عبرة في قصة

16 ساعة .. مهمة في كرم تسور (الحلقة الثانية)

المجد- خاص

توقّفت السيارة فجأةً، فهمسَ السائق لي: “أبا قتادة، قد وصلنا، عليك
الانتظار قليلاً بعد نزولي من السيارة، خمس دقائق مضت، ثم فُتحَ الباب، وكان الظلام
دامساً، سترَ بحلكته المباني، وحجبَ عني عورة المكان، فلم أرَ إلا شرفة البيت الذي
وقفنا أمامه، انتزع أحدهم مفتاح غرفة جانبية قرب المنزل الكبير، فدخلتُها وحدي، ثم
أغلق الباب.

تسمّرت مكاني، فقد كانت غرفة موحشةً أشبه ما تكون بالقبر رائحةً وظلمة،
وفتح الباب مرة أخرى، وسرى النور في أرجاء الغرفة، ووقعت عيني على طاولة حُفّت بمقاعد
خمسة، وواجهة زيّنتها الراية الخضراء، وقطع من السلاح اتّكأت على الحائط، كأنها تحرس
المكان!

اقتحم عليّ الغرفة أربعةٌ من الرجال مقنّعين، وبلباسهم العسكري، قابلتُهم
بالأحضان، واتخذنا مواقعنا، ثم ابتدأَنا أميرُنا بالكلام مفتتحا الجلسة بالحمد والثناء
على الله عز وجل، ثم قال:

ـــ نحن اليوم بصدد دراسة العملية، ولكن قبل ذلك، أحب أن تؤكّدَ لنا أبا
قتادة، أنك لا زلت مصمّماً على التنفيذ تحت أيِّ ظرفٍ كان؟

… نظرتُ إليه بابتسامة فيها الرضا.

ـــ وهل رأيت مني ما دفعك لهذا السؤال؟

ـــ لا على العكس تماماً، ولكني أحب أن أسمع الإجابة منك واضحة، و الآن!!

ـــ نعم، وبكل سرور. 

أومأً لأحد الجالسين، فنهضَ حاملاً في يده شريط فيديو فشغّله وقال: هذه
إحدى المغتصَبات، تمّ مراقبتها على مدار شهرين متواصلين، فيها هدفٌ يستحقّ الاقتحام،
وما يعنينا اليوم مسار التسلّل إلى الداخل، وأقترحُ أن يكون من هنا… وأشار إلى المنحدر
الواقع بين الجبلين، والسبب أن الكاشفات الليلية الماسحة لا تصل إلى هذا المسار.

تجاذبنا الآراء وناقشْنا المقترحات، حتى اقتحم علينا الجلسة خامس، بدا
مُجهداً وهو يقول:  

ـــ الجيشُ الإسرائيليُّ يجتاح المدينة من منطقة الحاووز الثاني ومنطقة
رأس الجورة.

وقفَ أميرُنا فوقفْنا، وقال:

ـــ نبقى على ما قاله أبو أحمد، ونكتفي بهذا القدر من المعلومات، وأنت
أبا قتادة تجهَّز، فقد تصلك رسالتنا الأخيرة في أيِّ لحظه، سنضطرّ لاستخدام السيارة
لنقل السلاح إلى مكانٍ آمن، لذا عليك مغادرة المكان مترجّلاً، وسيرشدك أبو أحمد إلى
مكان تعرفه.

كانت ليلةً موحشة، اضطررتُ فيها للركض مسافةً تزيد على (5) كم، لأصلَ إلى
سكن الطلاب الذي هيّأته لمثل هذه الساعة المتأخرة من الليل.

جاء يوم الجمعة حاملاً معه رسالةً مضمونها:

ـــ “أبا قتادة؛ موعدنا يوم السبت الساعة الثامنة مساءً عند دائرة
السير، أمام  إشارة رُسمَ عليها الكفّ، قبل
الموعد بساعتين، اكتب وصيتك الأخيرة، والسلام”.

