عين على العدو

استراتيجية استبدال الشرايين

 


حتى لو رغب العرب في العزل بين ما يجري في لبنان والعراق وفلسطين، فإن أعداءهم لا يرغبون في ذلك، والمسألة أعقد من الأواني المستطرقة. فالولايات المتحدة والدولة العبرية بعد أن تطابقت الأجندتان خلال الفترة الرئاسية لبوش تصرّان على الربط بين هذه المشاهد المتباعدة جغرافياً لكن المتقاطعة تاريخياً واستراتيجياً، ولم يكن مصطلح الشرق الأوسط الجديد أو الكبير أو المعتدل إلا صيغة مقترحة لمثل هذا التقاطع، بهدف إعادة إنتاج المشهد برمته كي يبدو متجانساً، وداجناً وطيعاً كالعجينة بين الأصابع الأمريكية والملقط الصهيوني.


 


في مقالة نشرت قبل يومين في صحيفة “معاريف” يعقد أحد المعلقين وهو جاكي خوخي مقارنة بين بيروت وغزة، الهدف الأخير منها هو المباعدة لا المقاربة بين الحالتين، فحزب الله كما يرى يستعد لفوز سياسي ساحق في لبنان ويحدد لذلك موعداً هو انتخابات عام 2009 البرلمانية، ويقول إن لدى حزب الله ما يخاف عليه، لكن غزة التي أصبحت في مهب الحصار والنسيان ليس لديها ما تخشاه، لهذا فهي ليست ذات حسابات سياسية، ويعتقد المحاصرون فيها أنهم خسروا كل شيء ولم يعد لديهم ما يخسرونه.


 


هذا إضافة إلى ما يتصور أنه ضمانة دولية على الحدود اللبنانية ووجود ثلاثة عشر ألف جندي من القوات الدولية.


 


لن نستطرد مع المعلق جاكي أكثر من هذا فهو يذهب بعيداً في استخدام خياله السياسي، ويتحكم في توقعاته وعي كان جديراً به أن يتغير بعد حرب يوليو/تموز عام 2006، حيث لم تعد المعادلة الكلاسيكية قائمة، وأصبح للمفاجآت العسكرية دور في قلب الموائد السياسية.


 


إن حبل السرة والربط العضوي بين العراق وغزة وبيروت هو شيء آخر غير الذي يراه المعلقون في الصحف العبرية، إنه المقاومة أولاً وعاشراً، حتى لو اختلفت تقنياتها وتجلياتها بين هذا الاحتلال أو ذاك، فالقاسم المشترك بين الاحتلالات يفرض قاسماً مشتركاً آخر على أنماط المقاومة، ولا سبيل إلى تغيير هذا الناموس التاريخي والطبيعي أيضاً، لأنه من صميم الفيزياء وقوانينها الصارمة.


 


بيروت جرّبت الاجتياح عام 1982 لكنها تلقحت به ضد محاولة اجتياحها بعد ربع قرن، أي في حرب يوليو/تموز التي انتهت بهزيمة أقر بها الكنيست ولجنة فينوغراد، وأكثر من هذا أقر بها الواقع اللبناني ذاته عندما تحولت دبابات “ميركافا” إلى سدائب من الحديد الصدئ.


 


إنهم يحاولون البحث عن روابط صناعية وشرايين مصنوعة من المطاط أو القصدير بين مشاهد عربية. وحقيقة الأمر أن ما يربط بين تلك المواقع هو شرايين حيّة وأنساغ تنبع من الجذور، لهذا فإن المقاومة للاحتلال أو الاستعداد لصدّه وكسر ما تبقى من شوكته هي السياق العضوي الوحيد الذي يفرض معطياته وحراكه على أية مقارنات.


 


لكن فلسفة البحث عن بدائل صناعية وملفقة لأواصر عضوية وأصيلة هو من صلب استراتيجية الصهيونية، والتي تبنتها الولايات المتحدة خلال الفترة البوشية.


 


ولا أظن أن القارئ اليهودي لما يكتب بالعبرية في هذا الشأن قابل للمزيد من الخداع بعد أن شجت حرب يوليو/تموز رأسه، وأيقظته من حلم سرعان ما تحول إلى كابوس.

مقالات ذات صلة