الأمن عبر التاريخ

التربية الأمنية في حياة النبي صلى الله عليه وسلم

المجد –

د. راغب السرجاني

تأتي روايات قيمة تبين لنا الحذر النبوي، وكيف تأثر الصحابة  بمنهجية رسول الله  في التربية الأمنيّة لأصحابه:

سمع عمرو بن عبسة  بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمرو بن عبسة من قبيلة أسلم، وهو ليس من أهل مكة، وكونه سمع بأمر الرسول (صلى الله عليه وسلم) من بعيد فهذا يدل على أن سماع عمرو بن عبسة بأمر رسول الله كان متأخرًا، بعد إعلان رسول الله لأمر الدعوة. يقول عمرو بن عبسة : "فقعدت على راحلتي، فقدمت عليه، فإذا رسول الله مستخفيًا" (أي أن الرسول  لم يكن يُعلِّم أصحابه علانية، بل يستخفي في تربيتهم، ولكنه لم يكن يستخفي بدعوته للعامة، بل كان يحدثهم في بيت الله الحرام، هذا طبعًا بعد إعلان الرسول  للدعوة). يقول عمرو بن عبسة  يصف حال الرسول : "جُرَآءُ عَلَيْهِ قَوْمُهُ".

وهذا دليل أيضًا على أنه بعد الإعلان؛ لأن قريشًا لم تكن تؤذي الرسول (صلى الله عليه وسلم) قبل إعلان دعوته.

يقول عمرو بن عبسة: "فتلطفت (توجهت إليه سرًّا) حتى دخلت عليه مكة، فقلت له: ما أنت؟ قال: أَنَا نَبِيٌّ. فقلت: وما نبي؟ قال: أَرْسَلَنِي اللَّهُ.

 

فقلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال: أَرْسَلَنِي بِصِلَةِ الأَرْحَامِ، وَكَسْرِ الأَوْثَانِ، وَأَنْ يُوَحَّدُ اللَّهَ لاَ يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ. قلت له: فمن معك على هذا؟ (وكان مع النبي  في ذلك الوقت أكثر من ستين صحابيًّا) فقال: حُرٌّ وَعَبْدٌ. يقول عمرو بن عبسة: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به. (أراد رسول الله  أن يأخذ بالحيطة والحذر، فلا يخبر عن بقية أصحابه إلى أن يستوثق من أمر عمرو بن عبسة، وخاصة أن عَمْرًا ليس من مكة، وتاريخه مجهول بالنسبة للرسول ، لكن من المؤكد في هذه المرحلة من الدعوة أن الرسول  كان معه عدد كبير من الصحابة جاوز الستين، ومن المؤكد أيضًا أن هناك الكثير قد أسلم قبل بلال، لكنه آثر التكتم والحذر، مع أنه لو أخبر عمرًا أن معه عددًا كبيرًا فقد يكون هذا دافعًا له للإيمان، ولكن الاحتياطات الأمنية عند رسول الله  تسبق كثرة الأنصار والأتباع).

 

ومع أنه قال له: معي حر وعبد، إلا أن الله  ألقى الإسلام في قلب عمرو بن عبسة  فقال: إني متبعك (يقصد أنه سيبقى معه في مكة ويتبعه على الإسلام). لكن رسول الله  الفقيه بأمور المرحلة الحساسة التي تمر بها الدعوة قال له: "إِنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ يَوْمَكَ هَذَا، أَلاَ تَرَى حَالِي وَحَالَ النَّاسَ، وَلَكِنِ ارْجِعْ إلى أَهْلِكَ، فَإِذَا سَمِعْتَ بِي قَدْ ظَهَرْتُ فَأْتِنِي".

 

إنه فقه عالٍ جدًّا، كان من الممكن أن يفرح الرسول  بإسلامه، ويضمه إلى جماعته، ولكن عمرو بن عبسة ليس من مكة، وسوف يُضْطهد أشد الاضطهاد، ولا يدافع عنه أحد، فهنا يضحي رسول الله  بالنصرة التي ستأتي من وراء عمرو ببقائه، ويضحي أيضًا بالعلم الذي قد يحصله عمرو ببقائه في مكة نظير أن يُؤَمِّن حياة عمرو، ويحفظه لمرحلة قادمة قد تكون الدعوة أحوج إليه.

 

كما أن عَمْرًا عندما يذهب إلى قبيلته أسلم، فإنه -ولا شك- سيحدّث أهله وأحبابه هناك بأمر الإسلام، وسيأتي بأقوام كان من الصعب على رسول الله  أن يصل إليهم في هذه المرحلة، فهذا أدعى إلى انتشار الإسلام في وقت أسرع.

 

كل هذه التدابير لا تنافي مطلقًا إيمان رسول الله  التام بالقدر، وأن ما أصابه ما كان ليخطئه، وما أخطأه ما كان ليصيبه، ولكنه يأخذ بالأسباب، ويعلمنا كيف نأخذ بالأسباب في كل مرحلة من مراحل الدعوة، وقد عاد فعلاً عمرو بن عبسة إلى قومه، إلى قبيلة أسلم، وكان له دور كبير في إسلام أفرادها، وأتى إلى رسول الله  في المدينة عندما ظهر أمر رسول الله  هناك، فانظر إلى عمرو بن عبسة  كيف حول نقطة الضعف عنده -وهي أنه ليس مجيرًا أو نصيرًا في مكة- إلى نقطة قوة للدعوة، فعمل في مكان آخر حتى حان وقت الالتقاء برسول الله  في المدينة، وهكذا الداعية الصادق لا يعرف الفتور ولا السكون ولا الراحة.

مقالات ذات صلة