تقارير أمنية

دقيقتان فوق بغداد..قصة الضربة الصهيونية لمفاعل تموز

المجد- وكالات

يمكن القول أن أي عملية واسعة النطاق من هذا النوع إنما تتطلب مشاركة ما لا يقل عن 200 (و أكثر من ذلك على الارجح) ما بين جنود و طيارين لابد من نقلهم لمسافة طويلة جدا. كما ان مدى حتى اكبر المروحيات الصهيونية لن يكون كافيا لتغطية المسافة ذهابا و ايابا.

لذلك, فأن الطائرات التي تحمل الجنود سوف تتطلب إعادة املائها بالوقود في مكان ما على طريق الذهاب الى الهدف قبل مهاجمته (على الارجح ليلا), الامر الذي يعني عملية معقدة جدا تعرض المروحيات وطواقمها لخطر الكشف و التعرض لهجوم مضاد الى حد كبير. فضلا عن ذلك, فأن عملية اعادة املاء الوقود انما تتطلب وجود طائرات طائرات شحن خاصة لحمل الوقود الاضافي الضروري, والتي لابد لها من ان تحط في مكان ما على ارض العدو من دون ان يتم اكتشافها.

ومرة اخرى, فبالنظر الى حجم العملية و حقيقة ان العراق في حالة حرب مع ايران, ما يعني انه في حالى انذار جزئي على الاقل, انما تجعل من امر تنفيذ هذه المهمة عملا في غاية الصعوبة.

في الوقت الذي يكون فيه عدم كشف هذه الطائرات الضخمة امرا صعبا جدا, ان لم يكن مستحيلا أصلا, فأن الاسرائيليين, و بالنظر الى براعتهم في الخداع الحربي و التحايل, سيعمدون بالتأكيد إلى حماية طريق طائراتهم بطريق –خدعة- او بأخرى: اما, عبر تزيف طائرات لتتنكر كطائرات تجارية تطير على الخطوط الجوية العالمية أو عبر الادعاء انها طائرة عراقية او عربية او أجنبية من إحدى الدول الصديقة.

كما تم النظر في باقي وسائل و أساليب الخداع و التحايل المحتملة بجدية و عمق بالغين.فضلا عن ذلك, فأن طائرة شحن كبيرة و مكشوفة لابد ان تكون بحاجة لتغطية طائرة مقاتلة لها على الاقل ضمن طريق الإياب (أن لم يكن في طريق الذهاب أصلا) بعد تنفيذ الهجوم على الهدف و ارتفاع و سخونة تصميم العدو على مطاردة و ضرب و اقتناص المهاجمين.

كما أن طائرة كبيرة بهذا الحجم ستتطلب معدات هبوط خاصة و ملائمة, و تنسيقا ارضيا-جويا, فضلا عن خبراء صيانة متخصصين كذلك.

لن تقتصر مهمة طائرة الشحن الكبيرة على إملاء المروحيات بالوقود و حسب, وإنما ستكون ضرورية لاحتمال نقل مروحيات اصغر تستخدم لنقل فريق القوات الخاصة إلى منطقة الهدف فورا وبشكل مباشر.

من المعقول افتراض ان الطريقة الأسرع و الأسلم للتغلب على الدفاعات العراقية المحيطة بالمفاعل ستكون عبر استخدام مروحيات اصغر تطير بمستوى ارتفاع الاشجار كي تقفز الى مباشرة قلب مركز الابحاث النووية.

تكمن خطورة هذه الخطة بدرجة الانكشاف الخطيرة للطائرات المروحية امام اي نيران ارض جو مضادة يمكن ان توجه ضدها. لذلك, فلو امكن تحقيق حالة المفاجئة الكاملة مع تلك المروحيات, و امكن اختراق المحيط الدفاعي للمفاعل بنجاح, و الهبوط بسلام لينفذ افراد القوات الخاصة عملهم و يؤمنوا المنطقة, فأن من غير المحتمل جدا ان يمكن استخدام الطائرات نفسها للانسحاب بالقوة المهاجمة.كان هنالك اقتراح آخر يقضي بقيادة القوات الخاصة الصهيونية لقافلة من الشاحنات و سيارات الجيب و ناقلات الجنود التي تحمل شارات الجيش العراقي.

 و يمكن نقل بعض تلك الشاحنات من خلال طائرات الشحن التابعة لسلاح الجو الصهيوني (مثل طائرة هيركوليز C-130), فيما يمكن شراء تلك الشاحنات او الحصول عليها محليا عبر عملاء خاصين يصلون (او يعيشون) في منطقة بغداد قبل اسابيع من تنفيذ العملية.

يمكن قذف القوات الخاصة المهاجمة بالمظلات عبر الجو على الهدف. لكن كما هو معروف, فأن العمليات التي تنفذ بالقوات المحمولة جوا التي تلقى بالمضلات انما تعد خطيرة جدا و مخادعة.

كما ان القوات التي تقذف من الجو تعد مكشوفة جدا اثناء وجودها في الجو (كما هو شأن الطائرات التي تنقلها), كما انها و معداتها يمكن ان تتشتت على الارض و تتطلب وقتا معتبرا بهدف اعادة التجمع و الاستعداد للانطلاق و التنفيذ من جديد.

بعبارة أخرى, يمكن القول ان الاسلوب الاسلم و الاكثر فعالية للقوات الخاصة عبر الصحراء بأتجاه هدف محمي جيدا انما يكتنفه قدر كبير جدا من المشاكل و التعقيدات و العقبات التي لا يمكن تذليلها.اما المرحلة الثانية من هذه العملية, فتتمثل, طبيعيا, بمهاجمة الهدف نفسه و تدميره.

ان القوة التي يراد استخدامها لتنفيذ الهجوم لابد ان يكون هنالك تحت تصرفها خرائط و مخططات تفصيلية لمفاعل اوزيراك النووي, مع حاجة محتملة لتوجيه فاعل من واحد او اكثر من الخبراء العاملين في المنشأة, و في افضل الحالات, لابد لهم من معلومات محدثة حتى اللحظة الاخيرة عن المنشآت الدفاعية حول و داخل المفاعل, وعدد الحراس و الدوريات و نوعية اسلحتهم, ووسائل اتصالاتهم, و مقرات قيادتهم, و الى آخره من التفاصيل.

كما لابد من تدريب القوة المهاجمة على نموذج هجوم مفصل مطابق للعملية, مع اعادة تكرار التدريب مرارا حتى يخلص المشرفون على التدريب الى ان القوة باتت جاهزة فعلا و تملك فرصة معقولة للنجاح بمهمتها و من ثم العودة بأمان لاسرائيل.

لكن, و كما اسلفنا مؤكدين, فأن عمليات من هذا النوع غالبا و عادة ما تكتنفها مخاطر كبيرة و مفاجئات غير متوقعة. كما ان تنفيذ عملية هجومية كهذه على مجمع هدف محروس جيدا لن يكون ممكنا تنفيذها من دون خسائر معتبرة على الجانبين المهاجم و المدافع, فضلا عن عدد غير محدود من الخبراء الاجانب العاملين في المفاعل اثناء الهجوم.

بدا ان العدد الكبير المتوقع للضحايا و بدا سببا لعدم رغبة القيادة السياسية و العسكرية الصهيونية, التي تخشى على حياة افراد القوات الصهيونية الخاصة المهاجمة (يعرف عن الصهاينة حساسيتهم المفرطة تجاه الخسائر البشرية الى حد بعيد), و خوف القيادة من احتمال مصرع عدد كبير من العلماء العراقيين و باقي المدنيين, وربما الاسوء ممثلا في مصرع الخبراء الأجانب في العملية, فان دولة الكيان قد تتعرض الى محاكمة شركة عبر وسائل الاعلام العالمية كونها عمدت الى استخدام قوة غير مبررة مدنيين ابرياء متفرجين لا ذنب لهم. و بالتأكيد, فلابد لنا ان لا ننسى ان اي شخص, من وجهة النظر الصهيونية, يساعد في انتاج سلاح دمار شامل مثل القنابل النووية, لصالح عدو شرس في دولة على عداء مع اسرائيل, انما لا يمكن اعتباره مدنيا بريئا. لذلك, و من وجهة النظر تلك, فأن العدد الاكبر من العلماء العراقيين الذين سيصرعون في العملية سيكون أفضل بالنسبة لدولة الكيان.

