تقارير أمنية

أسرار الاختراق الصهيوني للفاتيكان وتهويد الكنيسة

 


الإخوة الأعداء.. الآن أصدقاء 


استفز بابا الفاتيكان بندكت السادس عشر بتصريحاته الأخيرة مشاعر ملايين المسلمين في جميع أنحاء العالم حيث انحاز لإسرائيل واليهود في الذكرى الستين للنكبة واغتصاب فلسطين بقوله “أشكر الرب لامتلاك اليهود أرض أجدادهم”. مدافعا عن سياسة الاحتلال الوحشية قائلا “أنها تنبع من حاجة إسرائيل المشروعة إلى الأمن والدفاع”.


لماذا يدافع بابا الفاتيكان عن اليهود..هل ذلك نتيجة اختراق يهودي صهيوني لأهم مؤسسة نصرانية تعتبر المرجعية الدينية لمئات الملايين من المسيحيين؟ وهل نسيت الكنيسة اتهامهم لليهود بقتل المسيح.. ما هي العلاقة الحقيقية بين اليهود والفاتيكان.. العديد من الأسئلة نحاول استيضاح إجابتها من خلال هذا التقرير، وسنبدأ بسرد مراحل تطور العلاقات بين الطرفين.


 


المرحلة الأولى ” العداء “


أحد المحطات المهمة في العلاقة بين اليهود والفاتيكان كانت عام 1904م، حينما قابل الأب الروحي للصهيونية “تيودور هرتزل” البابا بيوس العاشر، وشرح له أهداف الحركة الصهيونية في محاولة للحصول على دعمه المعنوي، ولكن رد البابا جاء على النقيض تماما مع الفكرة، وقال: “اليهود لم يعترفوا بسيدنا المسيح، ولذلك لا نستطيع أن نعترف بالشعب اليهودي”.


وفي عام 1922م وجه الفاتيكان مذكرة رسمية لعصبة الأمم المتحدة انتقد فيها فكرة إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وفي عام 1943م أرسل الفاتيكان مذكرة إلى الحكومة الأمريكية عبّر فيها عن معارضته لإنشاء دولة يهودية في فلسطين، وبعدها بعام ( 1944) أرسل الفاتيكان مبعوثاً خاصاً للولايات المتحدة محذرا من مغبة خضوع الغرب للمطالب الصهيونية.


واستمرت معارضة الفاتيكان من وعد بلفور بإقامة دولة لليهود على أرض فلسطين، وظل على موقفه هذا حتى تأسيس إسرائيل عام 1948م، وذلك من منطلق الخوف على مستقبل النفوذ النصراني لحساب اليهود، وهو ما أشار إليه البابا “بندكتوس الخامس عشر” عام 1921م، حيث قال: “إن حال النصارى في فلسطين لم يتحسن، بل ازداد سوءاً، ولا يسعنا من ثم إلا التنديد بمحاولة إبعاد النصرانية عن مواقعها ليحل مكانها اليهود”.


خلال الفترة من 1947-1949م طالب الفاتيكان في عدة مناسبات مطالب تصنف على أنها “متعاطفة” مع الموقف العربي، وظل الفاتيكان يرفض طوال عهد البابا “بيوس الثاني” الضغوط الدولية التي مارستها الدول الغربية لتغيير موقفه من الصهيونية والاعتراف بالكيان الصهيوني.


 


المرحلة الثانية ” الحياد”


مع وفاة بيوس الثاني عشر عام 1958م، استغل الصهاينة وفاته وعدم قدرته الدفاع عن نفسه بأن حملوه مسئولية ما حدث لهم على يد النازية، ليبدأ التحول والانقلاب الخطير في موقف الفاتيكان والكاثوليكية تجاه اليهود وإسرائيل.


بعد عام 1958م، بدأت تظهر إلى حيز الوجود الدعوات للحوار بين النصرانية واليهودية، وصدرت كتب بهذا الخصوص، كما عقدت لذلك العديد من الندوات، وعاد التركيز على ضرورة التلاحم بين العهدين القديم والجديد.


 


المرحلة الثالثة “شعور الفاتيكان بالذنب تجاه اليهود “


بدأت مع “تبرئة اليهود من دم المسيح” والذي يعد الحدث الأهم في العلاقة بين اليهود والفاتيكان ، فبعد دعوة البابا يوحنا الثالث والعشرين لعقد المجمع المسكوني الثاني خلال الفترة من 1962 ـ 1965م تحت عنوان “العلاقات بين الكنيسة وغير النصارى “، حيث تمكن أحد الكرادلة الألمانيين من وضع فصل خاص باليهود على جدول الأعمال يتعلق بالمطالبة بإعفاء اليهود وتبرئتهم من مسئولية صلب المسيح التي يعتقدها النصارى.


وبعد الكثير من الضغوط والمناورات نجح اليهود في 28 نوفمبر 1965م في استصدار وثيقة التبرئة من الفاتيكان في ختام دورات المجمع، وأعلن البابا “بولس السادس” قرار التبرئة.


وبعد صدور هذه الوثيقة التي تُعد الأخطر في انقلاب الموقف النصراني تجاه اليهود، تسارعت الانهيارات في موقف الكنيسة الكاثوليكية بشكل كبير.


 


المرحلة الرابعة ” الدعم والمساندة”


في ديسمبر 1969 تكرر “وعد بلفور” الشهير مرة أخرى ولكن بصبغة كاثوليكية هذه المرة من خلال الإعلان الرسمي بان إسرائيل دولة اليهود” حين أذاع الكاردينال “لورنس شيهان” رئيس أساقفة بالتيمور في نيويورك وثيقة أقرها الفاتيكان عن العلاقات اليهودية ـ الكاثوليكية نصت على أن الكاثوليك عليهم أن يعترفوا بالمعنى الديني لدولة “إسرائيل” بالنسبة لليهود، وأن يفهموا ويحترموا صلة اليهود بتلك الأرض، مع الدعوة إلى تأسيس علاقات أوثق بين الكاثوليك واليهود.


وفي عام 1973م أصدرت اللجنة الأسقفية الفرنسية للعلاقات مع اليهود ما أطلق عليه “وعد بلفور الكاثوليكي” والذي نص على أن “ضمير المجموعة العالمية لا يستطيع أن يرفض للشعب اليهودي الحق والوسائل من أجل وجود سياسي بين الأمم”.


وفي عام 1982م أعلن الفاتيكان اعترافه بدولة إسرائيل كـ “حق” وليس كـ “أمر واقع”.


وفي عام 1985م أصدر الفاتيكان كتاباً حمل عنوان “ملاحظات لتقديم أفضل لليهود واليهودية”، كوثيقة تحث النصارى على استئصال ما أسماه الكتاب بـ”رواسب العداء للسامية” القائم في نفوس النصارى الكاثوليك، من خلال التذكير بأن المسيح “عبراني” وسيكون كذلك دائماً، داعية العالم لفهم تمسك اليهود الديني بأرض أسلافهم.


وفي عام 1986م زار البابا الكنيس اليهودي في روما كبادرة على صدق النوايا نحو اليهود، وفي 1991م صرّح البابا في البرازيل بأنـه يصلي كي يتمكن من وصفهم بـ “إخوتنا اليهود” من العيش بسلام في أرض آبائهم.


وفي 1992م أعلن الفاتيكان عن تأليف لجنة عمل ثنائية دائمة تلتقي دورياً من أجل جعل العلاقات طبيعية بين إسرائيل والفاتيكان، ووصف وزير خارجية الفاتيكان في حينه هذه الخطوة بأنها تشكل نقلة نوعية في تاريخ العلاقات بين الجانبين.


وبعد توقيع اتفاقية أوسلو في سبتمبر 1993م استغل الفاتيكان ذلك ووقع في 30- 12- 1993م وثيقة الاعتراف والتبادل الدبلوماسي مع إسرائيل.


وفي شهر أبريل 1997م صرح البابا “بولس حنا” في حديثه أمام مجمع العقيدة للتوراة “بأن النصراني يجب أن يعلم أنه بانتمائه إلى المسيح أصبح من أحفاد إبراهيم، واندمج في شعب إسرائيل، ويضيف أنه إذا أدرك النصارى أن المسيح كان ابناً حقيقياً لإسرائيل، فإنهم لن يقبلوا بعد ذلك أن يضطهد اليهود أو تُساء معاملتهم”!!. ثم أصدرالفاتيكان وثيقة الاعتراف بالذنب وطلب الصفح والمغفرة من اليهود عن موقفه أثناء المذابح النازية.


 


تهويد الكنيسة


من العرض السابق لمسلسل الانهيارات في موقف الفاتيكان والكنيسة الكاثوليكية تجاه اليهود وإسرائيل، يتضح حجم النجاح الكبير الذي حققه اليهود في “تهويد الكنيسة” الكاثوليكية التي يرى الكثير أنها تخلت عن معتقداتها ومفاهيمها الأساسية الدينية تجاه اليهود بفعل الخطط اليهودية والضغوط الغربية.


ووصل الاختراق اليهودي للفاتيكان إلى أن امتلأت وثيقـة اعتذار وتوبة الفاتيكان مـن المحرقة النازية بعبارات التذلل والتزلف والتباكي على معاناة اليهود أثناء الحقبة النازية، ومازالت تثير الكثير من الجدل وردود الفعل، البعض هاجمها واعتبرها خطوة جديدة نحو المزيد من تهويد الكنيسة وتقديم الدعم لإسرائيل، في حين حاول البعض من أتباع الكنيسة الكاثوليكية تبريرها ولكن دون جدوى.


 


“البابا الثاني لليهود”


في أغسطس 2005 أثبت البابا بنيديكت الـ 16 أنه يسير على خطى سلفه في التقرب من اليهود، حيث دخل للمرة الأولى في تاريخ البابوية معبدا يهوديا داخل ألمانيا ـ معقل النازية ـ ولم تكن مصادفة أن ذلك اليوم كان يوم إحياء ذكرى مقتل يهود مدينة كولونيا في فترة النازي.


وأطلق الإعلام الألماني حينئذ على بنديكت لقب “البابا الثاني لليهود”. فقد وصف يوحنا بأنه بابا اليهود بسبب تعاطفه معهم وكذلك بنديكت.


وعادت العلاقات الكاثوليكية اليهودية للتوتر مجددا في فبراير الماضي، عندما نشر الفاتيكان صلاة جديدة لقداس الجمعة الحزينة في الشعيرة اللاتينية القديمة التي تدعو إلى تحول اليهود، والتي تقول: “اللهم سلّم اليهود من ظلامهم واجعل لهم دليلا في عماهم”.


وأصدر الفاتيكان بيانا قال: “أن النص لا يهدف بأي حال للإشارة إلى تغيير في احترام الكنيسة الكاثوليكية لليهود، وأن علاقات الكنيسة مع اليهود لا تزال تستند إلى البيان التاريخي لمجمع الفاتيكان الثاني عام 1965 الذي نبذ مفهوم المسئولية الجماعية لليهود عن دم المسيح ودشن حوارا معهم”.


محيط ـ أبو بكر خلاف

مقالات ذات صلة