عبرة في قصة

16 ساعة .. مهمة في كرم تسور (الحلقة الأولى)

المجد –  خاص

8/6/2002م … اليوم هو السبت، الساعة الآن تقترب من الثامنة مساءً، بتوقيت
مدينة خليل الرحمن، بدأ السكون يعمّ منطقة دائرة السير، فأصحاب المحلات يلملمون بقايا
أشيائهم المبعثرة، بعضهم أغلق محله قبل أن يأذن النهار لشمسه بالمغيب، والمكان يميل
إلى الهدوء، فالمارة خفت أقدامهم، والسيارات هجعت منهكة من زحمة النهار، والناس كما
الشمس أفلوا، والكل يغادر المكان، ووحدي القادم إليه، أبحث فيه عن نقطة…

كنت قد تلقّيت رسالة محكمة الإغلاق، يوم الأحد الماضي، خبرت فيها أن
“موعدنا اليوم الساعة التاسعة مساءً لاجتماع مهم، ستحضر سيارة سوداء تنقلك إلى
مقر الاجتماع من أمام السهل الأخضر”. تجهّزت جيدا، واتبعت التعليمات المفصّلة
في الرسالة، وعلى الموعد بالتمام، وصلت السيارة، فصعدت فيها، ولكن هذه المرة ليست كسابقاتها،
فقد تحدث إليَّ السائق بشيء من الحزم، وطلب مني الاستلقاء في المقعد الخلفي، و أن أحرص
على عدم مشاهدة أي شيء خارج النافذة، كي لا أتعرف على مسار السيارة، فاستجبت لطلبه،
وانطلق كالريح يطوي بنا الطريق طياً، وقد شغل عقلي التفكير، وسيطرت عليَّ فكرة واحدة؛
“هذا الاجتماع هو الاجتماع الأخير، لن نلتقي بعده أبداً”.

تهيأت لهذا اليوم من البداية، منذ اليوم الأول، قبل نصف سنة تقريباً، حين
التقيت (بمجد) تحت مظلة أشجار الصنوبر في ساحة جامعة الخليل، يومها عرض علي بكل ثقة
أن ألتحق بكتائب الشهيد عز الدين القسام، وبحكم العلاقة الجامعية، والصداقة الطويلة
العميقة، لم يكن بحاجة إلى الإطناب والإسهاب، فقذفها في قلبي كلماتٍ فجّرت الدهشة وظهرت
شظاياها حمرةً في الوجه، وأحدثت فتحة في فمي، صمتُّ لحظة، والفجأة سرّعت من نبضات قلبي،
واضطرّبت حركتي، وقد عملت المباغتةُ عملَها، وكأنه لاحظ ذلك كلَّه، فاستدرك قائلا:

ـــ لا تتسرّع! فكّر في الأمر جيداَ، فهذا قرار صعب، سيكون عليك التفكير
ملياً ومتى اتخذت القرار فسأحترمه ان سلباً أو إيجاباً.

تركني وحيداً، أقلّب سِفر الماضي، فقد تربيت في أسرة مجاهدة، فأبي من أوائل
المنتسبين إلى الكتائب، وكان محضن المطاردين، ومأوى المجاهدين، وأعمامي و أخوالي لهم
باع طويلة في الدعوة، و متجذرون فيها، وقد ترعرعت في المسجد منذ كنت برعماً يافعاً،
ونشأتُ على حب الإخوان المسلمين، وكبر معي حلم الشهادة والانتساب إلى القسام، فلماذا
أضطرّب الآن؟! أهو الشعور الإنساني في طبيعة الإنسان، أم هيبة القسّام في نفسي، أم
هي الدنيا تضمني بين ذراعيها، وتخوّفُني الموت، صمتٌ مضطرّب، هربتُ منه إلى مبنى النشاطات
الطلابية، حيث أقامت الكتلة الإسلامية معرضها السنوي.

دخلت المعرض وتوجهت من زاوية الكتب العلمية إلى باحة الشهداء، هزّني وقار
المكان، وخشعَتْ لأنفاس البطولة نفسي، وجمعَتْ شتاتَ قلبي صورُ الراحلين، فهذه صور
عماد عقل والعياش تتوسّط القبّة، وعن اليمين تزاحمت صور القادة العظماء، وعن الشمال
تألقت وجوه الجند الأوفياء، هذا محمد عزيز، وجهاد غلمة، وطاهر قفيشة، وإياد أبو حديد….
وغيرهم وغيرهم، كلهم ينطق عن لسان واحد: “هذا سبيلي؛ إن صدقتَ محبّتي فاحمل سلاحي”.

رعشةٌ دبّت في حنايا الروح، ويقظةٌ سرتْ في أوصالي، صمتٌ يتكلّم،  وصورٌ تحكي روعة الاستشهاد، شدّني شِلوٌ ممزّق فاقتربت
منه، جسدٌ تخفّت معالمُه الحسناء، وملابسُ محترقة، استبدلَتْ عطراً بعطر، مسكاً بدم!!
كُتبَ عليها جثمان الشهيد (أكرم الأطرش).

اغرورقت عيني بالدموع، وطارت من قلبي الدنيا، وهمدت لذاتها، هذا الجثمان
لطالما صدح بالحق صوتُه، وباليقين قلبُه، إنه الكفيف الأعمى الذي أبى إلا حملَ الراية،
وتصدّر الصفوف المجاهدة، وقد كانت تكفيه النية مع قوله تعالى “ليس على الأعمى
حرج”، واريتُ نفسي عن الناس حياءً وقد غافلتني دمعة شوق فهملت! وخرجتُ من المبنى
أبحث عن قدَري!

التقيتُ (بمجد)، في ساحة المبنى الرئيسي، وبكل ثقة أجبته “على بركة
الله”، فأحسست بفرحه، لكن المسؤولية فرضت عليه أن يبصّرني بالعاقبة قائلاً:

ـــ لا بدّ من أنك تعرف نتيجة قرارك، هذه طريق معبّدة بالدم والأشلاء،
قد تستشهد ويتأذى أهلك، ويُهدم بيتك، وقد تُسجن، أو تصاب بإعاقة دائمة!!

ـــ نعم، وقد يحدث ذلك كله وأنا جالس في بيتي!

لم يمضِ من ساعتها يومان حتى لقيني حاملاً رسالة مقفلة، محكمة الإغلاق،
سلّمنيها قائلا: “هذه لك ولا أعرف ما فيها، فأنا مجرد رسول، اقرأها بتمعّن ونفّذ
ما فيها حرفياً”.

فتحتُ الرسالة وكان مكتوبٌ فيها….” الى اللقاء في الجزء الثاني

بقلم الأسير المحرر / 
علي عصافرة

مقالات ذات صلة