الأمن المجتمعي

أمن المطارد : صفات الملجأ الآمن

المجد- خاص

إن أول ما يشغل المطارد في مدة مطاردتِه هو توفير الملجأ الآمن الذي يؤويه, فيضمن له أمنا واستقرارًا نسبيًا يمّكنه من إطالة عمر مطاردته, ويتيح له الإعداد الجيد لجهاِد عدّوه وإصابته بالضربات الموجعة.

فالمخبأ هو العنوان الأعرض الذي يمكن للاحتلال أن يصل إلى المطارد من خلاله, وخصوصًا إذا كان هذا المخبأ لا يحمل المعايير الأمنية اللازمة, أو أن يتعامل المجاهد بخصوص مخبئه بطريقة غير سليمة.

ونعني بالمخبأ أو الملجأ: كل مكان يختفي فيه المجاهد عن الأنظار; سواء كان بيتًا سكنّيًا, أو ملجأً سريًا, أو موقعًاَ جبليًا; فقد يكون المخبأ بيتًا يقطنه سكان وعائلات, وقد يكون بيتًا خاليًا فيستأجره المطارد, وقد يكون الملجأ مصطنعًا ومعّدًا من المجاهد بهدف الاختفاء, وقد يكون ملجًأ طبيعيًا بّريًا كمغارٍة أو كهٍف أو بئٍر أو غير ذلك…, ونحن سنتحّدث في هذا الفصل عن أمن الملاجئ من ناحيَتين اثنَتين, لنحّقَق أعلى درجات الأمن والأمان:

• الأولى: صفات الملجأ الآمن.

• الثانية: آلية التعامل مع الملجأ.

 

أولاً: صفات الملجأ الآمن

لكي يكون الموقع الذي يختاره المطارد مناسبًا للاختفاء فيه, فإّنه يجب توفير بعض المزايا; لتعطيه قدرًة على الاستمرار بعيدً ا عن أعين الاحتلال وأذنابه, وبعض هذه المزاياأصلّية فيه; أي أنها جزء من تكوينه الأصلي, لأنه لا يمكن استحداثها, والبعض الآخر هي مزايا طارئة ومستحَدثة, أي أّنها تضاف إليه بيد المجاهد فتزيُد من جاهزّيته, بمعنى أن المجاهد هو الذي يعمل على إعداِدها وتوفِيرها في المخبأ قبل أن يقيم فيه.

وقبل الّشروع في تعداد هذه الصفات, لابد من الإشارة إلى أنَّ عدَم توّفر جميع هذه المزايا في الملجأ, لا يعني أنه غير مناسب, ولكننا نقول: إّنه كلما توّفر في الملجأ مزايا إضافية, فإنه يقترب من المثالية, مع ملاحظة أن بعض هذه المزايا يعدُّ خّطًا أحمر, فلا يمكن تجاهلها بأيِّ حال; كهذه النقطة الأولى التي سنذكرها.

١. أن لا يكون الملجأ قد كُشف أو سبَق الاعتراف عليه: وحتى لو لم يتم اقتحاُمه, فبمجرد اعتقال أحد الإخوة اّلذين يعلمون بأمر هذا المخبأ, فإّن على المجاهد المسارعة إلى الانسحاب منه, حتى قبل أن يعلم بنتيجِة التحقيق, فإذا علم أن اعترافًا جاء على هذا المخبأ, فإنه يحظر عليه العودة إليه نهائيًا, لأّن أغلَب الظّن أن يكون المخبأ تحت المراقبة, وهذا ما حصل مع ثّلٍة من قادة مجاهدي مدينة نابلس, وعلى رأسهم الشهيد القائد (مهند الطاهر) والشهيد المجاهد (طاهر جرارعة) والشهيد المجاهد (علي اُلحضري), في تلك المعركة التي انتهت باستشهاد المجاهد (علي) رحمه الله.

ولا بد من الّتنويه إلى أّن الاّطلاع على إفادِة الأسير, لا تكفي وحَدها لمعرفة إن كان قد اعترف على الملجأ أم لا, فرّ بما أن يكون قد اعترف دون أن تضَع المخابراُت اعتراَفه في الإفادِة أو لائحِة الاتهام.

٢. أن لا يكون المخبأ موضع شكٍّ لدى قوات الاحتلال: كأن يكون المخبأ معّرضًا للاقتحام لاعتقال أصحابِه الّساكنِين فيه لضلوعهم في نشاطاٍت وطنية أو جهادّية, كأن يكون بيت أحد الّشيوخ المعروفين, أو الشباب أصحاب الانتماء والنشاط المكشوف, فقد يصادف قدوم قوات الاحتلال لاعتقال صاحب البيت مع وجود أحد المطاردين في البيت, فيكون الاعتقال للاثنين معًا ! وقد تكّرر هذا الحدث مع أكثر من مطارد, وانتهي الأمر به إلى الاستشهاد أو الاعتقال.

٣. أن يحوي الملجأ بداخله بعض الأمور والاحتياجات التي يجب أن يتسّلح بها المطارد: أو تلك التي قد تلزمه في يومّياته, كأدوات الإسعاف الأولى من أدوية وضمادات, وراديو يتابع من خلاله الأخبار المحلية من حوله, أو تلفاز يؤدي ذات الغرض, وباقي الأدوات التي سبق الحديث عنها.

