بعواقب وخيمة، إذا لم تتدارك الحركات والتنظيمات سريعاً، وتستفيد من الدروس السابقة، وتسجل الأخطاء، وتتعرف على موضع الخلل.

اليقظة والحذر:

إن اختيار الأفراد والاطمئنان إلى سلامة مقصدهم، وعمق إيمانهم، وخلوصهم من كل شائبة من شأنها أن تقدح في ولائهم لهذا الدين وأهله ومن ثم لمجتمعهم مهمة الدعاة، وإن كان الأمر في كثير من الأحيان لا يحتاج إلى تغلغل أو اختراق صفوف التنظيمات، بل يكفي قرب مكان العميل أو صداقته لأحد أقارب المقاومين المطلوبين… إلى غير ذلك من الأسباب.

والمربي القائد في الحركة الراشدة يضع نصب عينيه قول أمير المؤمنين الفاروق رضي الله عنه: (لست بالخب ولا الخب يخدعني)، وكذلك الفرد في الحركات والتنظيمات، يجب أن يتمتع بحس أمني مرهف يستطيع من خلاله أن يستشرف الخطر قبل حدوثه، وأن يتصرف في المواقف الصعبة بما يتناسب مع المقام، فيحفظ نفسه ويحفظ إخوانه.

وفي السيرة النبوية خير أمثلة على ذلك؛ لما بعث الرسول صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ليأتيه بخبر القوم في غزوة الأحزاب استطاع أن يخترق أمن الأعداء ويجلس وسط اجتماعهم في ليلة ظلماء وهم مجتمعون مع قائدهم أبي سفيان، وطلب أبو سفيان من كل واحد من الجالسين معه أن يتعرف على من بجواره يميناً ويساراً قائلاً لهم: (فإن محمد يبث عيونه)، وطبعاً كان الموقف صعباً، ولولا فطنة حذيفة وحسن تصرفه لافتضح أمره، فكانت لحظات سريعة من التفكير ألهمته هذا التصرف الذكي حيث بادر هو بسؤال من بجواره قائلاً: (من أنت؟ من أنت؟)، ومر الموقف بسلام ونجحت خطته في اختراق صفوف العدو وتأمين نفسه، والحصول على المعلومات الكافية من العدو.

وتأمل هذا الحس المرهف عند أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه عندما رأى رجلاً داخلاً إلى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وهو جالس مع أصحابه، إذ رآه عمر تحركت فراسة المؤمن فيه وقال: (لئن صدق حدسي ليكونن هذا الرجل ينوي شراً برسول الله)، وقد كان الأمر كذلك.

والشاهد في هذا؛ أنه لا يصح للحركات والتنظيمات أن تتهاون في تمحيص أفرادها ومعرفة ظروفهم المحيطة بهم وسلامة مقصدهم، وفوق ذلك؛ حبهم لله ورسوله، وهما العنصران المهمان في تمحيص الفرد المسلم المنتمي للتنظيم، وذلك حتى لا يأتي اليوم الذي نتساءل فيه بعد أن تكتشف أوراقنا، وتكشف خططنا، ويغتال فيه قادتنا، ويعرف العدو مقتلنا، فنقول عندئذ؛ "بيننا عميل".

{يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم}

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى