الأمن عبر التاريخ

الوعي والدراية بالجوانب الأمنية الوقائية في دعوة الرسول الكريم

المجد-

لقد اقتضت سنة الله في خلقه التدافع بين أهل الحق، وأهل الباطل،
وبين أصحاب الرسالات والدعوات، وأهل الغي والضلالات. فمرحلة البدء تتميز بتحلي أهل
الحق والدعوة بالحيطة والحذر والتكتم, ذلك لأن أهل الباطل ـ خشية علي مصالحهم
وأهوائهم وأفكارهم الباطلةـ سيقفون لهم بالمرصاد، وسيحاولون القضاء على المعتقدات
وأصحابها، والأفكار الجديدة وأهلها، وهم لما يشتد عودهم، ولم يكثر أتباعُهم بعد (راجع
د. إبراهيم علي محمد أحمد: في السيرة النبوية..قراءة لجوانب الحذر والحماية، كتاب
الأمة ،العدد:54، رجب 1417هـ).‏

بدأ رسول الله صلي الله عليه وسلم
دعوته سرًا، وكان دقيقًا في كل خطواته، وحذرًا يقظًا في كل تعاملاته، وبهذا
التخطيط والتنظيم استطاع أن ينتصر على جميع أعداء الإسلام.‏

المتتبع لسيرته صلى الله عليه وسلم يجد
أن جانب الحذر والتحوط واضحًا بادياً طوال المرحلة الأولي من بدء الدعوة الإسلامية.
و(لا ريب أن تكتم النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته خلال السنوات الأولى، لم يكن
بسبب خوفه على نفسه، فهو حينما كُلِّف بالدعوة ونزل عليه قوله تعالى: (يا أيها
المدثر)، علم أنه رسول الله إلى الناس، وبذا كان يؤمن بأن الإله الذي ابتعثه
وكلّفه قادر على أن يحميه ويعصمه من الناس.‏ لكن الله عز وجل ألهمه، ¬والإلهام
للرسول وحي،¬ أن يبدأ الدعوة في فترتها الأولى بسرية وتكتم، وأن لا يلقي بها إلا
إلى مَن يغلب على ظنه أنه سيصغي لها، ويؤمن بها، تعليمًا وإرشادًا لمن بعده إلى
مشروعية الأخذ بالحيطة والأسباب الظاهــرة، وما يقرره التفكير والعقل السليم من
الوسائل التي ينبغي أن تتخذ من أجل الوصول إلى غايات الدعوة وأهدافها.‏ (د. محمد
سعيد رمضان البوطي: فقه السيرة، دار الفكر ، ط 2،1400هـ، ص 94). ‏

 

مراعاة
الجوانب الأمنية الوقائية في بدء الدعوة الإسلامية

-كان صلى الله عليه وسلم يجيد اختيار من يدعوهم (نوعاً وأهلية)،
متحرياًً الدقة المتناهية، والحيطة. ذلك لأن أولئك المستجيبين للدعوة آنذاك، هم
الذين تقع عليهم أعباؤها ومسؤولياتها، فلابد أن يكونوا من خيار المجتمع.. صدقًا،
واعتدالاً، ومروءة، ونخوة، واستقامة، ليكونوا أهلاً للقيام بتبليغ الدعوة، وتحمل
تبعاتها بكل تجرد وإخلاص لله تعالي.‏

– وكان رسولنا صلى الله عليه وسلم يعلم
أن أي خلل في التصرف، أو تسرب معلومة، يمكن أن يؤدي إلى نتائج سلبية من شأنها
التأثير على مستقبل الدعوة. إن أول من دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم: زوجه
السيدة خديجة، وعليّ بن أبي طالب، ومولاه زيد بن حارثة، وحاضنته أم أيمن(البخاري،
باب بدء الوحي، ج1،ص:2-3)، رضي الله عنهم أجمعين.. والمتأمل في هؤلاء النفر
الكريم، يجدهم تضمهم أسرة واحدة، هي أسرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.‏ هم أقرب
الناس إليه، وأعرفهم به، وبصدقه، وإخلاصه، وحسن سيرته، لعشرتهم له، وهذا مما
يجعلهم يؤمنون عن اقتناع ويقين، وهو ما حدث فعلاً.. وهذا النوع من الإيمان هو ما
تتطلبـه المرحلة، فهـؤلاء يكتمـون السـر ولا يفشونه، ويساعدونه في تحمل أعباء
الدعوة، ويخففون عنه وطأة معاناتها، ولا يثقلون كاهله بأعباء ثانوية.‏

