الأمن المجتمعي

الأسرة وأمن المجتمع

المجد –

د‏.‏ نبيل السمالوطي

يتصل أمن المجتمع بمجموعة من العوامل والمتغيرات والنظم والمؤسسات التي يجب توافرها وتفعيل أدوارها ووظائفها وتنميتها تحقيقا لأهداف ثلاثة وهي‏:‏ استمرار المجتمع‏.

 ونمو وتقدم هذا المجتمع, ومواجهة التحديات التي تواجهه سواء التحديات الداخلية أو الخارجية. هذه العوامل أو النظم إذا اختلت وظائفها أو بناءاتها أو انحرفت, تعرض المجتمع للاختلالي أو الضعف أو الصراع أو حتي التهديد بالفناء أو السقوط. هذه العوامل أو النظم تشمل أبعادا ثقافية واقتصادية ودينية وأخلاقية وتربوية وعسكرية..

والتحليل الاجتماعي المدقق لقضايا الأمن الاجتماعي يؤكد المكانة المركزية التي تحتلها مؤسسة الأسرة في هذا الصدد. فإذا كانت هذه القضايا تشمل التربية والتعليم( وهذا ما أعلنته الولايات المتحدة وانجلترا واليابان ومصر.. الخ) وتشمل بناء الشخصية القوميةNationalCharacter, والعقيدة ونسق القيم واللغة والثقافة, كما تشمل تنمية قيم وروح الولاء للمجتمع ونظامه, وتشمل الحريات والديمقراطية, وبناء دولة المؤسسات, كما تشمل بناء نظم اقتصادية وعسكرية قادرة علي تحقيق الكفاية والتقدم والحماية للمجتمع.. الخ, فإن الأسرة هي المؤسسة الأهم في صناعة الإنسان المسلح بالعقيدة والقيم والقدرات, الإنسان المبدع المنجز المنتج الذي لديه ولاء لربه ثم أسرته ثم مدرسته ومجتمعه وأمته. وعندما نتأمل سبب خلق الإنسان, ونتأمل ما هو جوهري في رسالة السماء إلي الأرض التي حملها كل الرسل والأنبياء من آدم وحتي محمد عليه الصلاة والسلام, نجد أن كل هذه الرسالات أكدت أمرين أساسيين.

الأول: توحيد الله وافراده وحده بالعبادة والتقديس.

الثاني: حماية القيم والأخلاق وما أطلقت عليه الشريعة الإسلامية الكليات الخمسة أو المصالح الخمسة, وهي حفظ وحماية الدين, والنفس, والمال, والعقل, والأسرة هذا يعني أن بناء وحماية الأسرة مطلب أساسي في كل الشرائع. والأسرة هي النظام الذي فصله القرآن الكريم في الكثير من جوانبه, وجاء في كل سور القرآن الكريم خاصة في سورتي النساء الكبري( النساء) والنساء الصغري( الطلاق), وهذا التفصيل الدقيق لم يحدث لأي نظام آخر.

ومن الجدير بالذكر أن نظام الأسرة الذي أسسه الله في الجنة وقبل الهبوط بآدم إلي الأرض ـ قال تعالي لآدم في الجنة( أسكن أنت وزوجك الجنة), هذا النظام الذي لم يكتف الإسلام بوضع ضوابط شرعية له ويتركه للتفاعلات البشرية علي الأرض مثل النظم الأخري السياسية والاقتصادية وغيرها.. إلخ. هذا النظام هو المسئول عن تربية وبناء الإنسان المؤمن القادر علي حفظ دينه وحفظ عقله بالعلم والمعرفة وعدم الاقبال علي المخدرات والمسكرات, وحفظ نفسه ونفس الآخرين لأنه يؤمن أنه( من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) والأسرة هي المسئولة عن صناعة الإنسان المؤمن الذي يجمع المال من الحلال, ويؤدي حق الله فيه, الإنسان المؤمن النافع لنفسه وأسرته ومجتمعه, الإنسان المبدع المنجز المتعاون المحافظ علي حقوقه وحرياته وحقوق الآخرين وحرياتهم. هذا يعني أن المصالح الأربعة ـ حفظ العقل والدين والمال والنفس, إنما نفترض بناء الإنسان الصالح وهذه هي الوظيفة التربوية الأساسية للأسرة التي حرصت كل الرسالات والكتب السماوية علي حمايتها وسلامة بنائها وصحة أدائها لأدوارها ووظائفها.

وبالنظر في مؤسسة الأسرة في العالم الإسلامي نلمح مجموعة من التغيرات السلبية التي تمثل خطرا علي هذه المؤسسة. فعندما تشير الدراسات الميدانية إلي أن معدلات الطلاق تصل في بعض الدول الإسلامية إلي40%, وهناك الطلاق النفسي غير المعلن أكثر من ذلك, وعندما تري أن معدلات الإدمان, ومعدلات العنف الأسري والمدرسي والمجتمعي في تزايد مستمر, وعندما تظهر في مجتمعاتنا جرائم غريبة علي ثقافتنا العربية والإسلامية, مثل قتل الآباء للأبناء والأبناء للآباء, والأزواج للزوجات والعكس, وعندما نري أن عمالة الأطفال تحت سن14 سنة أكثر من ثلاثة ملايين, وأطفال الشوارع أكثر من(2) مليون, وعندما نجد نسبة الأمية الدينية العالية بين الآباء والأبناء, وعندما نجد إقدام بعض الآباء علي ارتكاب الفاحشة مع بناتهم( زني المحارم) ـ وإن كانت الأعداد قليلة ـ ونجد أن عام2009 شهد ما يقرب من عشرة آلاف حالة لزواج القاصرات, وعندما نجد بدء ظهور الاتجار بالبشر من خلال تشغيل الصغار في التسول وتجارة الجنس,, وعندما نجد تنامي ظاهرة عقوق الأبناء للآباء, وتخلي بعض الآباء عن الأبناء, وعندما نجد أن الشباب في قطاع كبير يتسم بالسلبية واللامبالاة وعدم المشاركة في قضايا مجتمعهم, بل وإقبال بعضهم علي الهجرة غير الشرعية والإلقاء بأيديهم في التهلكة. عندما نجد هذا كله وغيره نقول إن الأسرة في خطر. ولا أمل إلا بعودة الأسرة إلي منهج ربها في البناء وفي بناء الأدوار وفي مواجهة أزماتها.

مقالات ذات صلة