تقارير أمنية

كيف حسمت المقاومة المعركة الأمنية خلال حجارة السجيل؟

المجد- وكالات

شكل العدوان الأخير على قطاع غزة صدمة ومفاجأة كبيرة للدولة العبرية، ليس من حيث الاستعدادات العسكرية والتقنيات الحديثة التي تملكها المقاومة فحسب، وإنما من الأداء الأمني للجهات الرسمية والتنظيمية التي عملت على حماية خطوط المقاومة الخلفية.

هذا الأداء الأمني خلال العدوان الذي استمر ثمانية أيام، كان أحد العوامل التي حسمت المعركة لصالح المقاومة الفلسطينية -بحسب ما يراه مراقبون-.

ويقول قيادي أمني رفيع في حركة حماس، رفض الكشف عن هويته: "إننا نجحنا بشكل كبير في محاصرة العملاء وأصحاب الطابور الخامس من المثرثرين والمثبطين، في تكامل نوعي بين العمل المقاوم ورديفه الأمني في الميدان".

وأشار إلى أن الجهاز الأمني لحركته "سجل انتصارًا جديدًا وكبيرًا على أجهزة أمن الاحتلال، وعلى رأسه جهاز الشاباك، في ظل تكامل العمل جنبا إلى جنب؛ لحماية الخطوط الخلفية للمقاومة من الاختراق والمتابعة".

بنك أهداف قديم

وأضاف: "أبدعنا بمشاركة الأجهزة الأمنية الرسمية، وبمساهمة من أبناء شعبنا في تضليل وحجب المعلومات عن أجهزة استخبارات العدو؛ ما قطع التواصل بين رجال المخابرات الصهيونية وعملائهم في الميدان".

وأشار إلى أن ما "يفسر ذلك هو بنك الأهداف القديم الذي تم ضربه من قبل الجيش الصهيوني خلال العدوان الجديد، فقد عجزت أجهزة الأمن الصهيونية كما اعترف قادتها عن تجديد بنك معلوماتها ومتابعة تحركات رجال المقاومة، وتحديد أماكن إطلاق الصواريخ على الأرض؛ لأن أجهزة المقاومة ضللت ولاحقت العملاء في كل مكان".

وشدد على أن "المعركة حتمت علينا التحرك بشكل عاجل لحماية الجبهة الداخلية بشكل صارم ومدروس، بما يحفظ الخطوط الداخلية والخلفية للمقاومة، فكان سهر الرجال والمتابعة على مدار الساعة؛ ما حد من تحرك العملاء وجعل أجهزة الاحتلال تعيش في تخبط حقيقي".

ومن الإنجازات التي تؤكد أن "الأجهزة الاستخباراتية" الخاصة بالفصائل الفلسطينية قد بلغت مستويات غير مسبوقة، تمكن المقاومة من إرسال رسائل تهديد إلى مئات من الضباط والجنود الصهاينة خلال العدوان الأخير.

هذه الرسائل حذرت الجنود من مغبة دخول "جحيم غزة"؛ لتصاب القيادة الصهيونية بالذهول، إذ حاول الناطقون باسم جيش الاحتلال التخفيف من قيمة هذا الإنجاز، عبر ادعائهم أن البيانات التي حصلت عليها المقاومة "قديمة"، وتعود إلى عام 2008، فردت المقاومة بعد العدوان بنشر بيانات الجنود وعشرات الوثائق العسكرية السرية الصهيونية، وجميع تواريخها تعود إلى هذه السنة.

حماية ظهر المقاومة

وأوضح الناطق باسم وزارة الداخلية والأمن الوطني الرائد إسلام شهوان أن مهمة الأجهزة الأمنية الرسمية توزعت على مَهمتين أساسيتين؛ هما: حماية الجبهة الداخلية من الاختراق، وحماية ظهر المقاومة لتعمل بأريحية في مواجهة الاحتلال.

وقال شهوان: "كان يعنينا بدرجة أولى تأمين المواطن، وألا يتأثر بالحرب النفسية التي تشنها مخابرات الاحتلال من خلال الاتصال على الهواتف، وإلقاء المناشير التي تخوف وتهدد، والاتصال على أرقام عشوائية، ودعوة المواطنين إلى إخلاء المنازل".

وأضاف: "عملنا بقوة لحماية ظهر المقاومة، وذلك بالتعامل مع ظاهرة العملاء، من خلال الاعتقال أو التحفظ على بعضهم، أو منع البعض من الخروج من بيوتهم؛ لئلا يكونوا عرضة للاستغلال أو الاستهداف، كانت معركة أمنية وصراع أدمغة حقيقياً".

وبين أنه "كان هناك تواصل مع أذرع الفصائل العسكرية، وإن لم يكن بالشكل المطلوب، تعاونا في تسليم بعض المشبوهين أمنيا الذين تقبض عليهم المقاومة، تسليم ملفات بأسماء مشبوهين، ويتم التعاطي معها".

متعاونون عرب

وبحسب شهوان، برزت أهمية متابعة ملف العملاء من خلال ما لمسناه من تخبط الاحتلال في ضرب أهداف مدنية، واعتراف قادة العدو بانقطاع التواصل مع عملائهم على الأرض وشح المعلومات الأمنية.

وإلى جانب هذه المعركة، كانت تدور معركة أمنية إلكترونية صهيونية، وأخرى مضادة، يقول شهوان: "حرصنا على ألا تستغل المخابرات أو العملاء الوسائل الإلكترونية كالإنترنت لبث الحرب النفسية".

وتابع: "حذرنا المواطنين من عدم التعاطي مع أرقام انترنت غريبة، والحذر في التعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة أننا وجدنا تفاعلا كثيفا على صفحة الناطق باسم الجيش الصهيوني".

وأشار إلى أنه تم تحذير المواطنين كذلك من "صفحات مشبوهة تحمل أسماء مستعارة، لكن الذي يديرها رجال مخابرات صهاينة، استخدمنا حملة مضادة على الشبكات نفسها، فيسبوك وتويتر ويوتيوب وغيرها، وكان لدينا أخوة معاونون لنا في دول عربية أخرى".

تطور تقني وفني

كما استعانت الأجهزة الأمنية في غزة لأول مرة بمترجمين باللغتين العبرية والإنجليزية؛ لإحباط كل المحاولات الصهيونية لاختراق الشباب الفلسطيني إلكترونيا، وقال شهوان: "كنا في دائرة المتابعة نتابع عددا كبيرا من صفحات التواصل الاجتماعي، وما ينشر عليها بعدة لغات، وكنا نتواصل مع من يدير هذه الصفحات وتتم مراجعته".

ولفت إلى أن الأجهزة الأمنية وجدت معلومات فضولية تثار على تلك المواقع، وتم استهداف بعض الأماكن بناء على هذه المعلومات التي نشرت على مواقع التواصل، وقال: "رصدنا حربا نفسية باللغة الفارسية وبالإنجليزية والفرنسية والعربية، كنا في معركة أمنية متعددة الزوايا".

واستخدم الأمن في غزة التكنولوجيا الحديثة في إدارة المعركة، رغم قلة الإمكانات، واستطاع توفير أجهزة بديلة تسد مكان الإنترنت والكهرباء في حال قطع الاحتلال التيار والاتصال بالإنترنت، وقال شهوان: "أدرنا هذا الأمر بحكمة، وكنا جاهزين لأي طارئ، حتى نفضح العدو أمام عين العالم كله حتى يشهد العالم الجريمة الصهيونية".

عمل تحت القصف

وعن مكان العمل الذي كانت الأجهزة تدير من خلاله هذه المعركة، أوضح الناطق باسم الداخلية أن "المقرات كانت مخلاة من اللحظة الأولى؛ لقناعتنا أن العدو يدبر لغدر ما، كانت هناك أماكن بديلة، لكن معظم التواصل كان يتم ميدانيا خاصة في موضوع العملاء".

وأضاف: "كان بعض العمل يتم بأماكن بديلة، مجهزة بالكهرباء والإنترنت، وكنا عبارة عن خلية، والغرفة المركزية كانت على تواصل مع بقية الأجهزة في الميدان، وفي أماكنها البديلة، وتمدها بكل ما هو جديد من معلومات، حول أي من المواضيع الأمنية موضوع الحرب".

والاستفادة من تجربة حرب 2008/2009 كانت كبيرة جدا -كما يقول شهوان- ويضيف: "كان هناك ضعف في الأداء الإعلامي والميداني العملياتي في حرب الفرقان، تم استخلاص العبر، وعقدت منذ تلك اللحظة العديد من ورش العمل الأمنية، وأعددنا خططا، وجمعت هذه الخطط، ونفذنا عليها مناورات ميدانية دون أن نفصح عن ذلك".

ويوضح أنه "بناء على تلك الدراسات، تم تشكيل دوائر جديدة في الوزارة، منها دائرة التوعية الأمنية ودائرة حماية الجبهة الداخلية خلال الحرب، وهذه الدائرة بالتحديد عملت في الحرب من خلال 70 شخصًا موزعين للعمل على مواقع التواصل ورسائل الموبايل، والرسومات الهزلية ورصد الصحافة العبرية والإشراف على الموقع الإلكتروني، والاهتمام بالإذاعات المحلية، وغير ذلك".

وقال شهوان: "رغم قلة الإمكانات، فإننا في اليوم الخامس للحرب سجلنا انتصارًا إعلاميًا كبيرًا على الاحتلال، لمسنا تراجعًا صهيونياً، الاحتلال كان يحاول استغلال أي ثغرة، لكننا كنا نسد هذه الثغرات أولا بأول؛ من خلال تتبعنا لكل ما يصدر عن الاحتلال".

ورغم هذه النجاحات، دعا شهوان أبناء الشعب الفلسطيني وأجهزته الأمنية إلى "عدم التراخي وعدم كشف الأسرار العسكرية من باب التباهي وأماكن إطلاق الصواريخ ومن قام بإطلاقها"، وأكد "أهمية التحلي بالكتمان والسرية التامة؛ لأن الاحتلال ترهبه المفاجأة في الميدان".

الحاجة إلى التطوير

وكان مسؤول أمني كبير في "كتائب القسام" -الجناح العسكري لحركة حماس- قد أكد في تصريحات صحفية سابقة أن "المقاومة لديها من العقول والخبرات ما يضاهي قدرات ضباط استخبارات العدو الصهيوني بفضل الله، لكن ينقصها بعض الوسائل والأدوات التقنية".

وأشار إلى "أننا أجرينا تقييما لأدائنا، ولم تخرج النتائج النهائية بعد، لكن جهات التقييم تؤكد أن الأداء كان مميزا".

وأضاف: "بموازاة ذلك نحن نعد العدة لمعركة أشرس، فنحن ندرك أن حربنا مع الكيان الصهيوني في الأساس حرب استخباراتية بالدرجة الأولى، وسنُري اللهَ وأمتنا وشعبنا منا خيراً في أي مواجهة مقبلة".

يشار إلى أن القدرة الاستخبارية للاحتلال أصيبت بضربةٍ قويةٍ عندما سقطت الأجهزة الأمنية الفلسطينية السابقة في غزة إبَّان أحداث يونيو حزيران 2007، بعد أن كانت تستُغل بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ كأكبر مزوِّدٍ ومُسهِّل لتدفق المعلومات إلى الاحتلال؛ عبر التنسيق الأمني المتفق عليه في "أوسلو".

ولم تتوقَّف بعد ذلك محاولات الاحتلال الاستفادة من الشبكات القائمة، أو محاولة تجنيد شبكاتٍ جديدةٍ وبوسائلَ مبتكرةٍ، مستفيدًا من إمكانية الالتقاء بالشبكات التي يجندها خلال التوغلات أو التنقل عبر المعابر، خاصة التجاريةً إلى جانب معبر بيت حانون.

وتبقى حرب الأدمغة أحد أبرز أشكال الصراع الخفي بين المقاومة والاحتلال الصهيوني، وعليها تترتب نجاحات الحرب المباشرة أو فشلها.

قدس برس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى