في العمق

الدوافع الحقيقة وراء اهتمام الكيان بالقارة السمراء

المجد –

 بدأت العلاقات الصهيونية الأفريقية
قبل قيام دولة الكيان في أواخر القرن التاسع عشر، حين فكر مؤسسو الحركة الصهيونية في
إيجاد بدائل للوطن القومي لليهود، حيث اختيرت أوغندا كموقع لدولة اليهود القادمة قبل
أن يتم الإجماع على فلسطين كوطن قومي لليهود، وظلت أفريقيا تستحوذ على اهتمام الحركة
الصهيونية العالمية.


واتجهت دولة الكيان نحو أفريقيا وتنامت علاقاتها معها لتصل إلى ما هي عليه
اليوم من تطور يهدد الأمن القومي العربي، وقد زاد ذلك الاهتمام الصهيوني بالقارة في
الآونة الأخيرة، ولاسيما مع توقيع دولة الكيان لاتفاقية التعاون في مجال الأمن الغذائي
وإدارة المياه في أفريقيا، مع منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية “اليونيدو”.


كما جاءت زيارة رئيس دولة جنوب السودان “سلفاكير” إلى دولة الكيان في العامين
الماضين لتدق ناقوس الخطر، وتكشف المستور عن علاقات الود والتعاون الخفي بين الدولة
الوليدة جنوب السودان والكيان الصهيوني، وهو ما فضحته كلمات “سلفاكير” لقادة
الكيان عندما خاطبهم أثناء زيارته لتل أبيب قائلاً: «كنتم تقاتلون عنا، ولولا دولة
الكيان ما قامت دولة الجنوب»، ويتزايد الخطر اليوم عقب توجه إثيوبيا نحو بناء سد النهضة
الإثيوبي وإشارة البعض إلى أن هذا السد بدعم ومساعدة صهيونية أيضاً.

 

إن المتابع للسياسة الصهيوني تجاه القارة الأفريقية يتضح له أن دولة الكيان
أرست لنفسها إستراتيجية مستقبلية للتعامل مع الدول الأفريقية تقوم على إقرار التفاعل
بين دولة الكيان والدول الأفريقية عبر مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

 

ويرجع المحللون هذا الاهتمام الصهيوني بالقارة السمراء إلى عدة أسباب ودوافع،
يأتي على رأسها الموقع الإستراتيجي للقارة الأفريقية ، كما تشكل أفريقيا حالياً ممراً
مهماً للتجارة البحرية الصهيونية، حيث يمر 20% من هذه التجارة أمام سواحل القرن الأفريقي
ومضيق باب المندب.

محاصرة العرب

يستند الاهتمام الأفريقي إلى رغبة الكيان الصهيوني محاصرة المصالح العربية المشتركة
وجنوب الصحراء وشمالها للوصول لمنابع النيل والتأثير على مصر والسودان، إضافة لمحاصرة
تأثيرات الدور الإيراني المتنامي فى القارة وإظهار الكيان فى صورة البديل الكفء لدور
عربي وإيراني متصاعد ومتنامي.

 

ولاسيما؛ لأن البُعد الأمني المتمثل في تأمين وجود دولة الكيان وإمكانية
تمددها تحت ضغط الهجرة المتزايدة، وتحقيق الشرعية السياسية من خلال كسر حلقة الحصار
المفروض حولها بتأمين وجودها باعتراف أكبر عدد من الدول بها ولضمان دعم مادي وسياسي
لها ولتوجهاتها فى المنطقة العربية وبالتالي كسر حاجز عزلتها العربية سياسياً واقتصادياً
بما يضمن وجودها وبقاءها وأمنها.


فقد وصل عدد الدول الأفريقية التى أعادت علاقاتها أو أسست علاقات دبلوماسية
جديدة مع الكيان 49 دولة، آخرها دولة جنوب السودان من مجموع الدول الأفريقية البالغ
54 دولة، بما يضمن لدولة الكيان في ذات الوقت دعماً سياسياً لسياساتها في المحافل والمنظمات
الدولية.

 

علاوة على الرغبة في السيطرة على ثروات وموارد القارة الأفريقية من خامات
معدنية ومعادن نفيسة عن طريق فتح أسواق دول القارة للتقنيات الصهيونية فى مجالات ومشروعات
الزراعة والرى والمرافق والبنية الأساسية والصناعة الاستخراجية وتقديم الخبرات لتسويق
منتجات تلك الدول في الخارج، وتوفير مستلزمات الكيان من السلع الوسيطة ومدخلات الإنتاج
من المعادن ومن أهمها الماس، حيث نجحت في تشغيله إضافة إلى اليورانيوم الذي تحتاج إليه
لتشغيل مفاعلاتها النووية أو كعنصر احتياط لتوفير الطاقة مستقبلاً، إضافة لتشجيع السياحة
في دولة الكيان.

 

كراسي السلطة

ومن ضمن الأسباب التي تجعل دولة الكيان حريصة على التواجد في القارة السمراء
هو تخوفها من وصول بعض التيارات الإسلامية المتشددة لكراسي السلطة فى دولها الأفريقية،
فهي ترى أن ذلك بالتأكيد فى غير صالحها باعتبار نظر هذه التيارات إلى دولة الكيان كونها
دولة غاصبة عنصرية يتعين مقاطعتها.

 

 وفي هذا الصدد توحي حكومات تلك
الدول بالتخوف من تصاعد تلك الحركات والتيارات وإمكانية تقديم الدعم بالسلاح والخبراء
للمساعدة في القضاء عليها، وذلك بهدف إيجاد غطاء قانوني لأجهزة المخابرات الصهيونية
“الموساد” وغيرها للتواجد في أفريقيا لمتابعة كافة المتغيرات التي تحدث على
الطبيعة وإمكانية تدخل فوري تحسباً لأي ظرف.

 

وتأكيداً لهذا، فقد نجحت دولة الكيان في استقطاب بعض زعماء الحركات الانفصالية
كما حدث مع إحدى فصائل دارفور التي افتتحت دولة الكيان مكتباً لها في تل أبيب، كما
لا يمكن تصور استبعاد الأيادي الصهيونية فيما يحدث بدلتا نهر النيجر بنيجيريا أو تغذية
الخلافات بين أثيوبيا وإريتريا بعد ابتعاد الثانية بعض الشيء عن دولة الكيان ، والصراعات
التي شاهدتها سيراليون وليبيريا وأنجولا ورواندا وزائير.

جاليات يهودية

علاوة على ما سبق، لا يزال يتصاعد الطموح الصهيوني في الحصول على نصيب
من مياه النيل، وهي في ذلك تملك الكثير من أساليب خداع دول حوض النيل والتي تتمثل كما
ذكرنا فيما تقدمه من خدمات لهذه الدول، إضافة لتحريض دول الحوض على إعادة النظر فى
اتفاقيات مياه النيل خاصة مع مصر، ولعل ما يلفت النظر في هذا الملف تركيز الزيارات
ومجالات التعاون والاستثمارات الصهيونية مع دولة أثيوبيا والتي يأتي لمصر منها 86%
من حصة مياه النيل، إضافة لدول أوغندا وكينيا وأخيراً جنوب السودان.

 

ويعتبر وجود جاليات يهودية كبيرة فى عدد من الدول الأفريقية أهمها جنوب
أفريقيا وأثيوبيا وزيمبابوى وكينيا والكونغو الديمقراطية، إضافة للبعد الأهم فى تلك
المنظومة والمتمثل فى تربية كوادر من أبناء تلك الجاليات لقيادة النشاط الصهيوني بدول
القارة الأفريقية، من ضمن الأسباب الدافعة الى الاهتمام الصهيوني بالقارة السمراء.

 

ومما سبق نجد أن معظم الدوافع التي تبني عليها الأهداف الصهيونية تهدف
إلى تطويق الأمن المائي العربي وتهديد أمن مياه النيل والسيطرة على اقتصاديات الدول
العربية وخلق تيارات مناهضة للعرب ومؤيدة لدولة الكيان داخل أفريقيا وإيجاد أسواق كبيرة
للصادرات الصهيونية وسرقة خيرات القارة السمراء.
 

مقالات ذات صلة