في العمق

استراتيجية الاغتيالات الصهيونية

المجد- وكالات

قبل الحديث عن سياسة الاغتيال الصهيونية لا بد من التعريف بالمصطلح الذي
يستعمل لوصف عملية قتل منظمة ومتعمدة تستهدف شخصية مهمة ذات تأثير فكري أو سياسي أو
عسكري أو قيادي ويكون مرتكز عملية الاغتيال عادة أسباب عقائدية أو سياسية أو اقتصادية
أو انتقامية. وبالنسبة للمؤسسة الصهيونية أن لعملية الاغتيال أهدافا مركبة.

وفي هذا السياق أشارت وسائل إعلام مؤخرا إلى أن أوساطا صهيونية فتحت ملف
جدوى عمليات الاغتيال السياسي، التي نفذها الموساد على مدار العقود الماضية من عمر
الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية، متخذة من عملية اغتيال الشهيد خليل الوزير أبو
جهاد في ربيع عام 1988 مثالاً.

تلك الأوساط عينها تساءلت، هل مكنّ اغتيال أبو جهاد -الشخصية الثانية في
حركة فتح بعد ياسر عرفات- المؤسسة الصهيونية من إضعاف العمل الفلسطيني المقاوم وكذلك
من تغيير سياق التاريخ، وهل كانت إيجابياته أكثر من سلبياته؟ لتخلص إلى إجابة على كل
هذه الأسئلة بـلا.

واعتبرت أن الفائدة الوحيدة من العملية كانت الإسهام في تشويه صورة دولة
الكيان على المستوى الدولي والمساهمة في تحميس الانتفاضة الأولى.

كذلك طرحت الأوساط الصهيونية أمثلة أخرى على سلبيات الاغتيالات السياسية
الصهيونية، وكذلك محاولة الاغتيال الفاشلة لرئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل،
معتبرة أنها ساهمت في تلميع صورته.

الاغتيالات بين الفكر والممارسة

على الرغم من مرور أكثر من خمسة وستين عاماً على إنشاء الكيان الصهيوني
في فلسطين، تثبت السياسات الصهيونية اليومية أن الاغتيال أصبح فكراً ومنهجاً منظماً
لدى قادتها وحكوماتها المتعاقبة.

فبعد إنشاء دولة الكيان عام 1948 أصبحت الاغتيالات سياسة راسخة عند قادتها
لا سيما أنهم شاركوا بالعديد من الاغتيالات، وعلى رأس هؤلاء بعض الشخصيات التي تبوأت
منصب رئيس وزراء دولة الكيان من قبيل إسحاق شامير، وإسحاق رابين وأرييل شارون، وشمعون
بيريز، ومناحيم بيغن، حيث انضووا في إطار العصابات الصهيونية، الهاغانا، والشتيرن والأرغون
وغيرها من العصابات الصهيونية.

وقد يكون من أهم أعمالهم قبل عام 1948 التفجيرات في الأسواق العربية، في
حيفا ويافا والقدس، وتوجت أعمالهم في اغتيال الوسيط الدولي الكونت برنا دوت في القدس
في 17 سبتمبر/أيلول 1948 بسبب صياغته تقريراً للأمين العام للأمم المتحدة يدين الكيان
ويحملها تبعات النكبة الكبرى في عام 1948. ‏

ولم تتوقف سياسة الاغتيالات الصهيونية، حيث حفل تاريخ دولة الكيان منذ
نشأتها في مايو/أيار 1948 بملاحقة بعض الشخصيات العربية والفلسطينية التي تعتبرها مناهضة
لتلك السياسة واغتيالها حتى في بعض دول أوروبا وأميركا وليس في العواصم العربية مثل
تونس وبيروت فحسب، وأصبحت الاغتيالات نهجاً صهيونياً ثابتاً تبنته كل الحكومات الصهيونية
المتعاقبة منذ عام 1948. ‏

ويعتقد أن سياسة الاغتيال الصهيونية لم تكن مقوننة في إطار القانون الصهيوني
المزيف، إلا أن الحقائق باتت راسخة بعد عملية اغتيال الشيخ المقعد أحمد ياسين مؤسس
حركة حماس وإشراف رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق أرييل شارون -الميت سريرياً- بنفسه
على تلك العملية، لجهة قوننة تلك السياسة الصهيونية إزاء الشعب الفلسطيني ورموزه بغض
النظر عن الخلفية السياسية لهذا الرمز أو ذاك.

وفي هذا السياق أكدت تانيا راينهات أستاذة اللسانيات في جامعة تل أبيب
في كتابها المترجم في دار الفكر في دمشق قبل عدة سنوات، أن سياسة الاغتيال السياسي
ليست جديدة في دولة الكيان، لقد استخدمتها داخل الأراضي المحتلة وخارجها منذ زمن طويل،
بما في ذلك أثناء السنوات التي تلت اتفاقات أوسلو.

الاغتيالات بعد انتفاضة الأقصى

يعتبر المراقبون أن النمط الصهيوني من الاغتيالات منذ عام 2000 هو غير
مسبوق، حيث بلغ ذروته باغتيال القادة الفلسطينيين أبو علي مصطفى -أمين عام الجبهة الشعبية
لتحرير فلسطين السابق- والشيخ المقعد أحمد ياسين، والدكتور عبد العزيز الرنتيسي.

ويرى عوزي بنزيمان -المحلل السياسي في صحيفة هآرتس الصهيونية- أن عمليات
الاغتيال التي تمّ اتخاذها من أعلى الهرم السياسي، تخلق ظروفاً تحفز دولة الكيان على
استئناف عملياتها العسكرية وتسرع دائرة العنف بعد مرور فترة وجيزة من الهدوء مع الفلسطينيين.

وبالعودة قليلاً نرى أن أخطر قرار في مباركة وقوننة عمليات الاغتيال الصهيونية
كان صدر عن المجلس الوزاري الصهيوني المصغر في 3 يوليو/تموز 2001 حيث أشار إلى مواصلة
سياسة الاغتيالات والتصفيات ضد النشيطين الفلسطينيين، وذهب المجلس المذكور إلى أبعد
من ذلك حيث أكد في الأول من أغسطس/آب 2001 أنه قرر اتباع السياسة المذكورة، ليس هناك
أحد من الفلسطينيين محصناً أمام الاغتيال.

وفي الاتجاه نفسه كان أفرايم سينيه -نائب وزير الحرب الأسبق- أعلن أكثر
من مرة أن جيش الاحتلال سيواصل ضرب الفلسطينيين، وأن الاغتيالات والتصفية الجسدية للفلسطينيين
تعتبر وسيلة فاعلة وأكثر دقة من غيرها، في حين زعم الرئيس الصهيوني السابق موشيه كتساف
في أكثر من مناسبة أن اغتيال صهيونية لكوادر فلسطينية يندرج في إطار الدفاع عن النفس.

دولة الكيان اغتالت الشرعية الدولية

يلحظ المتابع للقضية الفلسطينية منذ عام 1948 أن دولة الكيان أدارت ظهرها
لكل قرارات الشرعية الدولية، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك حين اغتالت الشرعية الدولية نفسها
عند اغتيال الوسيط الدولي في فلسطين الكونت برنا دوت في القدس في سبتمبر/أيلول
1948، أي بعد إنشاء دولة الكيان بأربعة أشهر فقط. ‏

وتعتبر عملية اغتياله، اغتيالا للحقيقة حيث سعى إلى إرسال رسالة إلى الأمم
المتحدة فيها توصيف دقيق للممارسات الصهيونية وعمليات الطرد التي طالت آلاف العرب من
قراهم ومدنهم في أنحاء فلسطين.

ولم تتوقف عمليات الاغتيال الصهيونية منذ عام 1948، بيد أنها كانت تظهر
كضرورة وسياسة صهيونية في أوقات محددة مسبقاً. ولهذا تعتبر عمليات الاغتيال الصهيونية
دالة على الإرهاب المنظم من قبل الحركة الصهيونية ودولة الكيان.

وتبعاً لذلك باتت الضرورة تتطلب، تشكيل مكتب إعلامي عربي دائم في إطار
مؤسسات الجامعة العربية، يضم خيرة الباحثين العرب في مجال الفلسفة وعلم الاجتماع، وإعلاميين
متمرسين وحقوقيين لفضح شخصية صهيونية الحقيقية وممارستها اللاإنسانية ضد الشعب الفلسطيني،
وهناك إمكانات متوفرة لكنها مشتتة ويمكن تجميعها. ‏

ومن الضروري أيضاً تبني الفضائيات العربية بشكل خاص والإعلام العربي بشكل
عام الفكرة المذكورة وإثارتها، فضلاً عن دورها الذي يجب أن يتسع لجهة فضح الممارسات
الصهيونية في فلسطين والدول العربية. وثمة دور هام يجب أن يتبناه الدبلوماسيون العرب
والجاليات العربية في عواصم العالم، من خلال إعادة إحياء أو اتخاذ قرار دولي يؤكد عنصرية
دولة الكيان، وقد يكون من الأجدى مخاطبة منظمات المجتمع المدني في دول الغرب. ‏

ومن المفيد أيضاً أن تقوم الفضائيات العربية ببث برامج وأقلام وثائقية
باللغة الإنجليزية والفرنسية لعدة ساعات خلال الأسبوع لتوضيح ممارسات دولة الكيان ضد
الشعب الفلسطيني وبشكل خاص عمليات الاغتيال التي طالت رموزا وشخصيات فلسطينية وعربية
ودولية، وقد يحد ذلك من الخلل الذي رسمته أدوات الإعلام الصهيوني في الغرب، والذي شوّه
إلى حد كبير صورة العربي عند الكثير من تلك الدول. ‏

نبيل السهلي

مقالات ذات صلة