كما ان ذلك سيعني تقلصا معتبرا في قدرة العراق على انتاج الأسلحة النووية, فضلا عن ان المشروع النووي العراقي سيتأخر كثيرا و لفترة غير محددة من الوقت.

ان اعتبارات من هذا النوع, في واقع الحال, تتطلب تنفيذ الهجوم ضمن يوم عمل اعتيادي, حيث يكون اكبر عدد ممكن من العلماء و الفنيين العراقيين متواجدين في موقع العمل ضمن مركز الأبحاث النووية العراقي. لكن الخطورة المتمثلة في هذا الجانب تتمثل, طبيعيا,  في أن وجود العدد الأكبر من الخبراء العراقيين في المفاعل إنما يعني وجود كل الخبراء الأجانب معهم أيضا.

و هنا تكمن صعوبة التمييز بين الخبراء الأجانب عن غيرهم. و لسوف تؤدي صعوبة التمييز بين الخبراء العراقيين و الفرنسيين و الايطاليين الى وقوع خسائر بشرية كبيرة بين الأوربيين. في الوقت ذاته, أرادت دولة الكيان تجنب ذلك بأقصى قدر ممكن.

و قد ثبت لاحقا, حسب خيار الضربة الجوية ضد المفاعل, ان الصهاينة كانوا حذرين جدا ازاء عدم ايقاع اي خسائر بشرية في صفوف الخبراء الأجانب.

حينما تم اختيار يوم الهجوم, تقرر ان يصادف ذلك يوم أحد, ذلك اليوم الذي يفترض ان لا يكون يوم عمل للخبراء الأوربيين. و قد تبين لاحقا أن ذلك كان الخطأ الوحيد الذي وقعت فيه الاستخبارات الصهيونية كون هؤلاء قرروا ان يأخذوا يوم الجمعة, عيد و عطلة المسلمين الدينية, يوما للراحة و يعملون الأحد.

أما ساعة الهجوم نفسها, فقد تم اختيار أفضل ساعة لتنفيذ الهجوم من جهة الغرب حيث تكون الشمس على الجهة الغربية و تسطع مباشرة في عيون المدافعين الارضيين العراقيين. و لم يتم اختيار تلك الساعة بسبب ان جميع العاملين سيكونون قد انهوا عملهم و رحلوا اصلا الى مساكنهم, حيث ان الفرضية الاساس كانت خاطئة في تصور اليوم عطلة بالنسبة لهم. و كما حصل ساعة الهجوم التي تقرر ان تكون في السادسة و النصف من عصر ذلك اليوم بالتوقيت المحلي لبغداد, كان معظم العاملين قد غادروا اصلا و لم يتبق سوى خبير فرنسي واحد بات مصرعه امرا لا يمكن تجنبه.

ولو ان الهجوم نُفذ في وقت ابكر او في الشتاء حيث تغرب الشمس في وقت ابكر, كان من الممكن ان يتواجد خبراء عراقيون و أجانب أكثر و يلقون حتفهم في ذلك الهجوم.

في النهاية, تأتي المرحلة الأخيرة, لكن ليس الأقل أهمية, ممثلة في الانسحاب. لابد لأفراد فريق القوات الخاصة الذين يؤمل لهم النجاح بتدمير المفاعل النووي, لابد لهم من مغادرة الموقع بأقصى سرعة ممكنة. و من المؤكد ان الكثير سيعتمد على السرعة التي سيتمكن من خلالها المهاجمون احكام سيطرتهم على المفاعل و تنفيذ متطلبات تفجيره.

كما انهم قد يحملون او يتلقون تعليمات بسحب اليورانيوم المخصب بالدرجة العسكرية معهم في حال اكتشاف وجوده قرب المفاعل. و لأجل تحقيق هذا الغرض, لابد من الحاق مجموعة من العلماء النووين الاسرائيليين المدربين كضباط قوات خواصة ضمن الفريق المهاجم. لكن الاستخبارات الاسرائيلية كانت على دراية اصلا – في ذلك الوقت – بان اليورانيوم المخصب بالدرجة العسكرية انما كان مخزونا في موقع ابحاث نووي آخر اكثر تحصينا و حراسة, و لسوف يقال الكثير عن ذلك لاحقا!.

لاشك ان سرعة العملية ستكون حيوية جدا لنجاحها. فمن اللحظة التي سيبدأ فيها الهجوم, يمكن افتراض ان تدخل مقرات القيادة العامة العراقية و معها قوات الامن الداخلي و سلاح الجو العراقي في حالة انذار قصوى, حيث تبدأ خطوات ردهم المضادة في هذه الاثناء.

و كلما امكن الاسراع في تنفيذ اهداف المهمة –لا يزال الامر بعد حلول الظلام الكامل – كلما كان الانسحاب اسلم و اسرع. يمكن لفريق القوات الخاصة ان يستخدم طائراته المروحية للعودة مرة اخرى, او يغادر المنطقة بالشاحنات التي تنتظر في الخارج. لكن في كلتا الحالتينو لابد للفريق من الوصول الى طائرات المدى البعيد التي ستقلهم عائدين الى الديار.

بالنسبة للطائرات نفسها (اذا ما كانت ستنتظر على الارض اثناء الغارة) فأنها ستخاطر بأحتمال كشفها. و في هذه الحالة, سيكون سهلا جدا على العراقيين قطع طريق عودتها. و اذا ما لم تكتشف, فيمكن لها الاقلاع بسرعة, لكن مع طيران منخفض على الارجح (بارتفاع 100 قدم, الامر الذي يعد خطرا جدا بحد ذاته), الامر الذي سيعرضها لخطر الكشف و الاعتراض من قبل المفاتلات الاعتراضية العراقية سواء فوق العراق او حتى فوق الاردن ربما.

و لسوف يكون امر حماية طائرة الشحن البطيئة و الثقيلة في السماء العراقية, سيكون اقرب الى المستحيل عمليا.

ان خطة ثلاثية المراحل بهذا الحجم ستكون معقدة و خطرة جدا. ولو تم استكشاف آفاق الخطة بقدر من الاسهاب من قبل الجيش الاسرائيلي و الموساد, فأن المخططين الاسرائيليين كانوا ليقرروا ان غارة القوات الخاصة على الارض انما لن تنجح, و ان مخاطر فشلها عالية جدا على الارجح. لقد كان هؤلاء يبحثون عن خيار ابسط و اسرع و اسلم, و بالعدد الاقل من نقاط الاحتكاك و الاشياء التي يمكن ان تحصل معها الاخطاء. و يمكن حسب هذا الكلام القول انهم كانوا يبحثون عن المسافة الاقصر بين نقطتين, و ليس عملية معقدة و متعددة المراحل.

في النهاية, تقرر ان توكل المهمة لسلاح الجو الاسرائيلي بالنظر الى حقيقة ان هذا السلاح قادر على ضمان تدمير المفاعل عبر توجيه ضربة جراحية من الجو. و يمكن حسب هذا الخيار تحقيق دمار كامل للمفاعل النووي مع تقليص للمخاطر البشرية بالحد الادنى, فضلا عن الدمار الاقل نسبيا بالمفهوم الاسرائيلي حسب منظورات الرأي العام العالمي.

لقد تحدث احد كبار الضباط في سلاح الجو الاسرائيلي ذات مرة الى صحفي حاوره بخصوص نجاح هذا السلاح قائلا ان المبدأ الذي تسير عليه العمليات في سلاح الجو يمكن اختصاره بعبارة «ابق الامور سهلة حد الغباء.» و لنا ان نذكر ان اناس البنتاغون انما تجاهلوا هذا المبدأ الاساسي حينما خططوا لعملية انقاذ الرهائن في ايران.

في خضم ذلك, أوكل امر التخطيط الى قوة مهام خاصة مكونة من افضل العقول ضمن فرع العمليات في سلاح الجو الاسرائيلي الذي تحمل مسؤولية ايجاد الخطة «الابسط,» لكن «الاكفأ» لتدمير المفاعل النووي العراقي.

العملية بابل: الاستطلاع

لم يكن اختيار الرجل الذي اضطلع بمهمة التنسيق بين سلاح الجو الاسرائيلي و الموساد و الاستخبارات العسكرية و مقار هيئة الاركان المشتركة بغرض التخطيط للعملية, لم يكن اختيارا عاديا. لقد كان ذلك الرجل العقيد آفيم سيلا الذي ترأس قسم التخطيط في سلاح الجو الاسرائيلي بداية ثمانينيات القرن الماضي. عرف سيلا بكونه المسؤول الاسرائيلي الذي تمكن من تجنيد جوناثان بولارد, ذلك المسؤول الاستخباري الاميركي الذي القي القبض عليه متلبسا بتهمة تسريب معلومات حساسة لأسرائيل, عرف بكونه ضابطا لامعا و طيارا ممتازا يتوفر على تجربة طيران معتبرة بكل المقاييس. فبالاضافة الى مشاركته بحرب الايام الستة عام 1967 ضد العرب,و حرب الاستنزاف على قناة السويس للفترة ما بين تشرين اول العام 1968 و آب 1970, و حرب يوم الغفران عام 1973, كان سيلا واحدا من قلة قليلة من طياري العالم ممن توفروا على تجربة حقيقية في قتال الطيارين السوفيت. ففي ذروة حرب الاستنزاف شهر تموز من العام 1970, جرب سيلا الصراع المباشر و العنيف مع طائرات ميغ 21 التي كانت بقيادة طيارين سوفيت جاؤوا لدعم زبائنهم المصريين. بنهاية ذلك القتال الجوي المتقابل, امكن اصابة و اسقاط 5 طيارين سوفيت. و ضمن تلك الحرب, اكتسب سيلا خبرة في قيادة طائرة ميراج3 الفرنسية مع طائرة سكاي هوك أي-4 القاصفة اميركية الصنع الصغيرة و المتعددة الاغراض و التي طورتها الصناعة الاسرائيلية الحربية لتصبح مدفعيتها الطائرة في تلك الحرب, فضلا عن القاصفة الاميركية فانتوم أف-4 التي تعد اكبر القاصفات في سلاح الجو الاسرائيلي حتى وصول طائرات أف-15.بالرغم من انه كان يخدم كأحد ضباط الاركان في مقر قيادة سلاح الجو الاسرائيلي منذ عامين قبل اتخاذ القرار, الا ان سيلا حافظ على هيئة و شكل الطيار المقاتل الى حد كبير حيث كان يمارس الطلعات الجوية و التدريبية لمرة في الاسبوع على الاقل. و من المعروف ان هذا التقليد يعد سائدا في سلاح الجو الاسرائيلي بدرجة تشمل حتى كبار الضباط الطياريين في الدولة العبرية.كان سيلا, كما هو الحال مع معظم طياري سلاح الجو الاسرائيلي, كان شابا لا يتجاوز الـ38 من العمر. و لسنوات طويلة, اضطر سيلا للبقاء غير معروف و ضمن دائرة الضل, و ان بطاقة الزيارة الوحيدة التي تركها ورائه كانت بنهاية الغارة الناجحة ضد المفاعل النووي العراقي.من الواضح و مما لا يقبل الشك ان سيلا كان واحدا من المع العقول المخططة في سلاح الجو الاسرائيلي, حيث كان رجلا آمن بالدور المحوري و المركزي و الحاسم لسلاح الجو في الحرب الحديثة و سعى لضمان استمرار هذا الدور. كما اعتقد سيلا بأن سلاح الجو برغم كلفته الباهظة انما يمكن ان يكون القوة العسكرية الافضل اذا تم استخدامها و فهم امكاناتها بالشكل الصحيح. و لقد رأى سيلا في العملية بابل فرصة ذهبية للبرهنة على ذلك, حيث تصادف معتقده مع الاهتمام السياسي البيروقراطي القوي بسلاح الجو الاسرائيلي, حيث لم يكن ذلك لمجرد تبرير الاستثمار المستمر و الكبير في هذا الاتجاه ( يستهلك سلاح الجو الاسرائيلي ما يقدر بـ50% من مجموع الميزانية العسكرية الاسرائيلية على العموم) و ربما يلمح الى ضرورة زيادة هذه النسبة ضمن الميزانية لمقدار اكبر.بمجرد صدور الموافقة على تبدني خيار الضربة الجوية, بدأت عجلات فريق التخطيط في سلاح الجو الاسرائيلي تدور بسرعة عالية. كان لابد من جمع كل المعلومات و البيانات الضرورية ووضعها معا, سواء للاستخبارات العسكرية او الموساد او استخبارات سلاح الجوو فضلا عن ان كل تلك الوكالات فعلت كل ما بوسعها بهدف الحصول على اي معلومات اضافية.

جمعت الاستخبارات الاسرائيلية كما كبيرا من المعلومات بخصوص القدرات و النوايا العراقية منذ العام 1975, ذلك الكم الذي كان يخضع للتحديث على نحو مستمر. و بالرغم من ان هذا الكم تضخم على نحو معتبر ليصل الى حجم مجلدين ضخمين, فقد كان لابد من الحصول على معلومات محدثة و جديدة. لذلك, عمد الموساد و الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية الى مضاعفة جهودهما بهدف الحصول على معلومات من عملاء في الميدان و ربما زادوا من جهودهم بهدف تجنيد بعض من الخبراء النووين الاجانب العاملين في العراق. بعد الغارة الايرانية على المفاعل النووي العراقي يوم الـ30 من أيلول العام 1980, عاد الخبراء الفرنسيون و الايطاليون -بداية- الى بلدانهم, ليعودة مرة اخرى لاستئناف العمل في المفاعل بحلول نيسان من العام التالي 1981 بعد ان سبقهم العراقيون بأستئناف العمل فيه على نطاق شامل منذ شهر شباط من ذلك العام. و على الارجخ, منح ذلك التطور الموساد فرصة لتجنيد بعض كبار الخبراء للعمل لصالحه. و من المعروف للجميع من وجهة النظر الاستخبارية ان من السهل اختراق الدول النامية و الاقل قدرة صناعية جراء اعتمادها المركز على الخبراء الاجانب الذين لا يمكن الجزم بحقيقة ولاءهم فضلا عن جقيقة ان هدفهم الاساس يتمثل في الحصول على المال ضمن اقصر وقت ممكن.كانت هنالك حاجة ماسة لمعلومات محدثة بهدف الاجابة على عدد كبير من الاسئلة و منها:مدى تطور العمل في الموقع النووي, و اين يمكن ان يكون موقع خزن اليورانيوم الفرنسي المخصب بالدرجة العسكرية في العراق, و الدفاعات الجوية و غيرها من الدفاعات الاخرى التي وجد العراقيون ضرورة في تعزيزها بعد الغارة الايرانية خريف العام 1980, و مواقع الرادارات الدفاعية العراقية و السعودية و الاردنية, و الظروف المناخية و الجوية فوق الهدف, و المقدار الدقيق من المتفجرات المطلوبة لضمان تدمير المفاعل, فضلا عن اسئلة اخرى كثيرة.بحلول شهر تشرين الاول العام 1980, و بعيد الهجوم الايراني الذي استهدف المفاعل النووي العراقي, حصل سلاح الجو الاسرائيلي على الارجح على موافقة الحكومة الاسرائيلية – عبر رئيس الوزراء او وزير الدفاع حصرا, حيث مثلهما بيغن سويا – لتسيير طلعات استطلاعية بأرتفاعات عالية جدا فوق موقع المفاعل بهدف التقاط صور فوتوغرافية و اجراء مسح بالاشعة تحت الحمراء لمنطقة المفاعل.

و قد نفذت اسرائيل ذلك العمل على الارجح بواسطة بعض من الطائرات «الـ12» الاستطلاعية المتقدمة جدا و التي تطير على ارتفاعات عالية جدا من نوع فانتوم آر أف- 4أي اميركية الصنع التي حصلت عليها الدولة العبرية خلال سبعينيات القرن الماضي. و من المعروف ان تلك الطائرات مزودة بأجهزة تحسس و تصوير متطورة.

كما ان الحاجة دفعت اسرائيل الى تطوير تلك الطائرات, فضلا عن انتاجها لطائراتها الخاصة, لاسيما طائرة «كفير سي-2» الهجومية المتقدمة. و قد ارادت أسرائيل بذلك استحصال صور عن الموقع النووي العراقي بطريقة التصوير الخارجي لرؤية انشاءات و تفاصيل المشروع الخارجية, فضلا عن مسح بالاشعة الحمراء يظهر مصادر الحرارة الداخلية المتولدة عن عمل المكائن انبعاثاتها و انتاج الكيماويات و من داخل تلك الانشاءات.

بقلم ميشيل هاندل و آموس بيرلموتر و يوري بار جوزيف

ترجمة: الهادر المعموري

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى