عبرة في قصة

16 ساعة .. مهمة في كرم تسور (الحلقة الأخيرة)

المجد – خاص

استيقظتُ على وقع أقدام هائجة، لا يفصل بيني وبينها الا جدار رقيق من
( الطوب )، وصوت مكبرات الصوت يملأ الآفاق، يعلن منع التجول، نظرت إلى نفسي، وقد
أرهقها النوم، وملابسي تعلن عن نفسي. وجهي وشعري ألمسُ فيهما التراب المجبول
بالدم، كلها تقول لكل مبصر: هذا قادم من العملية، 
فأين المفرّ؟!

“اللهم إني قد استنفدتُ أسباب الأرض، فاجعل لي من لدنك سبباً
للنجاة”.

وقفتُ مع نفسي تحدّثني وأحدثها، وكأنها تشكّك، فلمزَت، وهمزَت، وقالت:

ــ كأنك استبدلت أمنية بأمنية، وغاية بغاية، ألم تُقبل على الشهادة
ليلة أمس، إقبال محبٍّ عاشق؟ ومضيتَ للقتل مضاء الواثق أن الجنة على بُعد رصاصة!
فما عدا ما بدا، حتى تبحث عن أسباب النجاة، وكأنها أسمى الأمنيات؟!

فقلتُ:

ــ بل هما غايتان بينهما رابط وثيق، فحين كان القتل نصراً وإغاظةً
للأعداء؛ جعلتُ الموت غاية، أما وإن الانسحاب بعد الإثخان نصر وإغاظة، وفية ظفر
وإفشال لهدف العدو في النيل مني، فقد جعلتُ النجاة غايتي! وظلَّتْ تجادلني
وأحاججها، وتماريني وأُفحمها، حتى سكنتْ حركة الأقدام وتوقّفت.

كان الفضول يدفعني لأعرف ما يدور حولي، وأن أحدد موقعي، لأحدد الخطوة
القادمة، تحركتُ نحو الباب مختلساً النظر بحذر شديد، الشمس ساطعة تعلن أن الساعة
الآن السابعة والنصف، وكلُّ شيء بدا واضحاً ومقلقاً. وها أنا أرى دبابة تبعد عن
مكاني خمسين متراً فقط. الشارع على اتساعه فارغ، باليمين الجيبات العسكرية التي
تمنع التجول، والمباني السكنية تتزاحم مناكبها وتحجب الأفق، وعن شمالي ساحة البيت
الهابط عن الأرض أنظر إليها من علوِّ مترين.

رجعت إلى زاويتي، أقيّم وضعي وأدرس إمكانياتي، أول ما خطر لي أني عطش
جداً، وجائع بلا وصف، عضلات جسمي مرهقة حد التمزق، والآلام شديدة في فخذي الأيمن،
تائه بلا خارطة للمكان، كل قطعة من ملابسي تدلّ علي، هذا يعني أني لا أستطيع
المغادرة في وضح النهار، ولكني لا أستطيع الانتظار لليل أيضاً، إن لم يكن بسبب
العطش، فبسبب الجامعة، فمسؤولية الكتلة الإسلامية على عاتقي، وغيابي سيثير ألف
علامة استفهام مشكِّكة!

صرت أقف على الباب دقيقة، وألقي جسدي المنهك في الزاوية دقيقة أخرى،
ولساني في حيّزه الجاف يجتهد بالذكر والدعاء.

حددتُ هدفي الجديد، أريد شربة ماء، ومعرفة الاتجاه الذي يوصل إلى وادي
حسكه، فقط إشارة يد، ولكن كيف؟؟ لقد أيستُ من تقليب الأمور وصرتُ أتخيّل أن نجاتي
لن تكون إلا بمعجزة، بيد أن عهد المعجزات دُفن في مقابر الأنبياء عليهم السلام.

خطر لي وأنا بالباب، أن اقفز إلى ساحة البيت، وأستعين على حاجتي
بأهله، ولكنها مجازفة خطرة، فمن يضمن أن أصحابه سيتعاونون معي إذا رأوني على
حاليتي المزرية، وإن تعاونوا فمن يدري أنهم لن يشوا بي ويسلموني للعدو، وبذلك أخسر
كل ما بذلته حتى الآن، وإن تحركتُ في هذه الأمتار الخمسة فمن يضمن أن أحداً من
الجيران لن يراني؟؟! لا…لا… هذه مخاطرة كبيرة، وخطوة متهوِّرة، الموت عطشاً
أحبُّ إليَّ من التفكير بها.

كلما صرفتُ عقلي عن التفكير في ذاك البيت، دفعني ضيق الحال وسوء
الموقف للتفكير فيه، فلا بديل غيره يصلح للتفكير!

وبينا أنا بالباب واقف، وإذا فتاة في العشرين من عمرها في لباس الصلاة
الأبيض، تنزل عن درجات الطابق الثاني الخارجي، انشرح لها صدري، فهذا الوقت لا صلاة
فيه إلا الضحى، وبيتٌ فيه فتاة في العشرين تصلي صلاة الضحى، أحسب أنه بيتٌ صالح،
هذه علامة جيدة، اطمئنَّ لها قلبي، ولكنها ليست كافية!

لم يطل الانتظار، انفتح باب الطابق الأرضي، وخرجت منه عجوز في
السبعين، في ثوبها الفلّاحي، متكئة على عصا، وفي يسراها كوب من الشاي، فتوسطت
الساحة على كرسيِّها تتلفّت. فقلتُ: هذه فرصة لا تفوَّت، هذه عجوز يستحيل لمثلها
أن تكون مرتبطة مع المحتل، ولست أريد منها إلا شربة ماء، وإشارةً باليد، ولا بأس
إن حُرمنا رشفة الماء!!

لا وقت للتردد، والحياة تحتاج إلى قليل من التهوّر، وكثير من
المجازفة، لتحقيق شيء فيها، والحسبة أحياناً تفسد التوكل على الله، وتضع الثقة
كلها في الأرقام والمعادلات. دعوتُ الله دعاء غريق في عرض البحر… وانطلقتُ بلا
تلكُّؤ.

فزعت المرأة من اقتحامي دون إذن، وسقوطي على الساحة كصخرة ارتطمت
بالأرض، أشرتُ بكلتا يدي، هدِّئي من روعك، وأعطيتُها الأمان. ولم ألبث أن سألتُ
حاجتي حتى خرجت الفتاة وأمها مضطَّربتين على وقع الارتطام! كدتُ أتحدّث إليهما،
ولكنهما لم يمهلاني، فأشارت الصغيرة بيديها في ارتدادات سريعة: أدخل! أدخل!

فاندفعتُ إلى الداخل، وأغلقتُ الباب، وعيني لا تصدّق ما ترى، جلستُ
على مقاعد الضيافة، والتلفاز أمامي صامت، وصور الجيبات العسكرية تتحرك فيه، فهذه
نشرة الأخبار تتناقل الحدث.

خرجت العجوز لترصد حركة الجنود، ودخلت الأم إلى الداخل، وجلست الفتاة
على الكرسي أمامي:

ــ أنت الذي كنت في ( كرم تسور)؟؟؟

ــ نعم.

ــ كل تلك الاشتباكات بسببك؟

ــ نعم.

ــ ملابسك مغسولة بالدم هل أنت مصاب؟ تحتاج إلى طبيب؟

ــ شكراً، لا يهم. أريد شربة ماء وسأغادر.

 حضرت الأم وقالت:

– أدخل من هذا الممر إلى آخره، اغسِلْ وجهك وشعرك. كان الواقف في
المرآة رجلاً يشبهني، كأنه أنا.. غير أنه نصف ميت، عائد من قبره! أما الماء، فهو
ماء قبل أن يمسَّ رأسي، وحين ينسكب في المغسلة فترابٌ مائع آسن.

 ارتويتُ من الماء، وكانت
الفتاة واقفةً أمام غرفة فقالت:

– تركتُ لك ملابساً على كرسي داخل الغرفة، بدِّلها بملابسك، هناك قميص
وبنطال وحذاء!

كان هذا أكثر مما توقعتُ، وفوق ما تمنيتُ، وأرفع مما تخيّلت! لم أفكر
بشيء وأنا ألبس شخصية غيري، ولم يحفل جسدي المتألم بنظرة متفحصة أو حانية، ترحم
آلامه وشكواه، فأمامي مهمة أحق بالنظر إليها منه، وألمٌ أخفُّ من ألم، وعناء أرحم
من عناء.

لم ألبث أن خرجتُ إليهن، وجلست على مقاعد الضيافة، وأخذت العجوز
تحدثني كيف اقتحم الجنود المباني المجاورة يعيثون فيها الفساد، وحمدت الله أني لم
أبقى في مبنى الثلاثة طوابق، وأن الله هداني لمغادرته، حين علمت أنهم اقتحموه
أيضاً.

وقفنا في الساحة، و أشارت الأم إلى برج اتصالات بعيد، وقالت:

– وادي حسكه من هذا الاتجاه، إذا وصلت البرج، فاسأل أحداً هناك،
وسيرشدك إلى المكان بالضبط.

شكرتُ لهم وتناولتُ قنينة ماء باردة، وتسلّقت السُّور، وانطلقت وقلبي
يخفق بشدة، سعادة وفرحاً، فالآن أستطيع السير بين الناس بأمان أكبر، وإن كنتُ
غريباً عن المنطقة، وألبس قميصاً زهرياً.. تلبسه الفتيات!!

مضيتُ مشدوهاً بما حدث، وعقلي لا يكاد يصدق ما جرى، فأي إرادة دفعتني
إلى هذا المنزل، وأي مشيئة تضبط حركة الإنسان، وأي أقدار تحركه وتحفظه، كم منزل
مررت به وبودِّي لو آوي إليه؟ وكم مكان مدَّ ذراعيه ليضمّني ضمة القبر فدفعَتْه
عني الأقدار؟ وكم مرة راودتني نفسي لألقي بها في مهمة قفرٍ ثم أخذَتْ بيدي مشيئة أعظم
من مشيئتها فأسلمتني لهذا المنزل الوادع، فتحصّنتُ به من مصائد العدو، لأفرَّ من
قدر القتل إلى قدر النجاة.

الساعة الآن الثامنة والنصف صباحاً، كنت أتحرك من شارع إلى شارع، ومن
حي إلى حي، أتجاوز الجنود المشاة، وأحياناً الجيبات العسكرية، ومضيتُ أقتطع
المسافات، وتقطع هي وقتي وجهدي وأنفاسي، كنت ولأول مرة منذ انسحابي أمشي بلا
هرولة، وأعيد شريط الأحداث منذ البداية، وأحاول التصديق أن كل هذا حدث في ساعة من
ليل.

بلغت الشارع الفاصل بين الجبل المطل على الوادي، وبين المناطق
المأهولة بالسكان، كانت المدرعة العسكرية تغتصب الشارع، وتمنع الاقتراب منه فزحفتُ
حتى صرتُ منها على بُعد أمتار قليلة، أرصدُ حركتها، حتى بلغتُ أبعد مدى، فاجتزتُ
الرصيف مسرعاً وألقيتُ نفسي في أرض معروشة بالعنب، تخفي كل ما تحتها، أمشي وأسمع
خفقات القلب تعزف أغنية النصر، وقدماي تحثّان السير على وقع النغمات، بيد أن حواسي
تعمل بكل حذر.

شارفتُ على الجبل، فبدا أول ما بدا لي من بعيد مأذنة مسجدنا، في الجبل
المقابل؛ مسجد الرحمن، حيث مراتع الصبا، وعمر الشباب، كادت تغلب صبري عبرة وقفت
على عتبات جفني، أظنها دمعة شوق وحنين، أو لعلها عبرة الفرح، لا أدري، كانت مشاعر
مختلطة، لم أكن أعلم أني أحب المسجد هذا الحب، إلا من تلك النظرة البعيدة في
الأفق.. حقاً لا ندرك قيمة الأشياء من حولنا إلا حين نفارقها… أو نكاد!

عدوتُ باتجاه الأحراش ركضاً، وانحدرتُ إلى قاع الوادي، هذا نحبه
ويحبنا، فلطالما أظلَّنا بظلاله، وأضفا علينا حنانه، فهنا تنزَّهنا، وهنا لهوْنا،
وهنا قطعنا الزيتون، وتحت تلك الصنوبرة سمرنا وشربنا وأكلنا، هذه مرابع لهونا وهنا
الصبا، والصبا مجمع الأحباب. في هذا المكان فقط شعرتُ بالأمان، ورحت أتسلّق الجبل
باتجاه البلدة بكل حماس.

في طريقي للقمة تضاعفت الآلام في جنبي الأيمن، وأحسستُ بها كما لم
أحسّ بها من قبل، حتى أوقفتني عن السير، وصارت الخطوة أمامي كأنها ألف ميل،
فارتميتُ على الأرض، وحاولتُ الزحف، غير أن الألم نال مني، فأعطيت نفسي نصف ساعة
لأستريح في ظل شجرة، ثم مضيتُ أجرُّ قدمي على مضض.

ومضت نصف ساعة على صلاة الظهر، وطرقتُ الباب مستأذناً، فدخلت ولم أكن
قد أعددتُ للسؤال جواباً! استقبلتني والدتي وهي تبتسم كعادتها، فأردت أن أستبق
دقّة ملاحظتها ليبدو الأمر طبيعياً، فمددتُ يدي الخصبة بالشوك وقلتُ بلا مبالاة
مصطَنعة:

ــ أريد تنظيف الأشواك من يدي.

ــ ما هذا؟

وقد بدت متفاجئةً، واختفت ابتسامتها وسط غمامة استنكار، لا أدري كيف
لفّقتُ لحظتها قصة هروب من ورشة عمل وسط المدينة، وقد زحفت في أرض من الشوك لأختفي
عن عين الجندي الذي لمحني من بعد، وكأنها اقتنعت أو تظاهرت فقالت:

ــ خرجت بملابس جديدة ليلة أمس، فأين هي؟!

ــ حين هربت من الورشة، تركتها هناك، وهربتُ بملابس العمل. دعينا من
الملابس، فأنا بحاجة إلى حمام ساخن.

ــ أتدري لمَ منعوا التجوّل في الخليل؟

ــ سمعتُ أن هناك عملية، وقعت أمس. فما التفاصيل؟

ــ اقتحام مغتصبة، قتل فيها ثلاثة جنود وجرح ثمانية، اثنان في حالة
حرجة.

ــ هل أعلنوا عن هوية المنفِّذ؟

ــ نفذَ العملية اثنان، واحد استشهد، والثاني انسحب، وهم يطاردونه
الآن.

ــ هل أعلنوا اسم الشهيد؟

ــ نعم، أحمد مسالمة ـ أبو يحيى، من قرية بيت عوا.

ــ الله يعطيهم العافية.

ــ سأحضّر لك الحمام.

ــ كم الساعة الآن؟

ــ الثانية عشر.

وقفت أنظر إلى التلفاز، وهو يتحدث عن تفاصيل العملية، ويبثُّ الصور،
وعيني تنكر مشاهد الجبال الوعرة، وعقلي لا يصدّق أني اجتزت ليلة الموت تلك.
تجاهلتُ التلفاز، ودخلت الحمام، فهالني ما رأيت! ثمانية رصاصات قد أصابت فخذي
المتورم، ثلاثة منها كانت قد اخترقت اللحم…!

بقلم الأسير المحرر /  علي عصافرة

مقالات ذات صلة