عين على العدو

لا تهدئة ولا ضربة قاصمة: سيناريو ثالث!!

 


 


ضدان: إما تهدئة وإما ضربة عسكرية ماحقة ستلحق بحماس ومشروعها، وحول هذه وتلك، يحاول الساسة والمحللون أن يرسموا مسارات السيناريوهات المحتملة لجدلية الصراع القائم بين حماس وإسرائيل، وكثيرة هي الدوافع والتصورات التي تغذي هذه التوقعات والفرضيات، أبرزها قناعات واثقة من منطلقاتها، تقول: بأن الوضع لا يحتمل التأخير، وأن الجميع متحفز للانقضاض بعد أن انعدمت الخيارات.


 


الوقت للاستدراج والإحراج


الانحصار في الزاوية واستعجال الحل بتجريب كافة المتاح ولو بخلق أزمة تزيل سابقتها، واقع لا ينطبق على إسرائيل، وإن كانت تعاني أزمات مركبة، فهي وداعمتها واشنطن لديهما من الوقت ما يكفى للصبر حتى آخر ما تبقى من بقايا مخططات سعت ولا زالت لتشكيك حماس بجدوى بقائها في دائرة الفعل السياسي قبل تدمير قوتها العسكرية، بخلاف حركة تكتوي كبدا وهي تسعى لإيجاد الحلول المقنعة والسريعة لشعب لم يعد يحتمل السير في ظلام لا يؤمل من بعده نور.


 


عنصر الوقت هو العامل المحدد في تفسير مستقبل مواقف طرفي الصراع، وللوقت هنا بعدان: مدى القدرة على الاحتمال، وسمة الظرف الإقليمي والدولي المحيط كبيئة مؤثرة على مجريات الصراع، واليقين أن الجيتو الغزي دون غيره يصارع مشنقته لالتقاط أنفاس الحياة، أما محيطه فهو في سكونية مقصودة بعد أن أرادوا لمصر بأن تستفرد في الشأن الفلسطيني وارتباطاته الإسرائيلية، وحكم على الأخريات العربية استقبال بوش بعد احتفاله بنكبتنا للتباحث دون الاقتراب من القضية التي كانت مركزية، وتركت حماس بعمق مصري أمني لا عربي إسلامي.


 


وما دام الوقت ببعديه مريحا للسلوك الإسرائيلي، فما زالت الحظوظ قائمة وبأدوات عربية لإلقاء حماس في وجه شعبها، كعاجزة عن إزاحة معاناته، بعد دق الأسافين وضرب الثقة بمؤسساتها وقياداتها وإظهارها كالصبي الذي يصدق كل ما يسمع ولا يحسن التصرف، وحكاية معبر رفح في أيام فتحه الثلاثة، أبانت لؤما يخدم هذا الاتجاه، فقد كانت مصر قادرة على إدخال أعداد كبيرة من العالقين على الجانبين في ساعات معدودة، لكنها تعاملت بانتقائية وتباطؤ متعمد بل وبإذلال، وأبقت لحماس (سواد الوجه) ولشرطتها تنفيذ أوامر الضابط المصري، وتحمل تبعات أخطائه المبيتة، ومواجهة الجمهور الفلسطيني الغاضب، تساوق هذا مع إرجاء الوعود والمواعيد مع قادة حماس بخصوص المبادرة المصرية للتهدئة، مع التلويح بأمل غامض يحمل فرجا قريبا!!، لا تستطيع معه حماس أن تعلن طلاقها من مبادرة عمر سليمان، وإلا فستكون أجهضت (خيرا كثيرا !!).



تصورات ومنطلقات


التهدئة مرفوضة: الإسرائيليون استرسلوا في تعداد مخاطر منح حماس مساحة للتنفس كما تتمنى، وأشاروا إلى أن الثمن الذي تطلبه حماس لوقف الصواريخ أكبر من الثمن المدفوع، فهي تريد إنهاء الحصار وفتح المعبر وبالتالي تقوية شوكتها والانفتاح على العالم، مقابل وقف إطلاق الصواريخ فقط، وهذا ما لم ولن تقبله إسرائيل.


 


الضربة مضرة: يمكن الاعتماد على الضغط المتزايد بمساعدة مصر لمنع حماس من إطلاق الصواريخ بالنوعية والكثافة ذات التأثر الواسع على الرأي العام الإسرائيلي، بعيدا عن الولوج في عملية عسكرية واسعة تودي بخسائر متبادلة، ولا تفضي إلى مشهد سياسي في القطاع يستثني حماس، وقد لا تمنع استمرار تهديد الصواريخ(عملية غير مأمونة النتائج)، في مرحلة ترنو فيها تل أبيب لإثبات هيبتها أمام إيران وسوريا، كما أن إسرائيل ومعها أمريكا يخشيان بإسالة الدماء الفلسطينية بغزارة، تبديد الإجماع أو شبه الإجماع الرسمي العربي المتقاطع معهما حول إيران وحزب الله، ويخشيان كذلك من انهيار السلطة الفلسطينية في رام الله تحت تأثير السخط والامتعاض الشعبي الذي قد يعم مدن وقرى الضفة متأثرا بما يمكن أن يحدث في القطاع.


 


“إن التعاطي مع حماس ينحصر في أحد أمرين: الحرب ثم التهدئة أو التهدئة ثم الحرب، وهكذا” هذا التصريح لوزير الدفاع الإسرائيلي باراك، يؤكد بأن إسرائيل أدركت أن لا مناص من التعامل مع حماس كأمر واقع، ووطنت نفسها على تكتيك الصولات والجولات، بلا وثوق في ضربة قاصمة وقاضية، وبما أن الاحتكام إلى الحوار غير المباشر هو النتيجة(التهدئة)، فإن إسرائيل ولما أوردنا فهي تميل إلى الحيلولة دون احتدام المواجهة بشكل صارخ وغير مسبوق، في وقت يخدم الهدوء النسبي مخططاتها، وتفرغها لأي مواجهة إقليمية.


 


وما قيل عن محاولة إسرائيلية فاشلة لاغتيال شخصية بارزة في حزب الله، كانت إسرائيل تستعد لتبعاتها العابرة للحدود اللبنانية، يشي بأن إسرائيل ترغب في الذهاب إلى مواجهة إقليمية دون التحرش بحماس، ويضعف التحليل الذي يقول  بأن التخلص من حماس يسبق الحرب خارج الحدود، وكعادة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية فإنها تنأى عن الدخول في معارك حاسمة مع غياب التأييد العام (الرسمي والشعبي) لذلك، وفي حالة حماس، صدرت دعوات لقادة إسرائيليين مؤثرين تحذر من الإقدام على عملية عسكرية واسعة في القطاع، والإجماع ما زال معقودا على جدية التهديد الإيراني وامتداده اللبناني وبينهما سوريا.


 


ولحماس قول وعليه رد..


لا يستقيم التحليل بتغييب فعل حماس وقدرتها على قلب الطاولة وانتهاج خيار شمشون (علي وعلى أعدائي)، لكنه يبقى خيارا أخيرا ومقيدا، فحماس لديها صراع وشعب، وملزمة بإدارتهما وضمان عدم إضرار أحدهما بالآخر، فيسود صراع (إقدام إحجام) (ومراجعات هموم ومصائر) عند التفكير في حرق السفن، وهذا مدخل تستغله الأطراف المعنية، وشاهد ذلك، قدرة عمر سليمان رغم مماطلاته وتسويفاته على تحديث إقناع قادة الفصائل الفلسطينية بإمكانية تحقيق التهدئة رغم زوال مسبباتها، فقد صرح الدكتور محمد الهندي القيادي في الجهاد الإسلامي لوسائل الإعلام مجددا ” بأن الكيان الصهيوني سيماطل في فتح المعابر ورفع الحصار ووقف العدوان كي لا يظهر ذلك هزيمته أمام الشعب الفلسطيني” ملمحا بأنه سيقبل بالتهدئة في نهاية الأمر، جاء هذا التصريح متزامنا مع ما قاله الدكتور الزهار  “بأن الكيان لن يعلن موافقته على التهدئة لكنه سيلتزم بها”.


 


وقبل ذلك وبعده، كان الحديث منصبا على أن فرصة الوصول إلى تهدئة ممكنة فقط قبل بدء الاحتفالات الإسرائيلية في ذكرى التأسيس، وما أن انتهت الاحتفالات وقال بوش ما قاله في الكنيست، تأهبت حماس لجولة جديدة من التصعيد، وبقي أمامها فقط أن تستمع من عمر سليمان رسميا حول الرد الإسرائيلي على مبادرة التهدئة، على سبيل تبرئة الذمة لإدراكها بأن الرد سلبي صرف، ولذلك وكما سربت بعض المصادر فإن حماس نوت إرسال وفد من الصف الثالث، لكن عمر سليمان أصر على إبقاء مستوى التمثيل، فهو يريد علاقة دافئة بصناع القرار، ووافقت حماس على إرسال وفد من الصف الأول، وأعيد إحياء أمل التهدئة.


 


لم ينته الدور المصري 


جرى تحديث آخر، فقد طلبت إسرائيل من مصر أن تدرج ملف شاليط كجزء من صفقة التهدئة، وردا على ذلك، رشح عن حماس وجهتا نظر: جاءت إحداها على لسان الدكتور أحمد يوسف مستشار وزير الخارجية في حكومة هنية، معلنا: “بأن حماس لا تمانع إدراج ملف شاليط ضمن مبادرة التهدئة”، والأخرى صرح بها أيمن طه القيادي في حماس، مؤكدا أن: “قضية الجندي الأسير جلعاد شاليط منفصلة تماماً عن موضوع التهدئة”، وهو الذي قال بأن: “حماس علمت بموافقة مبدئية للاحتلال على التهدئة”(!!)، وفي رحاب ذلك، كشفت مصادر إعلامية بأن عمر سليمان نقل لحماس بأن إسرائيل ستوجه ضربة لها إذا لم يُتفق على صفقة لتبادل الأسرى.


 


ما يهمني ليس موقف حماس غير الواضح من إدراج ملف شاليط كجزء أساس في صفقة التهدئة، وإنما الدور المصري الذي يجدد نفسه، فمجرد إدراج هذا الملف المعقد، فهذا يعني أن أمد الحوارات سيطول، وأيا كانت حيثيات اللقاءات، فهي ستكرس لمرحلة توغل النفوذ المصري التي تباركه إسرائيل ولا تستغني عنه حماس، ليشمل كافة المسائل بعد إذابة الجليد، وستقدم مصر نفسها في البداية المتجددة كمانعة لعملية عسكرية رصدتها إسرائيل لضرب حماس، فتحوز الثقة، وقد تستعين للضغط على موقف حماس بموافقة بعض الفصائل الفلسطينية على التوجهات المصرية، وهذا ربما يفسر سبب تعمد عمر سليمان للقاء قادة الفصائل الفلسطينية المختلفة، وإبقائها في القاهرة فترة طويلة، وتفويت المجال كي تتوافق الفصائل الفلسطينية في القطاع على موقف موحد فيما بينها من غير وسطاء، بشأن إدارة الصراع مع إسرائيل في هذه اللحظة الحساسة.


 


ولذلك فالسيناريو الثالث


النظام المصري المأزوم لا يحتمل الإحراج الشعبي إذا ما اشتعلت غزة، وإسرائيل تقدر ذلك، وتخشى النتائج، ويضر هيبتها أن تبدو منصاعة لتهدئة تقوي حماس، والأخيرة تريد رفع الحصار وإنقاذ تجربتها في السلطة، وتسلم بقدر دور الجار المصري، بعد أن تخلى الكل العربي، والمنطقة بانتظار أجندات انتخابية تنهي إدارات وتستدعي أخرى.


 


تشابك يفرز وضعا لا يسمى تهدئة ولا يميل إلي ضربات كسر العظام، فيبقى متأرجحا بين التصعيد النسبي أحيانا والهدوء النسبي أحيانا أخرى، وتحكمه قوانين الاشتراطات والاستجابات والمناورات السياسية والتسابق لتجنيد الوقت، والتاريخ ينبئنا بأن إسرائيل برعت في إدارة سياسة اللا حرب واللا سلم، وجنت ما جنت. (والله يفعل ما يريد).

مقالات ذات صلة