في العمق

التهديدات الصهيونية.. بديلا عن الحرب أم مقدمة لها؟

المجد

للتهديدات الصهيونية المتعاقبة وكثرتها وظائف متعددة "وإن كانت تنم عن ضعف" في مقدمتها الخداع والتضليل والتعويم والتمويه على ما تخطط له القيادة الصهيونية وما تضمره من عدوان سواء في الزمان "ربيع أو خريف، قبل الانتخابات الأمريكية أو بعدها" أو المكان "القدس والضفة الغربية، قطاع غزة، سيناء، لبنان، سوريا، إيران، السودان" أو الحجم "عدوان، حرب، توغلات وإغارات" أو أنماط الحرب "حرب جيوش نظامية، شبه عصابيه، برية أو بحرية، أنفاق تحت الأرض أو فرق الأرض، قوات هندسة وجرافات، إنزال مظليين ومعدات، قصف طائرات، تجسس واستخبارات، اعتقالات واغتيالات".

إضافة للحرب النفسية وتوتير الأجواء والتدخل في الشؤون الداخلية وزرع بذور الفتنة، وإرسال الرسائل، والضغط وإشغال المقابل وإبقاؤه في حال استنفار واستنزاف قوته وإرباكه واستطلاع الجديد وجس النبض ومراقبة السلوك وردة الفعل، والاستدراج في محاولة لخداع العالم بأن دولة الكيان الضحية والضعيفة تماما كما هي محاولتهم على الجانب السياسي والإيحاء بأن الفلسطينيين يرفضون السلام، وهي أيضا تصب في خانة التهديدات.

لم تستخدم دولة الكيان في معظم حروبها السابقة هذا الزخم من التهديدات لأنها كانت تذهب للحرب مباشرة حيث سمحت لها الظروف بذلك، لكنها لجأت لتغليف دوافع الحرب بأسلوب التهويل وتضخيم قوة وإمكانيات المقابل كمقدمة للعدوان ولتبرير استخدامها الحجم الهائل "أمام حلفائها" من الجنود والسلاح والمعدات التدميرية وتنفيذ خططها.

ومن الأمثلة على ذلك ما حصل عند اجتياح جنوب لبنان "سلامة الجليل" عام 1982 والتي جاءت ردا على إطلاق النار على السفير الصهيوني شلومو ارغوب في لندن سبقها حملة تعبئة للرأي العام العالمي بأن لدى الفلسطينيين جيشا يضم عشرات آلاف المقاتلين ومئات المدافع الثقيلة والدبابات وراجمات الصواريخ، وهو ما يشكل خطرا على الكيان.

بدليل أن جيشها لم يقف عند جنوب لبنان أو الزهراني، كما سربت من معلومات، حيث تتواجد معظم هذه القوات والمعدات بل وصلت إلى بيروت وحاصرتها مدة 88 يوما صمد فيها الفلسطينيون واللبنانيون، ولم تكتف بذلك بل اقتحمتها بعد خروج رجال المقاومة الفلسطينية منها؛ وأكثر من ذلك ارتكبت جرائم حرب ونفذت مجازر صبرا وشاتيلا.

لم يكن بوسع دولة الكيان تنفيذ مثل هذا العدوان لولا دعم الولايات المتحدة الأمريكية الذي وصف وزير خارجيتها الكسندرهيغ "م.ت.ف" بأنها "وكيل سوفياتي"، وذلك حين زار القدس المحتلة قبل العدوان، ومع ذلك.

وعند تعثر دولة الكيان في اقتحام بيروت في المهلة المحددة "1 آب 1982" تبادلت الولايات المتحدة والكيان التهم حول إخفاقها في استخدام أحدث المعدات الحربية الأمريكية وأشدها فتكا من طائرات حربية وقنابل الأعماق والتدمير الـ GBU ، مما اضطر شارون وزير الحرب آنذاك إلى خوض محاولة اقتحام أخرى "4 آب 1982" دون الاعتماد على الطائرات الأمريكية ففشل أيضا.

فكيف يكون الوضع مع ازدياد العثرات الحربية الصهيونية وتعقيدات الأوضاع في الولايات المتحدة الأمريكية وتورطها في العراق وأفغانستان وباكستان والانتخابات، بدا ذلك من خلال وعد نتنياهو للرئيس الأمريكي أوباما بتأجيل ضرب إيران، وهذه ستكون العقبة الأولى عند توجه القيادة الصهيونية للحرب على الجبهات الأخرى، إلى جانب مراحل أخرى يجب على قيادة الكيان عبورها، إضافة إلى الإجابة على أسئلة واستفسارات عديدة كانت معفية منها في السابق، وهو ما يفسر غزارة التهديدات.

مراحل الحرب

أولى المراحل: التأكد من جاهزية الجبهة الداخلية والتي ولولت رعبا وهلعا من خلل فني تسبب بإطلاق صفارات الإنذار في الأسبوع الماضي أدى إلى إرباك القيادة على كافة المستويات وأظهر ضعف السيطرة والقيادة وقلة التنسيق والتعاون بينهم، انكشف ذلك بوضوح عندما تأخرت في إصدار تعليماتها للجمهور في كيفية التصرف وتلافي الخلل، فكيف سيكون وضع هذه الجبهة عند المعركة الحقيقية وانهمار آلاف الصواريخ والقذائف كما يتوقعون؟

وثاني المراحل: استعادة الثقة بقدرات الجيش الصهيوني وقوة ردعه ومعنويات جنوده خاصة بعد هاجس الأسر عندهم وبعد توقع نقل المعركة للداخل الصهيوني.

وثالثها: عدم نجاح منظومات الدفاع، ومنها القبة الحديدية بالتصدي الكامل للصواريخ الفلسطينية.

والمرحلة الرابعة :توفير الحد الأدنى من الدعم الغربي وتأمين سلامة الغطاء في ظل المتغيرات الدولية والإقليمية والعربية، في زمن أخذ ينظر فيه العالم للكيان بأنها دولة حرب وعدوان وهو ما عمق مأزقهم الدولي.

ومن الأسئلة، ماذا حققت لهم قوتهم العسكرية وحروب الماضي، وبعد استخدامهم لأشد الأسلحة فتكا وأحدث المعدات تدميرا، ومنها المحرمة دوليا، من إنجازات سياسية سوى احتلال الأراضي وشعورهم بعدم الأمان، وأنهم مدانون بالإجرام، ومنذ مجازر دير ياسين وكفر قاسم وبحر البقر وصبرا وشاتيلا وبيروت وتونس وقانا وصريفا في جنوب لبنان، والخليل وجنين وغزة وكل فلسطين، وبسببها أصبحوا مطلوبين للعدالة الدولية مع عدم قدرتهم على الحفاظ على قوة ردعهم "الجيش الذي لا يقهر" التي أهلتهم للانتصار على الجيوش العربية عام 1967.

وهم أنفسهم يعترفون بأن لا إنجازات بعدها رغم خوضهم أكثر من حرب، منها الكرامة عام 1968، رمضان 1973، لبنان1982، مخيم جنين 2002، جنوب لبنان 2006، غزة 2008/ 2009، وقد أكدت لجان التحقيق تسجيل العديد من الإخفاقات، وعدم تحقيق الأهداف؟ كما اعترفت قياداتهم بقدرات الآخرين وتطوير إمكانياتهم وثباتهم في مطالبهم وعدم القدرة على كسر عزيمتهم.

أسئلة الحرب؟!

ثم ما هي أهداف الحرب؟ وماذا عن اليوم التالي في ظل الإصرار على الصمود والتصدي لها؟ ومن سيتحمل كلفة الحرب المرتفعة بحسب توقعاتهم؟ وكيف يمكن لدولة الكيان أن تحافظ على عقيدتها العسكرية التي تعتمد على القتال على أرض الغير في حال دارت الحرب في أعماقها وبدأ سقوط الصواريخ والقذائف عليها من كل حدب وصوب؟

وكيف يمكن لها أن تخوض حربا تعرف بدايتها ولا يمكن لها إنهاؤها أو التحكم بمجرياتها؟ هذا عدا عن الأسئلة المتعلقة بالمتغيرات العربية التي أشار إليها نتنياهو رئيس وزراء الكيان بالزلزال، ووصفها وزير حربه باراك بتسونامي.

وقال عنها اليعازار بسببها خسرت دولة الكيان حلفاءها وأصدقاءها، والتي على أثرها سيعاد النظر في هيكلية الجيش الصهيوني ومراجعة شاملة لانتشاره على الجبهات كافة، في ظل خفض الميزانيات وتصاعد التحديات، وهو ما أربك القيادة الصهيونية، خاصة مع تطورات الأمور على الساحة المصرية على إثر الاعتداءات الصهيونية ومقتل جنود وضباط مصريين حيث تفجر الغضب في الشارع المصري وخرجت المظاهرات وتم إنزال العلم الصهيوني والمطالبة بطرد السفير الصهيوني وقطع العلاقات مع الكيان الصهيوني.

ولو أنها من جانب آخر أنقذت نتنياهو وحكومته من غضب شعبه المطالب بتحسين أوضاعه المعيشية وبدلت الأولويات. إلا أنها باتت مصدر قلق للقيادة الصهيونية لمعرفتها بالمثل القائل "لا تسلم الجرة كل مرة"، وإدراكها بأن المنطقة ما زالت قيد التحول في الثقافات والاستراتيجيات خاصة في حلبة الصراع العربي الصهيوني، وبعد أن ثبت للجميع وعبر تجارب الماضي بأن دولة الكيان لا تريد السلام وتنظر للجميع كأعداء ولو تابعين.

بعد كل هذا، ومع الإقرار بأن قيادة الكيان مرتبكة والأمور عندهم ملتبسة ويمكن أن تتخذ قرارات حمقاء، وتخوض المغامرات، فهل يبقى مجال للسؤال: ماذا سيحمل العدوان القادم من عنوان: سلامة أم الرشراش "ايلات" أم سيناء أم سلامة ديمونا وتل أبيب؟!.

واصف عريقات

مقالات ذات صلة