وهنا نؤّكُد أنه ليس من الضرورة أن يكون الملجأ مجّهزً ا بكل وسائل الّراحة والترفيه, وإن كان وجوُد بعِضها إيجابيًاُ يساعد المطارد ويريحه, بشرط أّلا يكون ذلك على حساب يقظتِه وجاهزّيته, فالإغراق في الكمالّيات قد يفقد المجاهد جزءً امن استعداده وانتباهه, وقد يجعله أكثر تمّ سكًا بها ولو على حساب أمنِه, وهنا تكون الزّلة, فالنهاية.

٤. كلما كان موقع الّسكن كاشفًا لمحيطِه; يكون الأمان فيه أكثر: فمن الصِّفاِت الكمالّيِة للسكن, أن يكون في موقٍع يكشف محيَطه, كأن يكون مرتفعًا نسبّيًا بحيث يمكن من خلاله مراقبة المحيط ورؤية القادم لاتخاذ الإجراءات الوقائّية اّللازمة, سواء بالانسحاب منه, أو بإخفاء الموجودات فيه, أو الدخول إلى مكانِه, أو حّتى إذا كانت المواجهة حتمّيًة فينتبه لذلك مبّكرًا ويستعد لها, وبالتالي تكون مقاومُته بشكٍل أفضل.

٥. أن يكون الملجأ متعدد المخارج: بحيث يمكن دخوله من جهة والخروج من جهة أخرى وفائدة ذلك أنه في حال تعّرَض الملجأ لمحاولة اقتحام من الباب الرئيسي وجَد المجاهُد مسلكًا بديًلا لينجو بنفِسه وإخوانِه, وحتى إذا كان الملجأ جبلّيًا, فإنه يجد مخرجًا له إن هدم الاحتلال مدخَله الرئيسي.

٦. كلما كانت سلامة محيط الملجأ: أي سلامة سّكان المحيط, كان أكثر أمنًا : فمن المناسب أن يكون المحيُط السّكانيُّ خاليًا من العملاء والمندّسين, وذلك لتحقيق أمرين:

الأول: إذا بدَر من المطاردين أخطاء أمنّية أو تّصرفاتُ مريبة, فلا تجُد لها طريقًا مباشرًا إلى الاحتلال.

الثاني: إذا حدثت مداهمٌة في المنطقة أو الملجأ, فإّن من خياراِت المجاهد الالتجاَء إلى المنازل المحيطة, فيجد فيها الأمان.

٧. أن يحوي الملجُ أبداخله مكامنّ سرية يختفي فيها المجاهد في حال دخل الجيش إلى المكان: وقد تكون هذه النقطة الأهم في مواصفات المخبأ, وقد كان قصور الّتجربة الفلسطينّية فيها واضحًا, فلا يكفي أن يجَد المطارد لنفِسه منزلاً يختبئ فيه, بل لا بد من أن يُعِدَّ في داخل المنزل مكانًا صغيرًا يُخفيه, ويكون جّيد الّتمويه, حتى لا يستطيَع أحٌد الوصوَل إليه بغير معلومة, كأن يكون سردابًا تحت الأرض مغّطًى باُبه بالفراش, أو حفرًة في الجداِر مموّهًة بالّستائر.

وقد أثبتت التجارب أن هذه المخابئ تحمي المطارَد في الأوقات الصعبِة واللحظاِت اَلحِرجة, كأن يدخل الجيُش إلى المنزل الذي يختبئ فيه المطارد مصادفًة, أو حّتى أْن يدخَل مع ظنّه بوجود المطارد.

 لذا فإّن من المناسب أن يأخذ المجاهُد فكرَة الملجأِ الصغير وقّوَته بعين الاعتبار, حّتى إذا كان الهجوم على المنزل وهدمه, بقي المخبأ محمّيًا بدعائَم تِقيه من انهيار الجدار عليه, ومن الأمثلة الفلسطينية على صمود مناضلين لسنوات

طويلة من المطاردة بفضل الله ثم بسبب إعداد الملجأ الآمن, تجربة الرفيق المناضل (أحمد قطامش).

٨. أْن يكون مدخل الملجأ ممّوهًا : وذلك تحديدً ا إن كان جبلّيًا أو خارج المنزل, وهذا باٌب واسٌع وفٌن يجب العمل على إتقانه والاستفادة من تجربة الغير فيه, فلا بد للمجاهدين من العمل على إعداد الملاجئ التي تختفي عن الأنظار, وخصوصًا إذا كان قراُره الإقامَة لمّدٍة طويلة خارج البيوت السكنية, ومن الأمثلة العالمية التي رأيناها على وسائل الإعلام, ذلك المخبأ الّصغير الذي كان الرئيس العراقي السابق (صّدام حسين) يأوي إليه.

إضاءة: هناك أمثلة كثيرة يحتذى بها لأفراد تمكنوا من الاختفاء في مثل تلك المخابئ, وتمّكنوا أيضًا من الخروِج من هذه المخابئ وضرب الصهاينة, إذ ليس الاختفاء هو الهدف فقط, كما أنه يمكن أثناء بناء بيٍت من البيوت التي ينوى استخدامها للسكن عمل ملجأ سري تحت الأرض وغير ذلك.

في الحلقة المقبلة : أمن المطارد " التعامل مع الملجأ"

مقالات ذات صلة