تقارير أمنية

المخابرات الصهيونية ما بعد الربيع العربي

 المجد- وكالات

ربما لا يتسع المجال لذكر جملة الخسائر التي منيت بها دولة الكيان بفعل الثورات العربية الأخيرة، لكن الانتكاسات الأهم والأخطر التي ليس بالإمكان تجاوزها أو القفز عنها تلك المتعلقة بالعمل الأمني ألاستخباري، ويمكن تركيزها في نقطتين أساسيتين: الأولى مفاجأة مجتمع المخابرات الصهيونية باندلاع هذه الثورات وعدم توقعه لها، على الأقل بهذه السرعة والديمومة، والثانية خسارتها المدوية لأصدقاء وحلفاء أمنيين من الطراز الأول في محيطها العربي.

 

ولذلك، فور أن استيقظت دولة الكيان من سكرتها وآن أوان فكرتها، بدأت بإعادة صياغة لمستقبل علاقاتها الأمنية في المنطقة، وأساليب عملها ألاستخباري، وهو ما ينشغل به هذا التحليل في السطور التالية.

 

سلسلة الإخفاقات

بعد فترة وجيزة من تولي الجنرال "أفيف كوخافي" لمسؤولية جهاز الاستخبارات العسكرية الصهيونية "أمان" قدم تقريرا أمنيا إلى لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست، قال فيه إن ‌النظام المصري ما زال قويا، وإن المظاهرات التي تعم مصر في حينه سرعان ما سيتم استيعابها واحتواؤها، مستبعدا حصول تطورات دراماتيكية، بما فيها سقوط النظام وتنحي الرئيس.

 

هنا، توقف الصهاينة مطولا عند سر هذا الإخفاق المدوي للدوائر الأمنية في عدم قدرتها على تنبؤ نهايات أحداث تدور في ساحاتها الخلفية، مع العلم أنه لم يكن الأول من نوعه، فهناك سلسلة من الإخفاقات في عدم تقدير أحداث بعينها وقعت فيها المخابرات الصهيونية، ومن أهمها: المفاجأة بسقوط سور برلين، وانهيار النظام السوفياتي، وانحلاله لاحقا، وعدم التأكد من وقف إطلاق النار في حرب العراق وإيران سنة 1988، وتعرض دولة الكيان لصواريخ عراقية سنة 1991، ومفاجأة الدوائر الأمنية بأحداث النفق في المسجد الأقصى في سبتمبر/أيلول 1996.

ويمكن هنا الحديث عن ثلاث مشاكل تنشأ لدى المخابرات الصهيونية، وتؤدي لفشلها ألاستخباري في تقدير مثل هذه المواقف التاريخية، ومنها الثورات العربية، وتتمثل في:

1- تدفق المادة الخام غير الدقيقة إلى القادة.

2- توزيع المادة الاستخبارية على محافل البحث وبعثرة معلوماتها، وعدم الخروج بتقدير جيد.

3- الترهل الإداري الذي يلعب دورا هاما في عملية الإخفاق الأمني.

وبالتالي، انعكست سلسلة الإخفاقات سلبا على واقع الكيان كدولة، وعلى علاقاتها الخارجية، وسياساتها مع دول العالم, ولهذا تقع المسؤولية الكبرى على عاتقها، مما يحتم عليها إعادة النظر في العديد من سياساتها الأمنية والاستخبارية.

 

البيئة الإستراتيجية

أظهرت الثورات العربية الأخيرة أمام صانع السياسة الأمنية الصهيونية ما يمكن وصفها بـ"الميول القائمة" في البيئة الإستراتيجية، التي يجب على الاستخبارات الصهيونية الاستعداد لها في العقد المقبل، وتشير إلى أن بعض الظواهر العالمية والحركات الإقليمية ستواصل تشكيل صورة العالم في السنوات المقبلة، أما سماتها الأساسية فهي:

1- مواصلة ذوبان الحدود بين الدول بوصفها حاجزا أمام حركة المعلومات، السكان، التكنولوجيا ورأس المال على وجه البسيطة.

2- تناقص الشرعية لاستخدام القوة العسكرية.

3- مواصلة الاقتصاد، كما الثورة التكنولوجية وعصر المعلومات أداء دور المحرك في تقدم العمل الأمني.

4- تعاظم عوامل القوة المحلية في الدول ذات السلطة الضعيفة، وأمثلتها: السلطة الفلسطينية، لبنان، العراق، مصر، السودان، أفغانستان، وتشكل هذه المناطق مرتعا للجهات المعادية.

5- الصعوبة في تحقيق الردع الصهيوني في هذه المناطق عبر استخدام القوة الشاملة، ما يستدعي، بالتالي، عمليات جراحية ضد الجهات المعادية، وهي عمليات تتطلب بداهة فعلا استخباريا محكما.

 

كما أبرزت الثورات العربية أمام من يصوغ التوجهات الأمنية في دولة الكيان، مواصلة منظومة القوى الدولية ميلها للانتقال من عالم أحادي يملي فيه الغرب جدول الأعمال العالمي، إلى عالم متعدد الأقطاب، تتواجد فيه قوى عالمية قوية أخرى، مثل الصين وروسيا، الطامحتين لاستعادة دور اللاعب القائد والاتحاد الأوروبي، وهو ما تجلى في أوضح صوره أثناء أحداث الثورة السورية.

ورغم استمرار هذه الثورات والانتفاضات العربية وبقائها ردحا من الوقت على جدول صانع القرار الدولي والإقليمي، سيواصل النزاع العربي الصهيوني ترؤس جدول الأعمال الأمني والسياسي الصهيوني كنزاع قومي ديني وحضاري، وفي قلب هذا النزاع سيبقى الصراع مع الفلسطينيين.

وهناك بؤرة نزاع ثانية بين دولة الكيان وسوريا وحزب الله، ومن الجائز في السنوات المقبلة حدوث مد وجزر في العملية السياسية، وهنا يجب الأخذ بالحسبان نشوء دولة فلسطينية "مسالمة"، أو معادية/غير مستقرة، وربما اتفاقيات أو حروب مع دول عربية أخرى، قد يشملها طوفان الثورات.

 

صحيح أن الأنظمة العربية اليوم تسلم بوجود دولة الكيان، ولكن قد يتعزز الخط الأيديولوجي الرافض لحقها في الوجود، والتسليم بها في أوساط قسم من سكان وصناع القرار في العالم العربي.

 

ولذلك توصي مراكز البحث الأمنية بالتركيز على ما تسميه ظاهرة "انعدام اليقين"، مطالبة الأخذ بعين الاعتبار تعزز التيارات الإسلامية، باعتبارها القوى الأكثر ربحا وكسبا من سقوط الأنظمة الحليفة لدولة الكيان.

 

الحقول الأمنية

يمكن تلخيص أهم المخاطر الأمنية على دولة الكيان في العقد المقبل في مرحلة ما بعد استقرار الأوضاع في دول الربيع العربي على النحو التالي:

 

1- السلاح غير التقليدي بأنواعه المختلفة وإمكانية وصول سلاح نووي لأيدي دول أو جهات متطرفة.

2- الصواريخ على الجبهة الداخلية، خصوصا من المنظومة الشمالية، إيران والمنظومة الفلسطينية.

3- الجيوش النظامية في المنطقة التي تملك أسلحة متطورة، لا سيما بعد انتخاب رؤساء لا يخفون عداوتهم لدولة الكيان، وتحديدا مصر.

4- أخطار شبه عسكرية وعصابية، من قبل منظمات مسلحة غير نظامية، قد تشكل لدولة الكيان معضلة أمنية عسكرية ليس لها حل، وتحديدا في سيناء والجولان، فضلا عن قطاع غزة وجنوب لبنان.

 

وهناك إمكانية لما يسمى باللغة الاستخبارية الدارجة بـ"تقاطع المخاطر"، في ضوء أن عددا من المخاطر القائمة في البيئة الإستراتيجية يمكن أن تتعاظم مثل:

1- سقوط أنظمة عربية، بالترافق مع خطر امتلاك سلاح نووي، على شكل الخوف القائم حاليا إزاء إمكانية سقوط النظام السوري، والتركيز الصهيوني على مآل السلاح الكيماوي.

2- استعداد جهات متطرفة لتنفيذ عمليات ترهيب هائلة، بالترافق مع تسرب سلاح غير تقليدي.

3- تبلور دولة فلسطينية معادية بالترافق مع انتفاضة في أوساط عرب 48، لمحاكاة إخوانهم في الدول العربية.

 

ويمكن تلمس الآثار العملانية لهذه الأخطار على نظرية الأمن الصهيونية، بصورة تجعل رجال المخابرات الصهيونية مقلين في النوم هذه الأيام بصورة ملحوظة وأكثر من المعتاد، وهو ما أشار إليه رؤساء أجهزة "الموساد والشاباك وأمان"، خاصة أن بعض هذه الآثار على الاستخبارات الصهيونية تفرض عليها القيام بالإجراءات التالية:

أ- شن حرب سرية في جبهة واسعة في ضوء طابع الأعداء، وغياب المشروعية السياسية لاستخدام النار، فالعمل السري يسمح بتقليص مخاطر التصعيد، رغم أن ذلك ليس مضمونا.

ب- تنفيذ عمليات أمنية جراحية معقدة في مناطق بعيدة عن حدود دولة الاحتلال.

ج- تنفيذ عمليات إحباط واسعة ضد الأعمال السرية، والمهام الإستراتيجية على الصعيد الداخلي.

د- تطوير قدرات هجومية ودفاعية في "الشبكة العنكبوتية"، كموضع قتال جديد في عصر المعلومات.

هـ- توفير معلومات دقيقة، وبكمية عالية، لتجسيد القدرات الأمنية للمخابرات الصهيونية.

و- توفير معلومات لتحقيق مصالح أمنية سياسية، لردع الأعداء عن الحرب، وإحباط مشاريعهم، بالكشف عن نواياهم، أو توفير معلومات استخبارية ضد أعداء يعملون تحت ستار من السرية والخداع للأسرة الدولية.

 

ز- المساعدة في الحرب على العقول، بكشف المعلومات التي تؤثر على شرائح مختلفة، بهدف المساعدة في تحقيق أهداف أمنية، قاصدة بذلك الخداع والحرب النفسية.

 

الاستخبارات المضادة

كشفت بعض التجارب الأمنية والعمليات الاستخبارية الصهيونية في سابق السنوات عن إخفاقات كبيرة لا مجال لإنكارها، ولم يكن السبب فيها إبداعا فلسطينيا أو عربيا فقط، بقدر ما عملت خلالها الأجهزة الاستخبارية الصهيونية بتواز دون تنسيق تام بينها، يعزو البعض سببه إلى العلاقات الشخصية غير الودية بين رؤساء أجهزة الأمن الاستخبارية.

وهذا يتطلب التركيز في قادم الأيام على ضرورة التنسيق بينها لأهمية وجوده وخطورة انعدامه، ولا سيما أن متابعة الحراك العربي وتغيراته المتوقعة تأتي ضمن صلاحيات واختصاصات جهازي "الموساد وأمان" بصورة خاصة، خاصة أن هناك إقرارا في بعض الأحيان بأن للأجهزة الاستخبارية الصهيونية مبنى تنظيميا ضعيفا لا يلاءم متطلبات مواجهة التحديات الأمنية الجديدة في دولة الكيان، بحيث لا يوجد مركز للأجهزة، أو رأس مدبر لها.

وهو ما حدا بالمحافل الأمنية الصهيونية للدعوة إلى تشكيل المزيد من شبكات التجسس في الدول العربية، سواء من عاشت أحداث الثورات، أو المتوقع أن تشهدها مستقبلا، على أن يكون لهؤلاء العملاء والجواسيس جملة من الأهداف الخفية والمعلنة، ومنها:

 

1- جمع المعلومات الأمنية والاستخبارية عن دول بعينها، لا سيما المواقع العسكرية والمحطات الأمنية، التي تعتقد دولة الكيان أنها تشكل خطرا عليها مستقبلا في أي مواجهة عسكرية.

2- تدريب الجواسيس على أحدث الأجهزة الإلكترونية، وتحديدهم للأماكن والمخابئ السرية والشقق البديلة التي تستخدمها الشخصيات المعادية في الدول العربية.

3- النيل من الرموز المقاومة في الدول العربية بتنفيذ سلسلة من الاغتيالات.

4- إمداد أجهزة الأمن الصهيونية بالمعلومات الاقتصادية والمشروعات الاستثمارية، السياحية والزراعية، وحركة البورصة وتداول الأوراق المالية، والحصول على معلومات تخص رجال الأعمال.

5- القيام بعمليات تخريب اجتماعي وأخلاقي، بهدف التخريب، لا سيما على صعيد نشر كميات هائلة من المخدرات بمختلف أنواعها، ورعاية شبكات الدعارة، وتجارة الرقيق.

 

وهكذا، شكل التجسس لدولة الكيان، ومازال وسيبقى، سياسة ثابتة تجاه جيرانها، لأن المؤسسة الأمنية الصهيونية تعتقد أن التجسس سيبقى عنوانا أساسيا لسياستها الخارجية، انطلاقا من محددات عدة لا يمكن أن تختفي بين يوم وآخر، أهمها رغبتها بأن تكون على متابعة مكثفة وحثيثة دائمة لما يدور حولها، لأنها تدرك جيدا أن المحيط العربي معاد لها، خاصة أنظمة الحكم الجديدة في مرحلة ما بعد الثورات.

مقالات ذات صلة