في العمق

العلاقات المدنية العسكرية والسياسة الدفاعية الصهيونية

المجد- وكالات

لم ينقطع الجدل حول العلاقات المدنية العسكرية في إسرائيل وتأثيرها على السياسة الدفاعية منذ نشأتها، فوزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق موشية دايان قد أكد على أن " السياسة الخارجية الإسرائيلية ما هي إلا سياسة أمنية دفاعية بالأساس" بما يعكس مركزية قضايا الأمن كنتاج للنشأة المصطنعة للدولة وديمومة التهديدات الإقليمية والمعضلة الأمنية الوجودية لاسيما في ظل الإنفاق العسكري الإسرائيلي الذي لم يقل متوسطه خلال الفترة بين عامي 1995 و2007 عن 8% من الناتج المحلي الإجمالي وما تكشف عنه استطلاعات الرأي الإسرائيلية عن تصاعد شعور قطاعات واسعة من المواطنين الإسرائيليين بتهديد أمنهم الشخصي.

وفي هذا الإطار نوقشت مؤخراً في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية رسالة للماجستير بعنوان "العلاقات المدنية العسكرية والسياسة الدفاعية الإسرائيلية" للباحث محمد عبد الله يونس وتحت إشراف أ.د/مصطفي علوي أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.

وتناولت الدراسة كيفية تأثير التغيرات في الأنماط السائدة للعلاقات المدنية العسكرية على السياسة الدفاعية الإسرائيلية وعملية صنع القرار في النظام السياسي الإسرائيلي في الفترة التي أعقبت الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000 مروراً بالانتفاضة الفلسطينية الثانية والعدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006 وانتهاءً بالعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2008.

أولا: مراجعة نظرية لارتباط العلاقات المدنية العسكرية بالسياسة الدفاعية:

على المستوى النظري، سعت الدراسة لتحليل الارتباط بين مفهومين أساسيين هما العلاقات المدنية العسكرية والسياسة الدفاعية لاكتشاف التقاطع والمساحات المشتركة فيما بينهما، حيث اعتبرت الدراسة العلاقات المدنية العسكرية " منظومة التفاعلات المؤسسية بين المؤسسات السياسية المدنية والمؤسسات العسكرية بالنظام السياسي والتي من المفترض أن تنطوي على فصل واضح لأدوار ومجالات عمل وسلطات وواجبات الطرفين استنادًا لقواعد دستورية. في حين تبنت الدراسة مفهوماً للسياسة الدفاعية على أنها "مجموعة المفاهيم والتوجهات الناتجة عن التفاعل بين عدة مؤسسات تستهدف تحقيق غايات الأمن القومي للدولة، وخاصة الحفاظ على بقاء الدولة ووحدة إقليمها واستقلاله وتحييد للتهديدات الخارجية باستخدام القوة العسكرية أو تطويرها لتحقيق الردع".

واعتمدت الدراسة على تقسيم السياسة الدفاعية لأربعة أركان: هي الأبعاد الإستراتيجية والأبعاد التنظيمية والأبعاد المالية والأبعاد الميدانية ورصدت الدراسة أثر العلاقات المدنية – العسكرية على التغير في الأبعاد الأربعة للسياسة الدفاعية الإسرائيلية مع التطبيق على الفترات التي تبعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2001 والعدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006 والعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2008.

وفي سياق دراسة الارتباط النظري بين العلاقات المدنية العسكرية والسياسة الدفاعية، رصدت الدراسة نقدياً النظريات الليبرالية التقليدية في دراسة العلاقات المدنية العسكرية والاتجاهات التوافقية واتجاهات تحليل التدخل السياسي للعسكريين، وقدمت نموذجا بديلا هو تحليل الاندماج السياسي العسكري باعتباره إطارا تفسيريا يضمن الوقوف على التلاقي والتضاد بين مصالح الأطراف المختلفة المشاركة في عملية صنع السياسة الدفاعية ، وهو ما عززته الدراسة بصياغة نموذج نظري من ستة أنماط رئيسية بمؤشرات لقياس لتأثير العلاقات المدنية العسكرية على السياسة الدفاعية في محاولة لتحديد التغير في الحالة الإسرائيلية على هذا المقياس، وتمثلت هذه الأنماط في: السيطرة المدنية والشراكة المدنية العسكرية والشمولية الحزبية والتحكيم العسكري والجيش الحارس والحكم العسكري وأمراء الحرب.

أما  تقسيم الدراسة فقد انطوت على أربعة فصول رئيسية، الأول منها يتناول الإطار النظري لارتباط العلاقات المدنية العسكرية بالسياسة الدفاعية والثاني يركز على محددات العلاقات المدنية العسكرية في إسرائيل ، أما الفصل الثالث فيتناول الأبعاد المؤسسية لصنع السياسة الدفاعية في إسرائيل والفصل الرابع يتناول التغير في العلاقات المدنية العسكرية والسياسة الدفاعية الإسرائيلية.

ثانيا:- الاندماج السياسي العسكري في إسرائيل

كشفت الدراسة عن أن الارتباط بين أنماط العلاقات المدنية العسكرية والسياسة الدفاعية الإسرائيلية يتجاوز النماذج النظرية المتداولة في الأدبيات ليؤسس لنموذج ذي خصوصية واضحة لا يقوم على المقولات الشائعة حول الشراكة المدنية العسكرية المتكافئة أو نموذج "الدولة الحامية" Garrison State، ليرتبط بنموذج الشبكة الأمنية الذي يضمن تحليل التلاقي والتضاد في مصالح الأطراف ، فالمؤسسة العسكرية في إسرائيل تتمتع بمكانة مركزية في عملية صنع السياسة الدفاعية لكنها ليست الفاعل الوحيد أو الأهم وتظل مصالحها ضمن مصالح متعددة متعارضة تنتمي لقوي سياسية واجتماعية قادرة على التأثير على النظام السياسي في ظل آليات للسيطرة المدنية تعمل بكفاءة متفاوتة في كبح جماح النفوذ العسكري.

وفي السياق ذاته، فإن التفاعل بين العلاقات المدنية العسكرية والسياسة الدفاعية ليس خطياً كما تفترض الأدبيات وإنما دائرياً يتضمن تأثيراً متبادلاً، حيث تؤدي التغيرات في أنماط العلاقات المدنية العسكرية إلي تغيرات موازية في السياسة الدفاعية بما يؤدي تدريجياً لإنتاج أنماط جديدة للتفاعلات المدنية العسكرية، و يرتبط هذا النموذج المعقد بالمعضلة الأمنية وعقلية الحصار المسيطرة على المجتمع الإسرائيلي والدور التاريخي للمؤسسة العسكرية في نشأة الدولة وترسيخ بقائها في بيئة إقليمية عدائية .

وفي هذا الصدد يمكن القول أن أدوار الفاعلين في السياسة الدفاعية الإسرائيلية لا تتبع خطوط الانقسام الوظيفي التقليدي بين المدنيين والعسكريين وإنما تحكمها اعتبارات سياسية وميدانية يغلب عليها التداخل وتؤثر فيها عوامل من قبيل العسكرة المتصاعدة للنظام السياسي الإسرائيلي والاندماج السياسي العسكري المتصاعد والانقسامات السياسية نتيجة للاصطفاف الحزبي في صفوف القيادات السياسية والعسكرية على السواء .

بيد أن ذلك لا يعني نفي مركزية دور المؤسسة العسكرية في عملية صنع السياسة الدفاعية الإسرائيلية وهو ما قد يعزي إلي الطابع الاستيطاني الإحلالي المجتمع الإسرائيلي ومنظومة القيم المجتمعية التي تؤسس ثقافة التمييز والعنصرية والعدائية، بالإضافة إلى أن بنية النظام السياسي الإسرائيلي تحمل في طياتها عوامل إضعاف دور المؤسسات المدنية في صنع السياسة الدفاعية نتيجة الانقسامات الحزبية المعقدة والتعددية التي تتوازي مع التصدعات الاجتماعية بما يؤدي لعدم الاستقرار وتسارع معدلات تداول السلطة والتفكك المتتالى للحكومات الائتلافية في مقابل استقرار تنظيم المؤسسة العسكرية وثبات آليات انتقال السلطة في إطارها و الأزمات الهيكلية في النظام السياسي الإسرائيلي المرتبطة بالانتقال من مرحلة الزعامات التاريخية إلى تداول السلطة بين نخب سياسية لا تحظي بثقة المجتمع نتيجة لانتشار الفساد السياسي.

وفي السياق ذاته، تؤثر العسكرة المتصاعدة على التفاعلات بين المؤسسة العسكرية والمؤسسات السياسية وتزيد من قدرة الأخيرة على فرض السيطرة المدنية وتوليد خيارات جديدة خارج نطاق تأثير العسكريين إلا أنها تؤدي لإضعاف النظام الحزبي وشخصنة العملية السياسية وتفكيك المؤسسات المدنية.

ويمكن من ثم اعتبار الحالة الإسرائيلية أقرب إلى اتجاهات تحليل الاندماج المدني العسكري بالنظر إلى غياب الحدود الفاصلة بين المدني والعسكري في الحالة الإسرائيلية وافتقاد العلاقات المدنية العسكرية في إسرائيل لأطر قانونية واضحة تحدد دور المؤسسة العسكرية في النظام السياسي على الرغم من الدور المركزي للمؤسسة العسكرية في تأسيس الدولة وتوطيد أركانها وصهر القوميات المختلفة في إطارها فضلاً عن أدائها لوظائف مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية والتنشئة السياسية والتجنيد السياسي والمجتمعي.

ثالثا: – الأبعاد المؤسسية لصنع السياسة الدفاعية الإسرائيلية

وفيما يتعلق بالأبعاد المؤسسية لصنع السياسة الدفاعية الإسرائيلية فإن العلاقات بين الثالوث السياسي العسكري (رئيس الوزراء ووزير الدفاع ورئيس الأركان) تمثل إلي حد بعيد محوراً لضبط التفاعلات المدنية العسكرية من منظور السلطة وإن كان منصب وزير الدفاع قد صار الحلقة الأضعف نتيجة للعلاقات المباشرة بين رئيس الوزراء والمؤسسة العسكرية والدور المركزي لرئيس الأركان في توجيه المؤسسة العسكرية وهو ما اتضح خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2006.

ويكشف تتبع تطور العلاقات المدنية العسكرية في إسرائيل عن أنها لم تسر على وتيرة واحدة وإن بدت الخلافات بين شاغلي السلطة السياسية والعسكريين السمة الغالبة للعلاقات إلا أن الخلافات لم تتطور في أي حالة إلى درجة الصدام بين الطرفين أو حدوث انقلاب عسكري نتيجة لعلاقات التداخل والشراكة المدنية العسكرية و تتصاعد وتيرة الخلافات بين القيادات السياسية والعسكرية خلال المواجهات العسكرية لاسيما في مراحل بدء أو إنهاء العمليات العسكرية نتيجة للتضارب بين الموائمات السياسية والمعايير الميدانية وأزمات الثقة بين الطرفين التي تنشأ عن المراجعات القضائية والسياسية في حال الإخفاق في تحقيق الأهداف العسكرية.

حيث أن مرجع العلاقات المدنية العسكرية إلي بن جوريون الذي حاول تحييد النفوذ السياسي للعسكريين عبر الجمع بين منصبي رئاسة الوزراء ووزارة الدفاع وتوحيد الجيش الإسرائيلي والانتقائية الحزبية التي اتبعها في انتقاء القيادات العسكرية بيد أن الخلافات بدت السمة السائدة بداية من خلافات رئيس الوزراء موشية شاريت مع وزير الدفاع بنحاس لافون الذي لم يتمكن من السيطرة على المؤسسة العسكرية بما أفضي إلي القيام بعمليات عسكرية  في الدول العربية دون تفويض من مجلس الوزراء فيما عرف بفضيحة لافون ، مروراً بتجاوز وزير الدفاع الإسرائيلي موشية دايان للتفويض السياسي خلال حرب 1967 والوصول لقناة السويس لاعتبارات الملائمة الميدانية والخلافات بين آريئيل شارون حينما كان وزيراً للدفاع مع رئيس الوزراء مناحم بيجن والقيام بعمليات عسكرية واسعة النطاق ضد لبنان عامي 1978 و1982 التي انتهت بمحاصرة بيروت دون تفويض من مجلس الوزراء أو القيادات السياسية وهو نمط تكرر في فترات مختلفة يعبر عن التضاد بين الموائمات السياسية والاعتبارات العسكرية الميدانية.

وفي هذا الصدد ، يتمثل العامل الأهم في تصاعد التأثير السياسي للعسكريين في تصاعد الاندماج المدني العسكري لاسيما مع تصاعد تولي القيادات العسكرية من المتقاعدين للمناصب السياسية التنفيذية والتشريعية واختراقهم للعمل الحزبي وتصاعد الدور المجتمعي والاقتصادي للمؤسسة العسكرية، ويختلف الباحثون حول أثر تصاعد تغلغل العسكريين في النظام السياسي والعمل الحزبي فبينما يراه البعض تعزيزاً للسيطرة المدنية على العسكريين يراه آخرون إضعافاً للهياكل الحزبية وشخصنة للسياسة وتدعيماً للنهج البرجماتي الذي أدي لتلاشي الفروق الإيديولوجية بين الأحزاب.

وبالإضافة إلى تصاعد التأثير السياسي غير المباشر للعسكريين، تمتلك المؤسسة العسكرية آليات للتأثير المباشر أهمها مشاركة القيادات في اجتماعات مجلس الوزراء والسيطرة على تدفق المعلومات العسكرية والأمنية والمشاركة في التفاوض والأنشطة الدبلوماسية والسيطرة على الأبعاد الميدانية للسياسة الدفاعية والقدرة على التأثير على الرأي العام بصورة مباشرة إلا أن السيطرة المدنية تظل المبدأ السائد الذي لا يمكن تجاوزه من جانب العسكريين حتى وإن امتلكوا مصادر متعددة للنفوذ السياسي.

رابعا: – أبعاد التغير في السياسة الدفاعية الإسرائيلية.

شهدت السياسة الدفاعية الإسرائيلية تحولات هيكلية خلال فترة الدراسة كنتاج للتغير في طبيعة التهديدات وتراجع التهديدات النابعة من الصراع مع دول الجوار  كنتاج لنجاح غايات السياسة العسكرية الإسرائيلية في فرض بقاء إسرائيل كأمر واقع على دول الجوار وتثبيت وجودها في المنطقة العربية والحفاظ على اختلال توازن القوى الإقليمي لصالحها. ويبدو أن المحفز الأساسي للتغير في الإستراتيجية الدفاعية هو إدراك العسكريين للتغير في طبيعة التهديدات وإن مشاركة السياسيين في عملية صياغة الإستراتيجية العسكرية بدأت في التراجع منذ انقضاء المرحلة التأسيسية بزعامة بن جوريون وحتى خلال تلك المرحلة ظهر دور القيادات العسكرية وخاصة  يجال ألون وموشي ديان ويعتبر التداخل بين أدوار السياسيين والعسكريين عاملاً مؤثراً في تقليص دور السياسيين في عملية صياغة الإستراتيجية العسكرية على الرغم من اعتبارها أحد أهم اختصاصاتهم وسلطاتهم في صنع السياسة الدفاعية.

و استدعت التغيرات في طبيعة التهديدات لاستحداث أبعاد جديدة في الإستراتيجية العسكرية مثل الردع الدفاعي وتقليص الاعتماد على القوات البرية وهو لم يحقق نجاحاً في مواجهات إسرائيل مع الفصائل الفلسطينية وحزب الله بالإضافة إلى إعادة توظيف إستراتيجية شد الأطراف لاحتواء التهديدات الإقليمية المحتملة وعلى المستوى المالي فإن عبئ الإنفاق الدفاعي على الاقتصاد الإسرائيلي قد تراجع نتيجة لتصاعد حجم الناتج المحلي الإجمالي وتراجع الإنفاق العسكري بصورة نسبية نتيجة للجدل حول ضرورة خفض النفقات والارتقاء بكفاءة الموازنة العسكرية وهو ما يعترضه المعضلة الأمنية وعقلية الحاصر المتجذرة في فكر وسلوك النخبة الإسرائيلية، إلا أن الموازنة العسكرية تم تقليصها في مراحل متعددة على الرغم من اعتراض المؤسسة العسكرية والقيادات العسكرية إلا أن هذه الاعتراضات لم تمنع تطبيق هذه السياسات ومن ثم يمكن القول أن تصاعد وتراجع الإنفاق العسكري يرتبط بالتهديدات الخارجية.

وفي هذا الصدد، أفرز الجدل الداخلي حول تصاعد التأثير السياسي للعسكريين عدة آليات لتحجيم دورهم في النظام السياسي وعملية صنع السياسة الدفاعية لاسيما على أثر نتائج تحقيقات لجنة فينوجراد عقب حرب لبنان الثانية ومن أهم هذه الآليات صياغة تشريع جديد لإطالة الفترة الفاصلة بين إحالة القيادات العسكرية للتقاعد ومشاركتهم في العمل السياسي الحزبي والتنفيذي وتفعيل دور مجلس الأمن القومي لموازنة نفوذ المؤسسة العسكرية في عملية صنع السياسة الدفاعية وتوليد خيارات خارج نطاق مصالح المؤسسة العسكرية في الحفاظ على الموازنة العسكرية فضلاً عن الاتجاهات لتقليص الإنفاق العسكري وترشيده وخصخصة الصناعات الدفاعية.

محمد عبد الله يونس

مقالات ذات صلة