– ومما يدلل علي حسن الاختيار ذلك
الموقف الباهر للسيدة خديجة عند بداية نزول الوحي علي رسول الله صلي الله عليه
وسلم: (زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي… لقد خَشِيتُ على نفسي)، كان ردها رضي الله عنها
: (كلا، والله ما يُخْزِيكَ اللهُ أبدًا، إنك لَتَصِلُ الرَّحِم، وَتَحْمِلُ
الكَلَّ، وَتَكْسِبُ الـمَعْدُومَ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ على نوائبِ الحق)
(ابن هشام: السيرة النبوية، ج1، ص:238).. ولم تكتف بذلك، بل انطلقت به إلى ابن
عمها ورقة بن نوفل، الذي طمأن رسول الله صلى الله عليه و سلم، وهدأ من روعه،
وأخبره بأن الذي يأتيه هو الناموس الذي كان ينزل على موسى(الطبقات الكبرى، لابن
سعد، ج1،ص:142).. موقف أعان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وزاده ثقة أن ما يأتيه
حق، فمضي في طريقه بعزم وحزم.. فضلاً عن مواساتها رضي الله عنها للرسول، بمالها
وجاهها.‏ وأما زيد فقد خرج معه إلى الطائف، وكان رفيقه، ومؤازره في تلك الرحلة،
وكان يقيه بنفسه من حجارة الصبية، والسفهاء(البداية والنهاية لابن كثير،ج 3،ص:174).‏
أما علي فقد نام على فراشه عند الهجرة، وهو \”عمل فدائي\” عمِّي على
قريش، وخدعهم أيما خدعة.

– هذا النفر الكريم كانوا أول نواة
للدعوة، (مما حقق تأمين جبهته الأسرية الداخلية، فلا أحد سيسرب معلومات عن تحركات،
ولقاءات من يترددون عليه، وقد يكون البيت موضع الوثائق الخاصة بالدعوة) مما ساعد
على الانطلاق من البيت إلى خارجه، وفوت على الأعداء سلاح كان يمكن أن يستخدموه
ضده، عندما يعرض الدعوة عليهم، فيقولوا له مثلاً : اذهب وقوّم بيتك أولاً، ثم
ائتنا ثانيًا!‏

وكانت هدايته الباهرة في اختيار دار الأرقم

– وقع اختيار الرسول صلى الله عليه
وسلم على دار الأرقم، لتكون مقرًا غير معلن للمستجيبين من المؤمنين (ما يربو على
الثلاثين.. لزمهم تعلم أمور دينهم، ولقائهم بنبيهم الخ)، وذلك لتفردها بعدة صفات،
وميزات منها:‏

1- اختار الرسول صلى الله عليه وسلم
دار الأرقم ابن أبي الأرقم، لوقوعها بمعزل أسفل جبل الصفا، وكانت غير مكشوفة لأعين
الطغاة ومجالسهم ومراقبتهم (السيرة النبوية لابن هشام، ج1،ص:253)، وهي محاطة
بالسرية، ولا تحتاج عملية الوصول إليها، أو الخروج منها، إلى كبير عناء، أو
احتياطات معقّدة، مع صعوبة رصد ومراقبة القادمين إليها والخارجين منها.‏

2- ليس بالدار موضع قد يستغله أعداء
الدعوة، فيطلعوا من خلاله على ما يدور بداخلها، وهذا مما يجعل ما بداخلها بعيدًا
عن أعين الأعداء.. يضاف إلى ذلك، أن صاحبها الصحابي (الأرقم)، لا يمكن أن يبوح بسر
إعطائه هذه الدار للمؤمنين، هذا بخلاف ما إذا كانت الدار لكافر.‏

3- لم يكن الأرقم معروفًا بإسلامه، ولم يعلنه بعد، فما كان يخطر
ببال قريش أن يتم لقاء الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بداره. فضلاً عن أنه كان
فتى عند إسلامه (في حدود 16 من العمر). ولا يتوقع أن تبحث قريش في بيوت الفتيان من
أصحاب الرسول، بل يتجه تفكيرها إلى كبار الصحابة رضي الله عنهم. هذا إلى جانب أن
الأرقم من بني مخزوم، التي كانت تحمل لواء الحرب ضد بني هاشم، فلو كان الأرقم
معروفًا بإسلامه، لصعب أن يكون اللقاء في داره، لأن هذا يعني أنه يتم في قلب صفوف
العدو(منير محمد الغضبان: المنهج الحركي للسيرة النبوية، مكتبة المنار، ط 6، ص49).‏

4- لم يرد ¬أن قريشًا داهمت ذات يوم
هذا \”المقر السري\”، بل أقصى ما توصلت إليه هو شكها أن يكون اللقاء في
دارٍ عند الصفا. ومما يدل على ذلك، أن قياديًا مثل \”عمر بن الخطاب\”،
رضي الله عنه، عندما أراد إعلان إسلامه، لم يعرف مكان النبي صلى الله عليه وسلم،
فلو كانت تلك الدار معلومة لدى قريش، لما سأل عنها، بل لذهب إليها مباشرة.. وهذا
يظهر مدى حرص الصحابة رضي الله عنهم على إخفاء خبر هذه الدار، فلم يبوحوا بها إلى
أحد سوى المسلمين فقط.‏

5ــ كانت براعة عملية تنظيم الدخول
والخروج (وهي تعد من أخطر الجوانب الأمنية، التي يؤدي إغفالها إلى كشف ومعرفة
المقر) قد ساعدت على الاحتفاظ بسرية المقر. وهذه الدقة البارعة، تتبدي من خلال
موقفين: ‏الأول، لسيدنا \”علي\” مع سيدنا \”أبي ذر\”، رضي
الله عنهما. فعندما أراد سيدنا عليّ أخذ سيدنا أبي ذر إلى دار الأرقم، لمقابلة
الرسول صلى الله عليه وسلم، اتفق معه على مصطلح معين في حالة وجود مراقبة، أو
متابعة من قِبَل الأعداء، فقال له : (إن رأيت أحدًا أخافه عليك، قمت إلى الحائط
كأني أصلح نعلي)، وفي لفظ : (كأني أريق الماء، فامض أنت) (ابن الجوزي: تاريخ عمر
بن الخطاب، مطبعة التوفيق، مصر، ص:10). بذا يتجلى الاهتمام بعملية الذهاب إلى
المقر، فهو يدل على أن عليًا بن أبي طالب، رضي الله عنه، كان يراقب الأعداء أثناء
ذهابه، فإذا رأى من يراقبــه غيَّر وجهتــه، وأمـــر أبا ذر ¬هنا¬ أن يغير وجهته،
بقوله: (فامض أنت).‏ أما الموقف الثاني، فلأم جميل مع سيدنا أبي بكر رضي الله
عنهما. فعندما أخذت أم جميل وأم الخير سيدنا أبا بكر رضي الله عنه، إلى دار
الأرقم، قال ابن كثير: (فأمهلتا ¬أي أم جميل وأم الخير¬ حتى إذا هدأت الرِّجْلُ،
وسكن الناس، خرجتا به، يتكئ عليهما، حتى أدخلتاه على رسول الله صلى الله عليه وسلم)(ابن
كثير، البداية والنهاية، ج3، ص:30)..‏

6- ومن جوانب الحماية التي روعيت في
دار الأرقم، تصميم الباب الذي ترك فيه شقوق / فتحات¬ (عين سحرية) يمكن من خلالها
مشاهدة مَن بالخارج، ومعرفة هويته، ومن ثم يتم التصرف، وفقًا لذلك. يظهر لنا ذلك
في قصة إسلام سيدنا عمر رضي الله عنه، حين طرق الباب، فقبل أن يُفتح له، نظر أحد
الصحابة من خلل الباب، فتأكد من هوية الطارق، بأنه عمر، جاء متقلدًا سيفه فأخبر
بذلك النبي صلى الله عليه و سلم (ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج3،،ص:86، دار
بيروت للطباعة).‏

7- التصرف السليم إبان حالات الطوارئ،
ضروري وهام، ومكملاً للالتزام بالمنهج الأمني، فما قام به النبي صلى الله عليه
وسلم تجاه سيدنا عمر، حينما دخل دار الأرقم، يعد تصرفًا مهمًا ودقيقًا.. فأخذ
بمجامع ثوب عمر، وحمائل سيفه، وقال له: (ما أنت بمنته يا عمر، حتى ينزل الله بك من
الخزي والنكال ما أنزله الله بالوليد؟) (علي برهان الدين: السيرة الحلبية، المطبعة
الزهرية،1320هـ، ج1،ص:36)‏. فمنعه صلي الله عليه وسلم من استخدام سلاحه، وسهل ردعه
وترهيبه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى