عين على العدو

ديمقراطية بوش للابتزاز فقط

اختار الرئيس الامريكي جورج بوش منبر المنتدي الاقتصادي العالمي في شرم الشيخ لكي يوبخ حلفاءه من الزعماء العرب، ويلقي عليهم محاضرات في الديمقراطية، وحقوق الانسان، ويحثهم علي التعامل مع شعوبهم بكرامة واحترام، الامر الذي أثار العديد من علامات الاستفهام حول الاسباب التي دفعته الي ذلك، وفي مثل هذا التوقيت.


 


فالادارة الامريكية الحالية تخلت عن دمقرطة المنطقة العربية، بناء علي نصائح اسرائيلية، وقررت تقديم الاستقرار في ظل انظمة ديكتاتورية قمعية، علي عدمه في ظل انظمة منتخبة ديمقراطيا. واعترفت كوندوليزا رايس بان امريكا لم تكسب ايا من الاثنين.


 


فالعملية الديمقراطية التي تريدها الولايات المتحدة، والدول الغربية من خلفها، هي تلك التي تنجب انظمة تعترف باسرائيل، وتقبل بممارساتها الدموية والاستيطانية ضد الشعب الفلسطيني في الاراضي المحتلة، وتوقع معاهدات سلام ملزمة، وتضمن تدفق النفط رخيصا الي من يحتاجه في العواصم الغربية.


 


الحماس الامريكي للديمقراطية فتر بعد ان اوصلت صناديق الاقتراع احزابا دينية اسلامية تملك برامج وطنية تعارض الهيمنة الامريكية، وتطالب بإلغاء معاهدات السلام القائمة لعدم جدواها، مثل حركة حماس في فلسطين المحتلة، والاخوان المسلمين في مصر، وقبلهما جبهة الانقاذ في الجزائر.


 


السؤال الذي يطرح نفسه بقوة الآن هو عن الاسباب التي دفعت الرئيس بوش الي انتقاد اقرب حلفائه في المنطقة، وخاصة مصر والمملكة العربية السعودية، عندما غمز من قناة الاولي عندما قال في خطابه في شرم الشيخ حاكم في السلطة ومعارضة في السجون في اشارة واضحة الي ديكتاتورية الرئيس مبارك، والمعارض المصري ايمن نور الذي يقبع خلف القضبان منذ سنوات لأنه تجرأ علي خوض انتخابات الرئاسة في مواجهة الرئيس. وكان واضحا، اي الرئيس بوش، في انتقاده لحليفته الثانية المملكة العربية السعودية عندما طلب اعطاء فرص متساوية للمرأة، وتنويع الاقتصاد وتطويره، اي عدم الاعتماد علي النفط كمصدر وحيد للدخل.


 


بداية، وقبل الاجابة علي هذا السؤال وتفرعاته، يجب التأكيد علي ان مطلب الديمقراطية واحترام حقوق الانسان هو مطلب الغالبية الساحقة من الشعوب العربية التي تكتوي بنيران القمع والارهاب والفساد الحكومي، وان الجهة الابرز التي عرقلت وصول الديمقراطية والحريات الي منطقتنا هي الادارات الامريكية المتعاقبة التي فضلت دائما التعامل مع الديكتاتوريات الحالية.


 


الرئيس بوش استخدم عصا الديمقراطية، وهزها بقوة في وجه الأنظمة العربية الديكتاتورية، لانه يريد ابتزازها، والحصول علي تنازلات اكبر منها، بعد ان تلكأت في الرضوخ المطلق لجميع طلباته دون نقصان، وخاصة مطلبي الضغط علي الفلسطينيين للتنازل عن ثوابتهم والقبول بدولة مؤقتة، بحدود هلامية، ومستوطنات اسرائيلية دائمة، وضخ كميات اكبر من النفط لاغراق الاسواق وبما يؤدي الي تخفيض الاسعار وانقاذ الاقتصاد الامريكي من حالة الكساد التي بدأ يدخلها بقوة، وفتح سفارات لدعم حكومة المالكي الطائفية والمشروع الامريكي في العراق.


 


فمن الواضح ان الرئيس الامريكي يدرك جيدا ان الانظمة العربية الحليفة علي درجة كبيرة من الضعف، ولا تستند الي قاعدة جماهيرية قوية، لانها انظمة غير منتخبة، علاوة علي كونها فاسدة، وتعتمد اعتمادا اساسيا في وجودها واستمرارها علي الدعم الامريكي، ولهذا قرر التركيز علي نقاط ضعفها وهي انتقاد غياب الديمقراطية والحريات الاساسية، وهذا ما فعله في خطابه في شرم الشيخ.


 


الرئيس حسني مبارك شرب حليب السباع للمرة الاولي منذ ما يقرب الثلاثين عاما من بداية حكمه، وقاطع خطاب الرئيس بوش، وقال ان الدول العربية لا يمكن ان تقدم غطاء شرعيا لاي اتفاق سلام لا يحقق السلام المطلوب عربيا. وأوعز لأذرعته الاعلامية الضاربة بشن حملة شرسة ضد الرئيس الامريكي وسياسة بلاده في المنطقة، وتأييده لاسرائيل.


 


التجارب السابقة علمتنا ان معاندة امريكا من قبل الانظمة العربية الحليفة لا تطول، وسرعان ما تنهار، مع اول حملة انتقاد صحافية لديكتاتوريتها، واجراء اتصالات، او تقديم دعوات لجماعات سياسية معارضة. فالرئيس مبارك تراجع في مرات سابقة بمجرد ان جري تقديم مشروع قرار في الكونغرس بتجميد جزء من المساعدات المالية الامريكية لمصر، في المرة الاولي عندما قبل بتسخين التطبيع وبيع الغاز لاسرائيل، واقامة مناطق صناعية مشتركة، والثانية عندما شدد الرقابة علي الحدود مع غزة لمنع عمليات تهريب الاسلحة عبر الانفاق.


 


ولا نعرف كيف ستتصرف القيادة السعودية ازاء انتقادات الرئيس بوش غير المباشرة لها، خاصة تلك المتعلقة باضطهاد المرأة، وتغييبها عن المشاركة في عمليات التنمية وانتهاكات حقوق الانسان واعتقال المعارضين، فهل ستعمل علي ضخ كميات نفط اكبر، وتتجاوب مع الطلبات الامريكية في هذا الخصوص، لان الثلاثمئة الف برميل الاضافية التي قررت ضخها لم تكن كافية، وهل ستقود جهودا جديدة لـ تفعيل مبادرة السلام العربية التي اطلقتها، وحولتها الي مبادرة عربية، بناء علي طلب امريكي. واخيرا هل تدخل بقوة في حلف امريكي لضرب ايران وسورية، وازالة حزب الله وحركة حماس من الخريطة مثلما توعد الرئيس بوش في خطابيه في الكنيست وشرم الشيخ؟


 


من المؤسف ان استخدام الرئيس ورقة الديمقراطية هو شهادة حق اريد بها باطل فهو آخر شخص علي وجه البسيطة يملك الحق في القاء محاضرات علينا في هذا الميدان، فديمقراطيته ادت الي مقتل ما يقرب المليون ونصف المليون شخص في العراق، وتشريد خمسة ملايين آخرين، وتمزيق هذا البلد ووحدته الوطنية واغراقه في حرب طائفية وعمليات تطهير عرقي مقززة بكل المقاييس، هو سيدخل التاريخ ايضا كأول زعيم غربي اقام معتقل العار في غوانتانامو، ومارس رجالاته ابشع انواع التعذيب وانتهاك حقوق الانسان في سجن ابو غريب.


 


فعندما خطب الرئيس بوش في الكنيست مشيدا بدولة اسرائيل، ومتعهدا بدعمها لكي تحتفل بعيد ميلادها المئة والعشرين مطمئنة آمنة، كان يقف علي رماد ضحايا المجازر الاسرائيلية وموجات التطهير العرقي التي مارسها الآباء الصهاينة المؤسسون لهذه الدولة وابناؤهم واحفادهم.


 


العيب ليس في الرئيس بوش، ولا في محاضراته، وانما في الأنظمة العربية التي فرشت له السجاد الاحمر، واستقبلته في عواصمها كضيف محترم، واغدقت عليه المديح والاوسمة. فقد كان عليها ان ترفض استقباله احتجاجا علي خطابه المسيء والمهين، الذي القاه وهو يعلم جيدا ان طائرته ستحط في عواصمهم.


 


الرئيس بوش الذي لم ينتقد توسيع مستوطنة واحدة، ولم يطالب بإزالة حاجز واحد في الضفة الغربية في خطابيه، في القدس المحتلة وشرم الشيخ، قتل العملية السلمية التي قال انه ذاهب من اجل دعمها، وأهان حلفاءه العرب، وقدم ذخيرة وفيرة للمتطرفين الاسلاميين الذين يقول انه يحاربهم دون ان يقصد ذلك حتما، والسؤال الآن هو عما سيفعله هؤلاء الحلفاء لرد هذه الإهانة، والبحث عن البدائل الوطنية الحقة؟


 


لا نعتقد انهم سيفعلون شيئا، وسيبلعون هذه الاهانة مثلما بلعوا غيرها، وسيرسلون المبعوثين الي واشنطن طلبا للصفح ولتقديم عروض بالتعاون الكامل. وسيضيقون الحصار علي المجوعين في قطاع غزة، ويعززون مراقبتهم للحدود، وسيحكمون اغلاق معبر رفح، وسيزيدون كميات النفط المطروحة. هكذا فعلوا دائما في الماضي، ولا يوجد ما يشير الي انهم سيفعلون عكس ذلك الآن. ونأمل ان نكون مخطئين.

مقالات ذات صلة