عين على العدو

كيف هي الشراكة الوطنية مع قاتلي أطفال غزة؟!

 


منذ ما بعد انتخابات يناير كانون الثاني 2006 بقليل التي سجلت فيها حماس فوزا كاسحا ، وأنا أتساءل عن ماهية وطبيعة الشراكة السياسية والوطنية مع قيادات الحقبة الاوسلوية، وكيف يمكن أن تكون مثل هذه الشراكة مع جماعة رفضت الإنصات أولا إلى حقائق وطبيعة الصراع مع المشروع الصهيوني . وهي أيضا لم تراع الحدود والمعايير المطلوبة في حدوها الدنيا في سياق المسار التفاوضي مع “إسرائيل” . وهي بذلك تعامت قصدا وعمدا عن أن مشروع الحركة الصهيونية الذي تتولى “إسرائيل” تنفيذه يهدف إلى تحقيق السيطرة اليهودية الاحلالية على كل ارض فلسطين التاريخية . وحين نقول أنها تعامت قصدا ، فذلك مرده إلى النظر في طبيعة أوسلو الأمنية والاقتصادية القائمة على الشراكة لهدف تسويق “إسرائيل ” تطبيعيا في عموم المنطقة العربية الإسلامية . ولعل الراحل عرفات كان يدرك ذلك ، وكان يعلم طبيعة القيادة التي فُرضت عليه ، ولكنه كان يبني مستقبله ومستقبل مشروعه على حلم وأمل التوصل إلى الهدف النهائي بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على أراضي ال67 ، وهو وحده في الطاقم الاوسلوي كله من انتفض وتمرد على طبيعة الشراكة حينما لم تؤد إلى الدولة التي حلم بها لنفسه وللفلسطينيين . وكان ذلك عقب كامب ديفيد 2000 ، ليلقى العقاب سما قاتلا في طعامه من أطراف شركاء أوسلو: فلسطينيين و”إسرائيل” وأمريكا.


 


وهي بذلك أيضا من الجهة والسياق الأخر، لم ُتلزم “إسرائيل” وداعمها أمريكا بمرجعية قانونية سياسية دولية في مسار المفاوضات ؛ فأوسلو وكل ملحقاته وارتباطاته الاقتصادية والأمنية لم تحكمها مرجعية أممية ملزمة تحقق بالتالي الهدف النهائي لما يريده الشعب الفلسطيني من حد أدنى لحقوقه بتقرير المصير في دولة كاملة السيادة على جميع الأراضي المحتلة عام 67 ، وضمان  حق عودة لاجئيه الذين يشكلون أغلبية لأي مسار يتعلق بحق تقرير المصير للفلسطينيين ، بل إن قادة الحل السلمي الفلسطيني قدموا تنازلات جوهرية مسبقة بشأن الأرض وشرعية المحتل ومستقبل المقاومة وحتى مسألة الدفاع عن النفس الطبيعي، والمقابل لاشي ، سوى الاعتراف بمنظمة تحرير ما عادت كما كانت على كافة الجوانب والمسارات . والنتيجة استمرار في التوسع الاستيطاني “لإسرائيلي” حتى يومنا هذا ، وإيجاد شرعية تصل حد تكوين عرف دولي سلبي مقلوب لوجود الاحتلال على الأراضي المحتلة عام 67. أما الحديث عن ذبح الفلسطينيين وزجهم في السجون وتجويعهم وحصارهم وتدمير كافة مناحي حياتهم ، فهذا أمر أصبح في سياق الطبيعة والعادة في نظر صناع السلام يهودا وأمريكان وعربا وحتى فلسطينيين يؤمنون: أن لا خيار سوى خيار السلام الاستراتيجي التاريخي والأبدي وربما الأزلي إلى ما بعد يوم الدين والحساب .


 


ورغم ما ألم بالشعب الفلسطيني من مصائب على صعيد وحدته وحقوقه المشروعة بفعل إطار أوسلو الأمني والاقتصادي لصالح الاحتلال أساسا ، إلا أن عرابي هذا الإطار من الفلسطينيين ،رفضوا خيار الفلسطينيين في الأراضي المحتلة حينما صوتوا انتخابيا وبشكل ديمقراطي لصالح قائمة التغيير والإصلاح التابعة لحماس في فجر عام 2006 ، فلا هم تركوا ممثلي الفلسطينيين في الأرض المحتلة يأخذون دورهم القانوني الشرعي الذي هو مسؤولية حمّلها الناخبون أمانة القيام به، ولا هم قبلوا بمبدأ الشراكة الشاملة في السلطة ومنظمة تحرير، بل إن رجال أوسلو أعلنوها حربا ضروسا على خيار الناس الديمقراطي ، واعتبروا شراكة من فاز بثقة الشعب عارا جريمة وتوعدوا بفصول اللعب مع ممثلي الفلسطينيين على قاعدة “الخمسة بلدي “. وحوصر الشعب الفلسطيني ، ونُزعت من حكومته الناتجة عن الشرعية الجديدة معظم صلاحياتها الأمنية والإعلامية والمالية ، وحتى شؤون الأوقاف والحج والعمرة ، ثم كانت حلقات مسلسل الفوضى والتخريب الذي أشرفت عليه الأيدي الأمريكية والإسرائيلية في قطاع غزة . وكان غرض تلك الفوضى الخلاقة على الطريقة الأمريكية القضاء على خيار الشعب الذي هو خيار المقاومة، ومن ثم القضاء على المقاومة بالبدء بتشويهها أولا.


 


وحين حسمت حماس الأمر في غزة لإجهاض مشروع “دايتون” الأمريكي الذي أصبح معروفا ومكشوفا، وأكده تقرير مجلة (فانتي فيير )الأمريكية قبل شهور قليلة ، اعتبرت قيادة الخيار الأمني والاقتصادي التطبيعي مع إسرائيل ذلك انقلابا وخروجا على الشرعية ، كما كان الوصف جاهزا مع الحالة اللبنانية في ادعاء انقلاب حزب الله واحتلاله لبيروت بعد قراري حكومة السنيورة بشأن سلاح الشارة لحزب الله وامن المطار مؤخرا . واعتبرت هذه القيادة ما جرى في غزة في حينها فرصة للمضي في مشروع الشراكة الأمنية والاقتصادية مع إسرائيل للوصول إلى هدف اختراق العالم العربي سياسيا وتجاريا وامنيا . واعتبرت ما جرى أيضا فرصة ذهبية لخنق الناس وحصارهم في غزة علهم يثوبون عن خيارهم وحكومتهم المنتخبة بثقة المجلس التشريعي الفلسطيني . وبسبب هذا الحصار توفي أكثر من 166 فلسطينيا من المرضى الذين بحاجة للعلاج في الخارج بسبب إغلاق المعابر وتحديدا معبر رفح على الحدود بين غزة ومصر ، وتعاني غزة بفعل الحصار المحكم منذ قرابة السنة من نقص في الوقود والكهرباء والدواء وغيرها من متطلبات الحياة الأساسية . وقد ُوصف هذا الحصار من جهات دولية ومختصين في القانون وحقوق الإنسان بأنه جريمة حرب دولية بامتياز ، حتى إن الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر وصف هذا الحصار بأنه اكبر جريمة ضد حقوق الإنسان وجريمة حرب دولية .


 


وأداة الحصار تنفيذا وقتلا وتدميرا هي لا شك” إسرائيل” ، ولكن مفتاح الشرعنة والتبرير لهذا الحصار والإجرام بحق فلسطينيي قطاع غزة هو بيد القيادة الفلسطينية الرسمية ، وهذه القيادة هي من تعطي المبرر لإغلاق معبر رفح ، فهي على الأقل لم تطلب ولو لمرة واحدة فتحه من قبل مصر . وحين نقول بان القيادة الفلسطينية الرسمية هي من تعطي المبرر والمفتاح لإغلاق وحصار غزة من قبل”إسرائيل” وحتى مصر ، فهذا ليس تجنيا عليها ، ولكنه يستند إلى حقيقتين أساسيتين : –


 


الأولى : هو أن القيادة الرسمية في رام الله ما عاد لها من حجة وسند في استمرار مفاوضات عبثية لا تستند إلى مرجعية واضحة ، وثبت أن” إسرائيل” لا تلتزم بشيء حتى في سياق إزالة ما يسمى بالمستوطنات “العشوائية أو غير الشرعية” . وحتى بعد انابوليس ازدادت وتيرة البناء الاستيطاني بمئات وآلاف الوحدات الاستيطانية في الضفة الغربية والقدس ، هذا فضلا عن رؤية “إسرائيل” للتسوية القائمة على الاحتفاظ بالتكتلات الاستيطانية الكبرى في الضفة وعلى الاستمرار في بناء الجدار العازل وعزل الأغوار واعتبار “القدس الموحدة أو الكبرى “عاصمة “لإسرائيل” ، وأما اللاجئون الفلسطينيون فتقول الحكومة “الإسرائيلية” أنها لن تسمح بعودة لاجئ واحد إلى الأراضي المحتلة عام 48 ، وبالتالي في ظل هذا الفشل لمسار التفاوض مع إسرائيل ، ودون الوصول إلى الحد الأدنى من حقوق الفلسطينيين ، فإنه لا مبرر لوجود سلطة أصبحت عبئا على الفلسطينيين ماليا وخدميا وادريا وامنيا كذلك ، ولابد من أن يتحمل الاحتلال مسؤولياته بموجب القانون الدولي خصوصا في القانون الإنساني الدولي ” قانون الحرب ” واتفاقية جنيف لعام 1949، وغيرها من الاتفاقيات ذات الارتباط والصلة.


 


الثانية : هو أن القيادة الفلسطينية الرسمية حجتها مدحوضة منذ البداية ، بأن حماس انقلبت على الشرعية ،علما أن حماس هي جزء يشكل أغلبية في هذه الشرعية السياسية الديمقراطية،  ولا يمكن لشرعية أن تنقلب على نفسها . ثم إن التقارير العديدة والشهادات المحلية والدولية عززت موقف حماس في طرحها بأن ما جرى كان حسما لإجهاض مشروع حرب أهلية في غزة ، وبالتالي لا مبرر لرفض الحوار معها ووضع الشروط المسبقة.


 


استشهد مئات الفلسطينيين حصارا وتجويعا واغتيالا في غزة،  وكان معظم الذين قضوا من الأطفال والنساء والشيوخ المرضى والمدنيين. دمرت البنية التحتية في القطاع بسبب هذا الحصار، الوضع في غزة وصل درجة الكارثة صحيا وخدميا وفي كل شيء ، وكل ذلك يجري تحت غطاءين : التفاوض العبثي مع الاحتلال ، وكذا ادعاء الانقلاب على الشرعية .


 


ما الذي يمنع القيادة في رام الله من أن تعلن وقف التفاوض مع “إسرائيل” وقبول الحوار مع حماس لتشكيل وحدة وطنية في كل السياقات والهياكل والأطر وعلى رأسها منظمة التحرير ، ما الذي يمنع هذه القيادة من إعلان حل السلطة التي يراد منها خدمة الاحتلال وجعله نظيفا في سياق التزاماته تجاه الفلسطينيين و نظيفا بمعنى المسؤولية الأخلاقية والقانونية في مواجهة  المجتمع الدولي والرأي العام العالمي. وحدة الموقف الفلسطيني في سياق الحد الأدنى من حقوق الشعب الفلسطيني برفض التفاوض العبثي مع “إسرائيل “، أو بإعلان حل السلطة كفيل بأن يضع إسرائيل عند التزاماتها ، وبالتحديد برفع الحصار عن الفلسطينيين وعدم تبرير الجرائم بحقهم في غزة أو في الضفة الغربية المحتلة .


 


لكن الموقف الأخلاقي والوطني الذي يجب أن ُيبرز : كيف سيقبل أهل الضحايا والشهداء من الأطفال والشباب والنساء والشيوخ وعامة أهل غزة بالشراكة مع جهة فلسطينية كانت قد أعطت المبرر وأهدت المفتاح ل “إسرائيل” لإحكام حصار غزة وتشديد ضربها ، وقصف واغتيال شيبها وشبابها وشيوخها ونسائها . دماء أطفال غزة ليست للمتاجرة والمقامرة لإشباع أهداف وأغراض خاصة ، ولا أقول نزوات سياسية ، لأن أصحاب هذه الأخيرة لا يقبلون أبدا بارتكاب جرائم حرب وإنسانية ضد أهلهم وذويهم بفعل ترهاتهم ونزواتهم.

مقالات ذات صلة