مضى السبت على عجل، كان طبيعياً جدّا، داومتُ في الجامعة حتى الساعة الخامسة
مساءً، ولم أودّع أحداً، ولو بالنظرات الأخيرة.

وجدتُ الإشارة في دائرة السير، وعلى الموعد تماماُ، كما عوّدوني على الانضباط،
وصلَت السيارة فركبتُها، تحدّث إليَّ السائق وقال:

ــ جرى تعديلٌ على الخطة، سنتجوّل في المدينة قليلاً فاحرص على الاختفاء.

سار بنا على عجل، حتى  حمل معنا
رابعاً،  أجلسه بجانبي ثم انطلق يقتحم الليل،
ويقطع الطريق الواصل بين الدارين، ولعل حجاب الليل هذا هو البرزخ الفاصل بين الحياتين،
أستعرض الدنيا كما يستعرضها عجوز لبس العمائم الثلاث، على عجل بطيء من محركات السنين،
فما يخلّفه وراء ظهره من أمسه لا يعود، أما أنا فأنتقل من الأمس إلى اليوم بسرعة محرّكات
السيارة، والشبر الذي يمضي لعلي لا أراه بعد اللحظة أبداً.

وكأني سمعت صوتاً يناديني من ضمير الغيب، أيها المسافر تهيّأ للرحيل، فقد
بدأت مسيرة الخلود، واقتربت ساعة الصفر، فجدّد عزيمتك، وتحسّس ختم الإخلاص، فقد بدأت
رحلة الاستشهاد.

اختفت كل الذكريات، إلا صور اللقاءات الإخوانية، وأيام التدريب، والرسالة
الأولى التي استلمتها من مجد، كانت فاتحة الخير ومفتاح العبور إلى العملية، أذكر جيدا
شكل مفرداتها وهي تنضح بالقوة والجدّية:

“بسم الله الرحمن الرحيم. وبعد، غداً الساعة السادسة صباحاً، قف أمام
مسجد الأنصار لابساً معطفاً، حاملاً في يدك اليمين حقيبةً شفّافة، فيها مجلّة، وانتظر
سيارةً سوداء، نعطيك إشارة ضوئية مكرّرة ثلاث مرات، اركب في المقعد الخلفي، ولا تبدأ
أحداً بالحديث حتى يتحدث إليك. والسلام. إخوانك في القيادة”.

تجهزت للقائي الأول، وما أبصرت هدفه ومقصده ولا وجهته، بحثت طول اليوم
عن إجابة للسؤال، لماذا؟؟ خطرت لي جميع الخواطر إلا أن أساق إلى منطقة جبلية وعرة مع
سائق ومرافق، وقفا بنا على رأسٍ منحدر إلى واد معمّر ذي زرع، نزل المرافق من السيارة
وأذن لي فنزلت، وفتح الصندوق الخلفي، وطلب مساعدتي في إنزال حقيبتين ثقيلتين وكبيرتين،
خفق لهما قلبي وثقل بهما عقلي….

انصرف السائق، وانحدرنا إلى أسفل الوادي، ثم دخلنا مغارة قد ضُيّقَ بابُها
بأكوام الحجارة، جلستُ مترقّباً، في حين أخذ يفتح الحقائب، حتى استوى كل ما فيها على
الأرض، وقد غمرتني الدهشة، وملكتني الحيرة، وغرقتُ في جملة من التساؤلات السريعة، والخواطر
المهيبة، فهربتُ إلى ابتسامة جافّة بادلنيها صاحبي واستقر في جلسته وقد تكلم:

ـــ أهلاً بك أبا قتادة! أعرّفك بنفسي، أخوك أبو إسلام، مدرّبك وملازمك
حتى تتقن مهمتك، الوقت متأخر، وعلينا المغادرة بعد نصف ساعة، لذا سنجفّف منابع الكلام
وندلف في منابع العمل، هل لك تجربة سابقة مع السلاح؟

      ـــ أبداً، على الإطلاق!!

      ـــ إذن، سنبدأ من الصفر،
فتعاون معي بانتباهك. 

ثم درج يفصّل لي تركيبة القطع الملقاة على الأرض، وختمت الجلسة باستخدام
قطعة (كلاشنكوف)، كان شعورا دافئاً، مفعماً بالحب، ثم توالت اللقاءات بعد ذلك، وكنتُ
في كل مرةٍ أرى الفرحة تتدفّق من عيون مدرّبي على سرعة التلقّي والتنفيذ.

وازدادت حماستي مع الأيام، وانفجرت نفسي بالرغبة العارمة، بالتقدّم خطوةً
أخرى للأمام، على الرغم من الصعاب التي تواجهني في التوفيق بين الدراسة والعمل، وفي
اضطراري للانتقال من القرية للمدينة في وقت مبكر جداً تنقطع فيه المواصلات، ثم اضطراري
للمبيت أحياناً خارج البيت، والتأخر عن مواعيد الإخوان، والعمل الحركي داخل القرية،
وفوق هذا مسؤولية الكتلة الإسلامية والعمل النقابي داخل الجامعة، كانت من أكبر المهام
المؤرِّقة والمستنفِذة للوقت والجهد، كانت أياما مرهقةً ومثبّطة، لولا الحب ومتعة الفناء
في خدمة الدعوة.

واستمرت اللقاءات المتتالية، إلى أن كان اللقاء الأخير في التدريب، كان
يوما مميزاً، وفيصلياً حاسماً جرى على غير العادة….

هذه الذكريات آنستني وزوّدتني بالثقة على طول الطريق التي أوصلتنا إلى
منطقة موحشة، على بوابة أحراش كثيفة… قاربت الساعة على 9:30 مساءً.

نزلنا من السيارة أربعتُنا، وتعاونّا على حمل الحقائب، وانطلقنا بمحاذاة
الأشجار، استقبل وجهةً لا أعرفها حتى أشرفنا من رأس الجبل على قمة مقابلة يفصل بيننا
وبينها وادٍ سحيق مظلم، كانت القمة مزدحمة بكشافات المغتصبة التي لم أتعرف عليها بعد،
ولم أطلع على خطة التنفيذ باستثناء ما رأيته على الشريط المصور، إلا أن الثقة بالقيادة
والتجربة العملية أيام التدريب، والقدرة على الاتصال على مدار الأشهر الماضية، كل ذلك
منحني الطمأنينة لخوض الخطوات التي يقرّونها.

بعد سيرٍ مجهِد، قام احدهم بإصدار صوت يشبه (مواء) القط فسمعْنا عليه رداً
من مكان قريب، توجّهنا نحو الصوت، ودخلنا أرضاً مفروشةً بالعنب، كان فيها أميرُنا وصاحبه،
إنهم هم الأربعة في الاجتماع الأخير، تعانقنا ثم تحلّقنا مباشرةً، وابتدأتُ قائلاً:
“لم أصلِّ العشاء!”. فقام معي من رافقني في السيارة فصلّينا ثم رجعنا إلى
جلستنا، وقد هُـيِّئ فراشان، رُكّبت عليها القطع ونُثرت فوقها المعدّات، وانطلق أميرنا
في الحديث:

       ـــ الأخ أبو إسلام، كيف
ترى أبا قتادة؟

       ـــ أثقُ به وأراه قادراً
على التنفيذ.

       ـــ ما رأيك أبا قتادة؟

       ـــ عزيمتي قوية، أما قدراتي
فهذه عند مدرّبي. 

       ـــ وأنت أبا أحمد؟

       ـــ أحضرتُ المعدّات، بيدَ
أني نسيتُ الكفوف مع السرعة وضيق الوقت.

       ـــ قدّرَ الله وما شاء
فعل.      

قام مدربي، و أخذ أحدهم بيد مرافقي، فقال أبو إسلام:

ـــ أنظر بهذا المنظار، “وكان منصوبا أعلى السلسلة يرصد ويكشف المغتصبة
في الجبل المقابل”، ثم تابع: أترى تلك … تابعونا (الحلقة الثالثة)

مقالات ذات صلة