عبرة في قصة

16 ساعة .. عملية في كرم تسور (الحلقة الخامسة)

المجد- خاص

اقتحمتُ الهدف بحواسّي الخمس، كانت الصدمة بالمرصاد وعيني لا تصدّق ما
ترى!

ليس هذا ما خرجْنا إليه، لم نقطع كل هذه المسافات الطويلة، ولم نضيّع فرصة
قنص الجنود لنقتحم مركزا يهودياً فارغاً إلا من المقاعد ومكتبة زجاجية احتوت كتباً
وسجّلات. تحركتُ بسرعة نحو دورة المياه، لا أحد، كل شيء فكّرْنا فيه ليس إلا وهماً
كبيراً، أشياء من اختراع العقل الخيالي. تحركتُ بسرعة نحو المطبخ، لا أحد، لا أحد إلا
الماء الذي أبحث عنه، شربتُ بسرعة وملأتُ القنينة وانسحبتُ كالبرق، ووصلتُ لصاحبي،
وعاد الجنود إلى مقاعدهم في نفس اللحظة.

– ماذا حدث؟

– اشربَ الماء.

– لم تطلق النار.

– على من.

– على الجنود.

– تقصد على المقاعد الفارغة.

– ماذا تقول؟

– هذا مركز يهودي، وليس استراحة جنود كما أُعلِمْنا!

– ماذا يعني هذا؟

– يعني فشل العملية.  

وضع يده على رأسه وأسندت ظهري على الجدار مشتَّت العقل مشوَّش التفكير،
ثم شرب الماء، وقال: يجب أن لا نضيِّع فرصة قنص الجنود.

في هذه الأثناء سمعتُ صوتا من ركام الليل الأسود يصيح بنا منادياً: من
هناك؟ فالتفتنا باتجاه الصوت لا نرى أحداً، جلستُ على ركبتي، وصوَّبتُ سلاحي باتجاه
العتمة الناطقة. تردَّد النداء مرات متقطعة، يبدو أن صوت الجدل كان مرتفعاً فكُشف أمرُنا،
والصوت يتكرّر في إصرار.

– من هناك، وكلمات بالعبرية لم أفهمْها.

لكني سمعتُ أقسام سلاح تُسحب، فعلمتُ أن الأمر جِدُّ خطير، وضع صاحبي يده
اليسرى على كتفي، فأطلقنا الرصاص باتجاه الصوت، فسمعنا صراخاً وعويلاً، فقال:

ــ الآن بدأنا، الحق بالجنديين وأنا سأقتحم البيوت وأمشّط المنطقة العلوية
ثم نلتقي هنا في نفس المكان.

انحدرتُ خلف الحارسين أبحثُ عنهما ولكني لم أرهما إلا مرة واحدة وهما يهربان
من المنطقة باتجاه الوادي فاختفيا، قلت لنفسي، هذا مضيعةٌ للوقت، فعدتُ من الطريق التي
نزلت 

وقفتُ أمام المركز وبودّي أضرم فيه النار لأخفي فيه معالم الفشل، كنتُ
أقول لصاحبي ونحن في طريقنا: “أحب أن أستشهد ولكن بثمن، أن ألقى الله يدي مخضّبة
بدم اليهود، أما أن تذهب نفسي سدىً فهذا ما لا أُطيق التفكير فيه، أن نَقتل لا أقلَّ
من واحد بواحد”.

سمعتُ صوتاً من خلفي مرتبكاً فيه رجفةُ الخوف وهزّة الرعب، التفتُّ التفاتةً
خاطفةً وإصبعي على الزناد، كان خيالاً سارياً خرَّ برصاصةٍ لم تمهله حتى يختفي، تحركتُ
باتجاهه، كان مسجَّىً على بطنه نصف ميت! فأجهزتُ عليه ليدفع ضريبة اغتصابه لأرضنا،
كل نفَسٍ استنشقه من روابيها هو من مُلْكنا، هو اختار أن يكون محتلاً وأنا اخترت أن
أكون حراً، وعليه أن يؤدي ضريبة خياراته وعليَّ أن أؤدّي حق حريتي. كانت عن يمينه قطعة
سلاح من نوع (جليلو).

جلبةٌ وحركةٌ من بيت مجاور، اتخذتُ ساتراً، فأطلق باتجاهي النار، كمنتُ
ولم أحرِّكْ ساكناً، تبينتُ الهدف، وحددتُ موقعه، فأطلقت الرصاص متتالياً، فهمدَ ولم
يبدِ حياة، أو جذوةً من حياة، توجهتُ نحوه فإذا هي مجندة في يدها (إم 16) طويلة.

برزَ أبو القسام من عتمة الليل، وقد بدت علية ابتسامة خفيفة. فبادرني بالثناء
ثم قال:

ـ الآن واحد بواحد.

ـ أجل، ولكن أين ذهبت؟

ـ اقتحمتُ معظم البيوت في المنطقة العلوية لكنها كانت فارغة.

تناولنا قطع السلاح عن الأرض واتجهنا إلى الناحية الشمالية، اقتحمْنا بعض
البيوت، إلا أنها كانت فارغةً أيضاً.

كان هذا الحي من المغتصبة قد أُقيم حديثاً كما علمتُ فيما بعد، وهو متطرّف
من المجمّعات السكنية ومركز الحركة والحياة، وبينما نحن على بعد أمتار من الشارع الموصل
إلى البوابة الرئيسة، إذ تقدَّمتْ منا دوريّتان عسكريّتان، الأولى سيارة إسعاف للجيش،
والثانية جيب عسكري مصفَّح ضدّ الرصاص، تقدمنا ببطء وحذر شديدَين، أشار عليَّ ساعتها:

ــ دعنا نتخذ موقعنا، نتحصّن به، فلا شكَّ أن وحدات الجيش ستأتي للمساندة.

ــ وأين تقترح؟

ــ هناك، وأشار إلى بيت قريب من ملتقى الطريق مسند من الجانبين ببيتين،
فكأن هذا البيت قد تحصّنَ بهما.

أخذتُ زاويةً وتمترس صاحبي بالزاوية الأخرى، وكثَّفت الوحداتُ الخاصة وقواتٌ
من الجيش تواجدَها، دلَّتنا عليهم أضواء السيارات وحجم الرصاص المنصبّ علينا، فالليل
حدَّ من وضوح الرؤية على مسافات قريبة.

استدعاني أبو القسام، وكنتُ قد لمحتُ جيباً عسكرياً مسرعاً يتجه إلى ناحيته
على بعد مئة متر تقريباً، جلستُ بجانبه نرصد تحرك السيارة، حتى وقفتْ تحت ضوء عمود
للكهرباء. فسألني:

ــ أتجيدُ القنص؟

ــ قليلاً.

ــ جيد، راقب حركة السائق حتى يفتح الباب، ومتى تمكنتَ منه؛ أطلقْ عليه
النار، وسأرصد أنا حركة الجنود في الباب الخلفي، لا تطلق النار قبل أن تعطي إشارة البدء.

دقيقة، دقيقتان، ثلاث دقائق مرت، بطيئة جداً، وفُتح البابُ الخلفيُّ للجيب،
ثم نزل الجندي الأول خائفاً يترقب، فهمسَ صاحبي: لا تطلق النار وراقب السائق جيداً.
ثم تبعه الثاني و عيني ترصد بحذر، وكلُّ جوارحي تترقّب فتح الباب، ونزل الثالث وأبو
القسام لا يكفُّ عن التوجيه والتحذير: إياك أن تخطىء السائق. وها قد تبعهم الرابع يتلفّت،
ثم تناولوا الجُعبَ العسكرية، وفُتحَ الباب ونزل السائق ببطء شديد حتى استوى على الأرض
واقفاً، وأصبحَ في المرمى.

– الآن… فأرديتُ السائق على الأرض وأردى أبو القسام الأربعةَ وعلا الصُّراخ
والعويل… فقال:

– سنحاصر المصابين بالرصاص ونمنع عنهم المساعدة والإسناد، فمن كانت إصابتُه
خطيرةً منهم مات.

وتمَّ ذلك بالفعل، فقد حاول مجموعةٌ من الجنود الوصول إليهم، فوقعت بيننا
وبينهم مواجهةٌ عنيفةٌ ردّتْهم خائبين، ثم استعانوا بجيب آخر، ولكنَّ منطقتَهم المكشوفة
لنا حالت دون وصوله، حتى وصلت ناقلة جنود مصفَّحة، اتّخذوها درعاً واقياً من الرصاص،
واحتموا بها إلى أن وصلوا إلى المصابين وانطلق الجيب الجريح مخلِّفا وراءه غيمةً سوداء
من غبار الطريق، وعدنا إلى نقطه البداية.

مضت نصف ساعة كأننا وسط أتون من النار، الرصاصُ وقودُه، وسوادُ الليل رمادُه،
وصوتُ البنادق كأنه صوت النار  تلتهم الحطب.
نظر إليَّ أبو القسام قائلاً:

ــ كأني قد أُصبت.

ــ أين؟      

ــ في فخذي الأيمن.

ــ تأكَّد!

ــ اشعر بحرارةٍ تسري في فخذي وكأني أحسُّ بدمٍ ينزف.

ــ هذه مشكلة

ــ المشكلة الأكبر أن ذخيرتي نفدت.   

على موعد سادس بإذن الله تعالى

مقالات ذات صلة