ملف خاص

الـ CIA والعملاء المزدوجون

المجد

العاملون في الظلام، هو الوصف المعتمد للعملاء المزدوجين. فإذا كان
عميل ما يعمل في العلن لصالح الدولة ألف، وفي السرّ لصالح الدولة باء، فهو عامل في
الظلام لصالح الدولة باء. وهو بالتالي عميل مزدوج.

إن واحدة من أخطر المشاكل التي واجهت وكالة المخابرات المركزية الـ CIA هي احتمالية أن يكون العميل مزدوجاً أي أنه يعمل لكلا الطرفين.

لقد حصل هذا الأمر فعلاً في كوبا، حين تجلّى  أن معظم العملاء الذين جندتهم وكالة المخابرات
المركزية منذ مطلع الستينات، كانوا “شتلات” تتسلّم تعاليمها من الرئيس
الكوبي فيدل كاسترو. وظلّ الحال هكذا حتّى عام 1987 عندما ارتد “جون أنطونيو
رودلرلز” الذي عمل لصالح المخابرات الكوبية والمخابرات المضادة لها، فبدأت
وكالة المخابرات المركزية تتعلّم أسلوب الخدعة.

أمَّا الصدمة الحقيقية فقد وقعت في السنة التالية، عندما ارتدّ الرائد
“فلورنتينوو اسبيلاها لمبارد” الذي عمل أيضاً لصالح المخابرات الكوبية.
كانت في جعبته تفاصيل أعظم من تلك التي يخبرها رودلرز، وشخّص ثمانية وثلاثين
عميلاً مزدوجاً يعملون ضمن قائمة عملاء وكالة المخابرات المركزية.

 فأُخضع كل العملاء تقريباً
لاختبار كشف الكذب وتخطاه أغلبهم، بينما كانت نتائج الاختبار لأكثر بقية العملاء
غير نهائية، الأمر الذي يعني أن ليس ثمة دليل يؤكد على ريائهم. أرسل هذا التجلي
موجات اهتزاز عنيفة داخل الوكالة سيّما داخل شعبة أميركا اللاتينية التي تضطلع
بقضية كوبا.

 وهنا أعاد بعضهم إلى الأذهان
التحذيرات المسبقة التي كانوا قد أدلوا بها. إذ عبّر، على سبيل المثال، كادر
المخابرات المضادة في وكالة المخابرات المركزية في مطلع عام 1976، عن خشيته من أن
يكون بعض الكوبيّين الموجودين ضمن جدول رواتب وكالة المخابرات المركزية عملاء
مزدوجين.

فالمعلومات التي قدموها كانت جدّ سطحية وغير نافعة. وكانوا، كذلك، على
اطّلاع عظيم بجميع عمليات محطة مدريد التابعة لوكالة المخابرات المركزية التي
كانت، على مدى السنوات الماضية، منطلقاً للعمليات التي استهدفت كوبا.

وتلك دلالة على أن تلك العمليات قد تعرضت للمساومة عليها أو أنها  أمست تحت السيطرة الكوبية. بيد أن أيّاً من هذه
التحذيرات لم تطرق مسامع أحد، ولم يحرّك أحد صوبها ساكناً.

لقد تلقى العملاء الكوبيون، كما يذكر رودلرز، تدريباً مكثَّفاً في
كيفية التغلب على جهاز كشف الكذب بعد أن أعلمهم مدربوهم أن اختبارات كشف الكذب لا
تعمل مطلقاً، وإذا ما فشلوا في الاختبارات فبإمكانهم على الدوام إقناع ضباط عمليات
وكالة المخابرات المركزية بأن عطلاً ما أصاب الجهاز. لذا لن يُظهر أكثرهم إمارات
التوتر التي يترجمها الجهاز بالكذب.

يعلّل رودلرز المشكلة في أن ضباط العمليات الأمريكيين الذين استخلصوا
المعلومات من الكوبيين لم يكونوا أنفسهم على اطّلاع بطبيعة الكوبيين،  ولم يفقهوا الكثير عن ثقافتها كي يتيسّر لهم
التحقيق مع أولئك العملاء بشكل فعّال. وقارن رودرلز هفوات الوكالة بالتصعيد لعملية
غزو خليج الخنازير، ويضيف: “إنهم لم يتعرّفوا إلى الكوبيين بعد، فليس بغير
الأحمق من يظن أن الناس، عام1961، سيخرجون عن دين فيدل كاسترو”.

ويقول ساندرس: “ليس غريباً 
لضابط قضية أن يقع في غرام عميل. فبمجرد أن تتطوّر علاقة خاصة بين ضابط وعميل
تنشأ بينهما تركيبة كيماوية فريدة، حتّى ليرفض التصديق أن العميل كذّاب أو مزدوج
وإن اتّضحت الحقيقة لديه”.

كان مخاض الخداع الكوبي أن وكالة المخابرات المركزية قد أهدرت عظيم
وقت وأنفقت كثير مال وظلّت، مع هذا، مشلولة لا تقدر أن تنال المعلومات التي كانت
بحق في فاقة إليها. وأكثر المعلومات التي زوّد العملاء المزدوجون بها وكالة
المخابرات المركزية كانت صحيحة لكنها لم تضمر، في الجانب العملي، إيذاء لكوبا.

عرض التلفزيون الكوبي مسلسلاً أظهر العديد من عمليات الـ CIA على الجزيرة طيلة سنوات مضت. لقد صور البرنامج كيف يلتقط ضباط
عمليات الوكالة وثائق تركها العملاء المزدوجون في أماكن نائية، أو كيف ألقى الضباط
بمعدات اتصال متطورة لعملائهم، أو اللقاء بهم في الدول الأجنبية لإملائهم بآخر
التعليمات.

 وفي الوقت الذي ادّعى فيه
البرنامج أن بعض الدبلوماسيين الأميركيين كانوا ضباط مخابرات خارج الوكالة، كانوا
في الحقيقة، داخلها. كما عرض البرنامج الخطط الهمجية التي كان يناقشها ضباط
الوكالة كاستبدال الخزانات الرديئة لخزن الأمونيا بحيث تتسرّب منها المادة
الكيماوية لقتل المحاصيل، على أساس أنها خطط حديثة ومستمرة، بيد أن الوكالة نبذت،
في حقيقة الأمر، مثل هذه الخطط منذ عام 1964.

كان “ريتشارد ستولز” يشغل منصب مساعد مدير وكالة المخابرات
المركزية للعمليات عندما تمّ الكشف عن العملاء المزدوجين، وهو قد خدم قبل هذا في
روما وموسكو وميونيخ واسطنبول وبلغراد ولندن، وكان رئيس شعبة السوفيات في شرق
أوروبا.

 لقد أعلم ضباطه أن كوبا نجحت
باستغفال وكالة المخابرات المركزية بالعملاء المزدوجين، بسبب الضغوط الهائلة التي
أحدثها البيت الأبيض والوكالة ذاتها للمضي بعملية التجنيد. كما أوقع
“ستولز” اللّوم على مبدأ “الغزو العرقي” ذاكراً أن الوكالة قد
حطّت من شأن قدرة اللاتينيين كثيراً. كما انتقد الاعتماد المفرط على كاشف الكذب
موضحاً أنه فن وليس بعلم.

المصدر: موسوعة عالم المخابرات

مقالات ذات صلة