عين على العدو

الدولة وخيبة الأمل

 


عادت القيادة الفلسطينية من مقابلة الراعي الأمريكي بخيبة أمل من الوعد الذي قطعه على نفسه بإقامة دولة فلسطينية، قبل نهاية عهده.


 


ومعروف أصلاً أن الراعي الأمريكي لن ينجز أي وعد فيه مصلحة حقيقية للشعب الفلسطيني، ومع أن الوعد الذي قطعه الراعي الأمريكي على نفسه بإقامة دولة فلسطينية قبل نهاية العام هو مجرد فقاعة لتجميل الصورة باعتباره راعي سلام، وهو المعروف بأنه راعي الحرب.


 


مع أن الدولة الفلسطينية التي وعد بها – إن أنجز وعده – لن تكون اكثر من كيان مسخ، وهش، ومقطع الأوصال، ومسلوب الإرادة والحرية والكرامة تحت صلف الكيان الصهيوني وغطرسته وجبروته وآليات احتلاله وقمعه وتنكيله.


 


ربما كانت القيادة الفلسطينية تتصور أن أي دولة فلسطينية مهما كانت مسخاً أو هشة أو حتى مسلوبة الإرداة والحرية والكرامة، هي أفضل نسبياً من الوضع الراهن الذي يشهد احتلالاً وقمعاً وتنكيلاً وحصاراً وتجويعاً وحرقاً، وقد يتمثل فيه قدر من الانفتاح الذي يخفف من وطأة معاناة الشعب الفلسطيني.


 


كان من الممكن للراعي الأمريكي، أن ينجز وعده المرهون بالإرادة الصهيونية، والمؤطر ضمن رؤيتها بإقامة دولة فلسطينية هشة ليس لها من أساسيات الدولة غير اسم الدولة، وأن يدشن احتفالاً رسمياً كبيراً يحضره ويحضره حلفاؤه، ويعتبر نفسه رائداً من رواد صنع السلام في التاريخ العربي والعالمي، ويقدم للفلسطينيين بعض الفتات، ويبقي عليهم أسرى تحت هيمنة الاحتلال الصهيوني الذي يجثم على الكيان الهش، ويخضعه لإرادته ومشيئته وهواه، ولكن يبدو أن الراعي الأمريكي محكوماً بتوجهه، ومحكوماً بالإرداة والرؤية الصهيونية، لم يستطع أن يسير في طريق إنجاز الوعد لأنه يعتقد أن الفلسطينيين لا يستحقون أي كيان، حتى لدولة مسخ أو هشة، لأن ذلك قد يفتح الآفاق لمطلب أبعد مدى.


 


ما الذي جناه الفلسطينيون من الراعي الأمريكي، وما الذي جنته الأقطار العربية؟ إن الراعي الأمريكي ينجز وعده حينما يكون حرباً على قطر عربي، أو محاسبة لقطر عربي آخر، ولكنه لا ينجز أي وعد فيه مصلحة حقيقية للشعب الفلسطيني. أو الشعب العربي في أي قطر من أقطاره، حتى الأقطار الغنية بمواردها النفطية والتي يستفيد الراعي الأمريكي من مواردها، ويعتبرها صديقة وحليفة، لم يقدم لها الراعي الأمريكي أي برنامج تنموي فعلي يجعلها أقدر على الاستفادة بمواردها بدلاً من ان تكون نظرته إليها نظرة استنزاف للموارد.


 


ولم يتردد في وقت من الأوقات، من منظوره الخاص بمحاربة الارهاب، أن يلوح بمسألة تغيير الأنظمة، وأن يستغل ورقة الديمقراطية للعبث بهذه الأقطار، وإخضاعها لمزيد من الضغط والهيمنة. ولولا الفشل الذي مني به في سياساته في العراق وفلسطين ولبنان.. لاستمر في التلويح بالقوة.


 


إن أي متابع عربي يدرك دون حاجة الى برهان.. أن الإدارة الأمريكية.. تضع حلفها الاستراتيجي مع الكيان الصهيوني فوق كل اعتبار وربما تجاوز الاعتبار لمصالح الكيان الصهيوني، مستوى الاعتبار للمصالح الأمريكية، وفي مثل هذا الوضع لا ينتظر من الإدارة الأمريكية أن تراعي أي اعتبار للمصالح العربية، وبالطبع لن تراعي أي اعتبار للمصالح الفلسطينية.


 


ان جوهر القضية يتحمور حول القطب الأعظم الذي بات يعيث حيث يشاء فوق اعتبارات القانون الدولي ولا يعير لهذا القانون أي اعتبار إن تضارب مع مصالحه. والمحيط العربي والإسلامي، أصبح مسرح عبث لهذا القطب الأعظم. والمحيط الفلسطيني، أصبح مسرح استباحة لترسانة هذا القطب الأعظم، وربما كان هناك من الفلسطينيين والعرب من هو مقتنع أن الراعي الأمريكي هو وحده القادر على صنع شيء، وأن مواجهته أو مجابهته أو مقاومته لن تجدي فتيلاً. ولذلك فمن الأفضل السير في ركابه، والقبول بأي شيء يقدمه.. واعتبار ذلك إنجازاً يستحق الاحتفاء.


 


إن الراعي الأمريكي، الذي تراجع، كما يبدو حتى عن وعد قاصر، ووعد يقضم أرض الفلسطينيين، ويسقط الكثير من حقوقهم الأساسية، جعل حتى الذين سلموا له كل اوراق القضية، وقبلوا بكل شروطه وإملاءاته يشعرون بخيبة الأمل. فما الذي يشعر به الذين لم يسلموا له أوراقهم، ولم يقبلوا بشروطه واملاءاته وتشبثوا بحق المقاومة وإن كان باهظ التكاليف.


 


هذا الراعي الأمريكي الذي يحضر الاحتفال بمرور ستين سنة على تأسيس الكيان الصهيوني، يحضر احتفالاً بمرور ستين سنة على نكبة العرب الأولى، وهو يعرف أنه لن يحضر الاحتفال بتأسيس دولة فلسطينية، مهما كانت هشة أو مستباحة، لأن وعده بمثل هذه الدولة، قد ذهب أدراج الرياح، وربما ذهب أدراج الرياح منذ اللحظة التي أصدر فيها هذا الوعد وهو وعد كاذب ولم تكن فيه أي نكهة صدق.


 


إن المقاومة ضد المحتل حق مشروع يجب مساندته ومؤازرته، ويبقى الراعي الأمريكي راعي حرب واستنزاف للموارد العربية والعبث بمصالحها، وفرض الاملاءات والشروط عليها، وهي إملاءات وشروط صهيونية، ويبقى الكيان الصهيوني، مهما طال الأمد، ومهما لقي من المساندة والمؤازرة الأمريكية، عدواً لا يمكن الركون اليه، ويجب التصدي له بكل الوسائل، وإذا كان الظرف التاريخي الراهن غير مؤازر ولا مساند، فالتاريخ طويل، وليس مجرد لحظات عابرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى