عين على العدو

عرب أمريكا وإحياء الذكرى الـ 60 للنكبة

 


 


تقرير واشنطن-رنا أبو عمرة


     المفتاح، العودة، ترحيل قسري، نزوح، ظلم، تشريد، لاجئين، هوية، حقوق الإنسان، مقاومة، تضامن، عدالة، سلام، كل هذه كلمات تتكرر في لافتات وشعارات الاحتفاليات التي تُقيمها الجاليات العربية، وجماعات المصالح العربية والأمريكية المدافعة عن الحقوق الفلسطينية الأصيلة في الأرض والوطن الغائب منذ 60 عام.


 


فقد كانت كلمات إدوارد سعيد المفكر والأكاديمي الفلسطيني البارز- الذي وُلد في القدس وهاجر إلى الولايات المتحدة وعاش فيها حتى وفاته في عام 2003 – التي جاءت في مذكراته عند زيارته إلى القدس في عام 1998 بأن “القدس الغربية تعني دوماً بالنسبة إليَ الأحياء العربية لمرابع طفولتي، حيث ولدت وعشت وشعرت بأني بين أهلي، فقد أضحت القدس الغربية الآن يهودية بالكامل”، شهادة حية على قيام إسرائيل بعملية هولوكوست عنصرية ضد الفلسطينيين العرب لطردهم من بيوتهم والاستيلاء عليها وإقامة الدولة اليهودية على ركام الحقوق العربية.


 


الذكري الستينية للنكبة عربياً داخل واشنطن


وتأتي الذكرى الستون لنكبة 1948 في ظروف يتعرض فيها العرب والإسلام والفلسطينيين لاتهامات غربية بالإرهاب والعنصرية الدينية والعرقية وجرائم قتل الأبرياء والمدنيين والأبرياء وإشاعة ثقافة العنف، بينما تعرض الفلسطينيين العرب لهذه الجرائم العنصرية منذ 60 عاما على أيدي العصابات اليهودية المدعومة من الغرب والولايات المتحدة آنذاك. وهو ما أسس لظاهرة اللجوء الفلسطيني الخارجي والداخلي كأول تداعيات الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية في إطار تنفيذ ما يسمى بالإرادة الدولية التي تمثلت في قرار الأمم المتحدة رقم 181 والقاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين واختلاق الدولة العبرية من العدم.


 


ونمت ظاهرة اللجوء الفلسطيني في المهجر وتطورت مع تطور القضية الفلسطينية لتزداد أبعادها تعقداً في الخارج بقدر تعقدها لدي صانعي القرار في الوطن. وفي الولايات المتحدة الأمريكية ساعد المناخ السياسي والمجتمعي الداعم لإنشاء جماعات المصالح بوجه عام ووجود لوبي يهودي له دوره المؤثر على دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة مضاد للمصالح العربية؛ على ظهور مؤسسات ومنظمات ومراكز أبحاث مدافعة عن الحقوق الفلسطينية ومصالح الجالية العربية هناك مثل المعهد العربي الأمريكي في واشنطن العاصمة و لجنة مناهضة التمييز.


 


ورغم تشتت الجالية الفلسطينية في الولايات المتحدة وضعف أداء القدرة التنظيمية الجماعية للجالية العربية بشكل عام، إلا أن ذكرى النكبة لا تمر على عرب الولايات المتحدة دون إحياء، وتختلف أشكال هذه الاحتفاليات وفعاليتها من عام إلى عام وذلك وفقا لمعطيات الواقع السياسي للقضية، ولا يُخفي على أي متابع وصول القضية الفلسطينية إلى أكثر المراحل تأزما، وإن اختلفت هذه الاحتفاليات إلا أن أهم ما يُميزها هو شمولها مختلف الفئات العربية والفلسطينية والأمريكية؛ فيدعو إليها رجال سياسة وأساتذة جامعات وكتاب وصحفيين و مثقفين وفنانين ومفكرين وباحثين وحديثا مدونين يعملون على دعم القضية الفلسطينية، والمدافعين عن حقوق الإنسان وأبناء الجالية العربية.


 


احتفالات العرب الأمريكيين بنشأة إسرائيل


تشهد الولايات الأمريكية المختلفة تنظيم احتفاليات لإحياء الذكرى الستين للنكبة 1948-2008 كما في ولايات كاليفورنيا ونيويورك وميتشجان وتكساس والينوى وويسكنسون وميريلاند ومينيسوتا وكولورادو وواشنطن. وتختلف الاحتفاليات في حجم تنظيمها باختلاف حجم ودرجة نشاط الجالية العربية والفلسطينية الموجودة في الولاية، فتتنوع من مجرد تنظيم ندوة أو محاضرة إلى إقامة مهرجان فني وثقافي وسياسي أو تنظيم مسيرة تضامن، كما تتنوع ما بين احتفالية شعبية عامة تُنظم في ساحات عامة، وما بين احتفاليات أكاديمية يتم تنظيمها في ندوات وقاعات للمحاضرات أو مسرح، تستعرض ما تعرضت له القضية الفلسطينية منذ بدء سلب الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربي وتهجير أهلها بالقوة وعرض جذور فكرة اللجوء الفلسطيني.


 


عادة ما تتضمن فعاليات هذه المناسبة تنظيم عدة أنشطة بالتوازي أو تنظيم إحداها بحسب حجم الاحتفال المقام في الولاية، ويمكن حصرها في الإشكال التالية:


 


تنظيم ندوات أو محاضرات يتحدث فيها أساتذة جامعات وأكاديميين وكتاب و باحثين في مختلف مجالات الأدب والسياسة والاقتصاد والإدارة والإعلام وحقوق الإنسان والعمل المدني والقانون، منهم من داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومنهم المقيمون في الولايات المتحدة الأمريكية، ولا يقتصرون على المتحدثين العرب أو الأمريكيين من أصول عربية، بل منهم كذلك الأمريكيين المناصرين للحقوق الفلسطينية. وتدور المحاضرات عن التاريخ والتراث الفلسطيني ابتداءا من النكبة وحتى الآن، وأوضاع اللاجئين الفلسطينيين، والتأكيد على حق العودة كأحد الحقوق الفلسطينية، وواقع 60 عام من اللجوء والعنصرية الصهيونية، وقضايا الداخل الفلسطيني مثل أحوال المواطنين الفلسطينيين داخل الخط الأخضر على سبيل المثال.


 


تنظيم معارض فنية تضم أعمال فنية أو عروض فولكلورية فلسطينية أو صور فوتوغرافية أو أعمال تراثية شعبية فلسطينية تُعبر عن فلسطين 48 وقضية اللاجئين، ففي ولاية كاليفورنيا سيتم تنظيم معرض للصور الفوتوغرافية حول اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وسيعرض لمجموعة نادرة من صور الفوتوغرافية قام بتجميعها مواطن أمريكي لبناني تصل إلى حوالي 176 ألف صورة معاصرة وحديثة في إطار مشروعه لإنشاء متحف يعرض للكفاح العربي ضد الظلم والاحتلال. وقد سبق وأن نظم معرض بعنوان “صنع في فلسطين” الذي زار أكثر من ولاية أمريكية، وتأخذ الاحتفالات الثقافية شكل أخر مثل تنظيم مسابقات دولية للأعمال الفنية والشعر والمقالات والموسيقى والأفلام التي تعكس رموز الكفاح التاريخي والإنساني المرتبط بالنكبة في الوجدان الإسرائيلي، وهناك أيضاً معرض أخر يعرض لصور وكالة الأمم المتحدة للإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في إطار احتفالية أخرى تحت شعار “إنهاء النكبة الفلسطينية”.


 


وجود معارض لبيع تذكارات مطبوع عليها شعارات صممتها هذه المنظمات تدعم الحقوق الفلسطينية من كلمات أو رسومات تحيي ذكرى النكبة، وكذلك لبيع منتجات فلسطينية الهوية مثل الكوفية الفلسطينية الشهيرة.


 


تنظيم حفلات توقيع لكتب تتناول القضية الفلسطينية من مختلف زواياها الاجتماعية والسياسية والأدبية تقترب من قضايا واقع الاحتلال والانتفاضة الثانية وعمليات التطهير العرقي التي تعرض لها الفلسطينيون في الأراضي المحتلة في 48، وكذلك توقيع روايات أدبية تتحدث عن العودة والنكبة في الوجدان الفلسطيني، لمؤلفين فلسطينيين وغير عرب وأمريكيين.


 


تنظيم ورشات عمل واجتماعات فرعية للشباب ولمنظمات المجتمع المدني وجماعات المصالح لمناقشة سبل تفعيل المشاريع التي تخدم القضية الفلسطينية في المهجر والمستمرة طوال العام، وكيفية الاستفادة من مناصري القضية في العمل في هذه المشاريع وتشجيعها والتي تدور بشكل أساسي حول الإعلام وإنشاء مكتبة فلسطينية، ودعم اللاجئين، وسبل التمويل، ومأسسة حملات دعم ومساندة الحقوق الفلسطينية واللاجئين الفلسطينيين.


 


عرض أفلام وثائقية وأفلام تسجيلية تعرض للواقع الفلسطيني المتدهور ولقضية اللاجئين الفلسطينيين ومصيرها الغامض وتدعو إلى إيجاد حل لهذه القضية الملحة والتي لم تزل دون حل منذ 60 عام.


 


تنظيم ندوات وحلقات نقاش لمتحدثين من عائلات فلسطينية عاشت بالفعل تجربة التهجير القسرى والإجبار على ترك بيوتها وقراها أثناء إنشاء دولة إسرائيل ليتحدثوا عن واقع عمليات التهجير العنصرية.


 


ومن ناحية أكثر تفاعلية مع عملية صنع القرار الأمريكي قامت “حملة الولايات المتحدة لإنهاء الاحتلال والعنصرية” بتوجيه خطاب شكر للسيناتور الديمقراطيDennis Kucinich ودشنت رابطة على موقعها الاليكتروني لتوجيه رسائل شكر لإلقائه كلمة في الكونجرس ساند خلالها حصول الشعب الفلسطيني ولاجئيه على حقوقه المشروعة التي انتهكتها إقامة دولة إسرائيل.


 


تنظيم مؤتمرات يحضرها كبار الأكاديميين والباحثين والسياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان وجماعات المصالح العربية من فلسطيني الأراضي المحتلة وفلسطيني المهجر والأمريكيين، تهدف إلى مناقشة محاور مختلفة للقضية الفلسطينية في إطار إحياء ذكرى النكبة ودعم حقوق اللاجئين الفلسطينيين الأصيلة في الأرض والوطن التي اغتصبتها وحشية الاحتلال الإسرائيلي وإعادة الأراضي الفلسطينية ومثال على ذلك تنظيم المؤتمر الوطني الفلسطيني الأمريكي هذا العام في ولاية شيكاغو تحت شعار “معنا المفتاح”.


 


إنشاء مدونة باسم “مدونة ذكريات النكبة” تعمل على تجميع قصص مكتوبة من الفلسطينيين الذين عاصروا النكبة أو ممن ينتمون إلى عائلات أجبروا على ترك أراضيهم وديارهم يروي هذه القصص المأساة التي عاشها هؤلاء ما بين تشريد ولجوء؛ وذلك تمهيداً لنشرها في مجلة تقرير واشنطن عن شئون الشرق الأوسط والتي تصدر 9 أعداد سنويا من واشنطن العاصمة في عدد خاص عن إحياء ذكرى النكبة ليتضمن هذا العدد القصص في محاولة لتوثيق هذا التراث الفلسطيني ليظل شاهداً على عملية التشويه المتعمد للأراضي الفلسطينية وتحويلها إلى دولة إسرائيلية على حساب الأسر والمدنيين الفلسطينيين.


 


تنظيم تظاهرات ومسيرات تضامن ترفع لافتات تتضامن فيها مع الفلسطينيين والتأكيد على حق العودة وعلى ثوابت الهوية الفلسطينية وتدعو الإدارة الأمريكية إلى حل القضية بعدالة وحياد وتندد بالتعصب الصهيوني والوحشية الإسرائيلية.


 


أبرز احتفاليات هذا العام بولاية كاليفورنيا


لعل أبرز احتفاليات هذا العام هو المهرجان الذي تنظمه The Palestinian Right to Return Coalition (PRRC) والعودة (AL-AWDA) تحت شعار ” فلسطين : 60عام من التهجير القسري”، وتعد PRRC من أكبر الشبكات التي تجمع نشطاء يعملون لصالح دعم الحقوق الفلسطينية ومقرها ولاية كاليفورنيا التي يعيش فيها أكبر تجمع للجالية الفلسطينية. ويأتي تميز هذا الاحتفال لكونه الأكبر من حيث فعالياته، والأكبر من حيث عدد المنظمات الراعية والمشاركة فيه التي تعمل لصالح الدفاع عن الحقوق الفلسطينية والعربية مثل ائتلاف فلسطين الحرة وجمعية المرأة الفلسطينية الأمريكية والمجلس الوطني للعرب الأمريكيين، مركز الشرق الأوسط للمعلومات والثقافة في سان دييجو، حملة إنهاء الأبارتايد الإسرائيلي، الكونجرس الأمريكي الفلسطيني، اتحاد المرأة الأمريكية الفلسطينية، نادي رام الله، المجلس العربي الأمريكي، التحالف من أجل العمل على وقف الحرب والعنصرية الآن، كما تشترك مع هذه المنظمات في تنظيم أحداث المنظمات الطلابية في الجامعات الأمريكية المساندة للحقوق العربية والفلسطينية مثل نشاط طلاب لصالح العدالة في فلسطين بفروعه في جامعات California State University, University San Bernardino, University of California Los Angelos, University California , University of California Riverside وكذلك اتحاد الطلاب المسلمين في جامعات University of California Irivine, University of California San Diego وهذه المنظمات والاتحادات لا تقتصر في نشاطها على جهود الطلاب الدارسين فحسب، بل تجمع كذلك العاملين في الجامعات من باحثين وأساتذة ممن يدعمون الحقوق الفلسطينية، والذي ينقلنا بدوره إلى محاولة الاقتراب من شكل الاحتفاليات داخل الجامعات الأمريكية.


 


احتفاليات إحياء ذكرى النكبة داخل الجامعات الأمريكية


نجد احتفاليات يُنظمها الطلاب العرب في الجامعات الأمريكية مثل جامعة هارفارد وجامعة كولومبيا على سبيل المثال، وعادة ما تأخذ هذه الاحتفاليات شكل مهرجان متعدد الفعاليات ويمتد لأكثر من يوم وقد يصل إلى أسبوع، وغالبا ما يكون الطابع الثقافي الذي يعكس الهوية الفلسطينية هو الغالب عليها، وتتضمن هذه الاحتفاليات تنظيم محاضرات لأساتذة من مختلف المجالات ليتحدثوا عن القضية الفلسطينية، وكذلك لمعاصرين النكبة من الفلسطينيين الذين هجَروا قسرا من بيوتهم و تنظيم ندوات وورش عمل وعروض لأفلام تسجيلية ووثائقية وأمسيات ثقافية فلسطينية وإقامة أسواق لبيع السلع الفلسطينية الأصيلة مثل المنسوجات التراثية وزيت الزيتون ومأكولات أخرى.


 


ويدور الهدف الرئيسي لهذه الاحتفاليات حول محاولة تعريف الرأي العام في الولايات المتحدة بأهمية وضرورة التعجيل بالتطبيق غير المشروط لحق العودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم وديارهم، بالإضافة إلى إتاحة الفرصة أمام المنظمات الناشطة بتكوين شبكات للعمل فيما بينهم في مشاريع وأنشطة أخرى تخدم مصالح العرب في الولايات المتحدة، ومن ناحية أخرى تعمل هذه الاحتفاليات بشكل أو بأخر على توثيق التراث الفلسطيني في المهجر والترويج للمعاناة الفلسطينية من جراء الاحتلال الإسرائيلي وتجسيدها فنياً وثقافياً وأكاديمياً وسياسياً، وتعزيز وتعميق قيم الانتماء عند الأجيال المتعاقبة للعرب الأمريكيين واللاجئين الفلسطينيين وعرب المهجر.

مقالات ذات صلة