عين على العدو

وأخيراً نزعت أميركا برقع الحياء!

 


من المؤسف له أن الإدارة الأميركية الحالية برئاسة جورج بوش الابن مازالت عاجزة عن فهم أسباب الغضب الذي يسود العالم العربي منذ خطاب النكبة الذي ألقاه الرئيس الأميركي أمام الكنيست الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي ثم أعقبه بخطاب أسوأ أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في شرم الشيخ .. والأشد مدعاة للأسف أن يرى أعضاء الطاقم المحيط بالرئيس الأميركي في المشاعر العربية أنها مجرد موجة غضب عاطفية سوف تنتهي قريباً فهذا هو حال العرب دائماً على حد زعمهم !


ولعلي بداية أقول إنه ليس صحيحاً بالمرة أن رد الفعل الغاضب في الشارع العربي تجاه خطاب النكبة أمام الكنيست مجرد موجة غضب عاطفية وإنما هي هبة تلقائية تعكس رفض الظلم والانحياز والازدواجية وغياب المصداقية عن السياسة الأميركية التي تستفز مشاعر الأمة بالإصرار على الكيل بمكيالين.


 


وربما عزز من عمق الرفض في الشارع العربي أن سجل السنوات الأخيرة لخطوات وتوجهات السياسة الأميركية منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003 قد كشف عن سفور فاضح في الترصد والتحامل على العالم العربي وهو أمر لم يكن بإمكان الضمائر الحية في العالم العربي أن تقف منه موقف المتفرج.


 


إن البعض في واشنطن بدأ يتحدث عن الخوف من توظيف غضب العالم العربي لخدمة التنظيمات والفصائل المتطرفة في الشرق الأوسط وتلك مغالطة مفضوحة لأنه لم يكن بإمكان الشارع العربي أن يظل صامتاً ومقيداً وعاجزاً عن الحركة لمجرد أن ينفي عن نفسه شبهة توظيف هذا الغضب في خدمة من تسميهم أميركا أعداء السلام في المنطقة.


 


إن رد الفعل العربي الغاضب يعكس إحساساً عريضاً بفقدان المصداقية في هذه الإدارة الأميركية التي لم يصدر عنها طوال 8 سنوات ما يمكن أن يشير إلى حد أدنى من متطلبات احترام المشاعر العربية سواء في العراق أو في فلسطين.


 


ولست أريد أن أقول أيضاً ما قال به كثيرون غيري من أن فجاجة الانحياز الأميركي الذي برز بوضوح في خطاب بوش أمام الكنيست وأمام المنتدى الاقتصادي العالمي في شرم الشيخ لم يترك لأحد في العالم العربي أي خيار فقد كان لزاماً على الكل أن يقولوا وبملء الفم لا لمثل هذا الخطاب السيئ والمستفز الممتلئ بكل عبارات التجاهل لمعاناة الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة من ناحية. والدعم والتأييد بلا حدود لنوايا التوسع والهيمنة لدى “إسرائيل” من ناحية أخرى!


 


وهنا أقول إنه كان ينبغي على أهل واشنطن الذين استهانوا بدوافع الغضب في العالم العربي أن يضعوا أمام أعينهم عدداً من الاعتبارات أهمها إحساس الأمة العربية بأنها تشهد نمطاً جديداً من اللهو المأساوي على مسرح السياسة الدولية حيث استباح الفتوة العالمي الجديد لنفسه حق غزو العراق قبل 5 سنوات لمجرد اشتباه ثبت عدم صحته في امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل بينما يقف هذا الفتوة موقف المفاخر والمباهي ب”إسرائيل” في ذكرى 60 عاماً على قيامها وهو أول من يعلم كل صغيرة وكبيرة عن ترسانتها النووية وعن عدم احترامها لمقررات الشرعية الدولية وممارستها الهمجية التي حولت حياة الفلسطينيين إلى جحيم لا يطاق.


 


لقد غاب عنهم ـ للأسف الشديد ـ أن العقل الباطن في الشعور العربي قد استرجع ملف الحصار والحظر والتجويع الذي أصرت أميركا على أعماله بقسوة ضد العراق وضد دول عربية أخرى لسنوات طويلة في الوقت الذي تكافئ فيه “إسرائيل” على جرائمها العدوانية بسيل من المساعدات المالية والعسكرية والحماية السياسية في المحافل الدولية.


 


لقد قرأت بعض التلميحات والإيحاءات التي تحذر من مخاطر استمرار إظهار ردود الفعل العربية الغاضبة تجاه السياسة الأميركية بدعوى أن ذلك يصب دائماً في خانة الانحياز الأعمى ل”إسرائيل”.. وهؤلاء يتجاهلون أن مشاعر الغضب عندما يفيض الكيل بأصحابها لا يمكن لأحد أن يفيد حركتها.


 


وليت الذين يتحدثون عن الغضب العربي باستهانة ويعتبرونه مجرد موجة طارئة يدركون أن الأمة العربية من محيطها إلى خليجها قد أصبحت على اقتناع تام بأن أميركا التي لم تقابل مبادرات الاعتدال المتتالية التي طرحتها القمة العربية بما تفرضه عليها مسؤوليتها كقوة عظمى وراعية لعملية السلام ولو عند الحدود الدنيا لمعايير العدل والمصداقية لن تنتقل من مربع الانحياز الأعمى ل”إسرائيل” ومن مربع التحامل والترصد والمستفز ضد العرب إلا عندما تحس بأن هناك قدرة عربية على ممارسة نوع من الضغط المحسوب والذي لا يتوافر منه ـ في ظل الظروف الراهنة ـ سوى مشاعر الغضب بكل ما فيها من صدق وتلقائية الرأي العام الذي ليس مقيداً بأي حسابات أو التزامات على المستوى الرسمي.


 


وربما يقول أحد ـ والقول صحيح ـ إن خطاب بوش أمام الكنيست لا يمثل تحولاً جوهرياً في أجندة السياسة الأميركية المنحازة ل”إسرائيل” على طول الخط حيث الانحياز قديم ومتوارث إدارة بعد أخرى .. ولكن الجديد هذه المرة أن الخطاب كان إشهاراً صريحاً بأن أميركا قد خلعت برقع الحياء ولم تعد تتحرج من أن تسمي الأشياء بمسمياتها طبقاً لقاموس السياسة الأميركية الجديد الذي أدخل عليه المحافظون الجدد تعبيرات جديدة بينها اعتبار “إسرائيل” دولة يهودية خالصة بكل ما في التعبير من دلالات عنصرية بغيضة من ناحية ـ وبكل ما في المضمون من دلالات تمنح هذه الدولة العبرية حق التوسع.


 


ولاشك أن تركيز خطاب النكبة أمام الكنيست وبلسان رئيس القوة الأعظم في عالم اليوم حول حق “إسرائيل” المطلق في الدفاع عن نفسها ليس لمجرد التضامن الأميركي مع “إسرائيل” وإنما الهدف هو ترسيخ عقيدة المحافظين الجدد التي تعاملوا بها عند غزو العراق بغير غطاء من الشرعية الدولية وادعاء الحق في شن حروب استباقية لدرء أخطار محتملة في قفز صارخ على القانون الدولي الذي لا يبيح حق استخدام القوة ـ طبقاً لميثاق الأمم المتحدة ـ إلا في حالة الدفاع عن النفس ضد غزو أو هجوم يكون قد وقع بالفعل وليس ضد خطر محتمل قد يقع مستقبلاً!


 


أريد أن أقول بوضوح أنه لم يكن بإمكان أحد في العالم العربي أن يتجاهل هذه المواقف المليئة بكل دلالات الانحياز والنفاق ل”إسرائيل” التي وردت في خطاب النكبة والتي لن تفرز سوى إشارات تشجيع ل”إسرائيل” لكي تواصل عدوانها وإرهابها ضد الشعب الفلسطيني ومواصلة ابتلاع المزيد من الأراضي الفلسطينية الخاضعة للاحتلال منذ عام 1967 أي منذ 41 عاماً.


 


لقد كانوا يتعللون في الماضي بأن رفض العرب والفلسطينيين لمبدأ التفاوض المباشر مع “إسرائيل” هو الذي يبرر ل”إسرائيل” شكوكها وعندما جرى إسقاط هذه الحجة وقبل العرب والفلسطينيون بالتفاوض المباشر فإنهم لم يجدوا سوى مزيد من الانحياز الأميركي ومزيد من المماطلة والتسويف من جانب “إسرائيل”.


 


إن البعض في العالم العربي ـ وأنا من بينهم ـ يرى أن خطاب بوش أمام الكنيست لم يكن مجرد تأكيد للالتزام الأميركي بحماية وجود وأمن “إسرائيل” وإنما جوهر النكبة فيه أنه جاء بمثابة إلغاء صريح لحقوق سياسية وقانونية وإنسانية للشعب الفلسطيني وبما يعني الرغبة في فرض تغيير قسري على معادلة الصراع.


 


وإذن ماذا ؟


إن الذين يشككون في جدوى وأهمية إظهار مشاعر الغضب العربي تجاه ما صدر على لسان الرئيس بوش أمام الكنيست الإسرائيلي وأمام المنتدى الاقتصادي العالمي في شرم الشيخ يريدون أن ينزعوا من أمتنا حق الغضب بعد أن نجحوا في انتزاع حقوق مشروعة عديدة. وأظن أن هناك فارقاً كبيراً بين التأكيد على حق الغضب العربي المشروع وبين الذين يفسرون هذا الغضب ـ بالخطأ ـ على أنه مقدمة للصدام والقطيعة مع أميركا.


 


وهنا أقول بكل الوضوح إن ذلك ليس هو مقصدي ومن ثم لابد أن يكون واضحاً في ذات الوقت أن هناك فارقاً شاسعاً بين الغضب والصدام مثلما هناك فارق شاسع بين الاعتدال المقبول والمرونة الضرورية التي قدمت أمتنا أكثر من دليل عليها لإنجاز حلم السلام وبين ما ورد في خطاب الرئيس بوش وكأنه دعوة صريحة للخضوع والتساهل والتفريط الذي لا يؤدي إلى سلام وإنما يعني استسلاماً والذي لا يوفر أمناً وإنما يضع المنطقة بأسرها فوق كومة من القنابل الموقوتة القابلة للانفجار في أي لحظة.


 


إن من حق الأمة العربية أن تعبر عن غضبها من الانحياز الأميركي المصحوب بتشدد “إسرائيل” لأنه إذا كان العرب والفلسطينيون قد قبلوا بالتخلي عن بعض ثوابتهم لكي يثبتوا حسن نياتهم فإنه ينبغي أن يكون واضحاً أن للمرونة حدوداً وأن للتنازلات سقفاً وأن السلام لا يمكن القبول به إذا كان مغنماً لطرف وغرماً فادحاً للطرف الآخر.


 


إننا نعرف جيداً أننا نعيش مرحلة استثنائية في العلاقات الدولية يغلب عليها منهج الاحتكام للقوة بصورة مطلقة وليس بصورة نسبية كما كان عليه الحال خلال حقبة الحرب الباردة حيث كان يوجد وقتها هامش للمناورة .. ثم إننا نعرف أيضاً أن معطيات المرحلة الاستثنائية الراهنة تجعل من الصعوبة إمكانية الرهان فقط على مرتكزات الشرعية الدولية أو الاعتماد على بنود القانون الدولي.


 


ولكن ليس معنى ذلك أن يقول أحد بحرماننا من حق الغضب المشروع لمثل هذه السياسات الظـالمة خصوصاً ونحن نعرف تماماً أن التاريخ لم يعرف نظرية الأقدار المطلقة والدائمة وإنما التاريخ حركة متغيرة ولا يمكن للأمم الواعية أن تسقط من اعتبارها أن التغيير سوف يجىء يوماً وأن توقيت حدوثه مرتبط بما تفرزه العلاقات الدولية من تحركات وتحولات وما تشهده الساحة الدولية من انتصارات وانكسارات.


 


بوضوح شديد أقول إن الذين يتصورون أن القوة الأميركية المطلقة التي تسعى لفرض مشيئتها اليوم على مفاتيح السياسة الدولية هي قوة أبدية مخطؤون تماماً في تصوراتهم وحساباتهم!


 


لعلي أكون أكثر وضوحاً وأقول إن مرحلة تغييب قواعد الشرعية الدولية التي نعيشها الآن نتيجة الاحتكام فقط لأدوات القوة هي مرحلة مؤقتة مهما طال الزمن… وحساب الزمن في حركة التاريخ لا ينظر إليه في إطار الرؤية الإنسانية للزمن لأن ما يراه البشر زمناً طويلاً يعتبر في الساعة الزمنية للتاريخ بضع لحظات عابرة كأنها جسر انتقال من شاطئ إلى شاطئ آخر.


 


إن القوة مهما تعاظمت ربما يكون دويها هائلاً ولكن عمرها قصير وبالتالي من الخطأ أن يتصور أحد أن هذه الأوضاع المقلوبة في الساحة الدولية سوف تستمر إلى ما لا نهاية.. وإنما المرجح والأكيد أنها ستتغير حتما وفي أمد غير بعيد!


 


وإذا كان الغضب داخل صفوف الرأي العام الأميركي يبدو واضحاً ومؤثراً ومنذراً بكلمة جديدة ومحتملة في انتخابات الرئاسة الأميركية قبل نهاية العالم الحالي فكيف ينظرون إلى غضبنا المشروع على أنه خطأ وخطيئة وأنه ربما يؤدي لمزيد من الانحياز ل”إسرائيل” ولمزيد من التحامل علينا باسم اللافتات المخادعة التي تحمل عناوين الديمقراطية وحقوق الإنسان!


 


ويخطئ من يقلل من أهمية ومشروعية الغضب المشروع وقدرة هذا الغضب على تقصير عمر همجية القوة التي طال ليلها وبدأت انعكاسات سواد ليلها المعتم ترتد علينا وعلى مصالحنا الحيوية وحقوقنا المشروعة!


 



 


مرة أخرى وإذن ماذا؟


 


لا أظن أن مشاعر الغضب التي سادت العالم بأسره على مدى الأسابيع الأخيرة بعد خطاب الرئيس الأميركي بوش الابن أمام الكنيست الإسرائيلي وأمام منتدى شرم الشيخ كانت مشاعر موسمية يمكن لها أن تزول بمضي الوقت.


 


إنني أظن ـ وظني صحيح إلى حد كبير ـ أن مشاعر الغضب امتدت على اتساع العالم العربي بقدر الإحساس بأن الخطر أكبر من أن ينظر إليه في إطار انحياز سافر من أميركا لصالح “إسرائيل” على حساب حقوقنا المشروعة من ناحية واستقلال إرادتنا في رفض أي محاولة لدس الأنف في شؤوننا الداخلية من ناحية أخرى.


 


إنني أكاد أسمع صوت الرأي العام العربي وكأنه يدعو إلى مراجعة عربية شاملة لكل معطيات وتداعيات ما قاله الرئيس الأميركي مستفزاً ومستهيناً بمشاعر أمة عظيمة يراد لها أن تستسلم لصالح رغبات التوسع باسم الأساطير التوراتية ورغبات فرض المشيئة باسم الديمقراطية.


 


والحقيقة أن هذه المشاعر العربية الغاضبة تمثل علامة صحة وعافية في العقل والجسد العربي ولكنها لم تكن بحاجة إلى هذه الهزة العنيفة التي نجمت عن فجاجة وغشامة لغة الخطاب الأميركي لكي تصحو وتفيق من غيبوبة استرخاء طالت بأكثر مما ينبغي تحت وهم الاعتقاد بأن هناك سقفاً للانحياز والسفور الأميركي يصعب تجاوزه إلى هذا الحد الذي شاهدناه في خطابي الكنيست ومنتدى شرم الشيخ.


 


عموماً رب ضارة نافعة لأن الأصوات التي كانت تروج للمشروع الأميركي في المنطقة وترى فيه طوق أمان لم يعد لها أي وجود وأصيبت ألسنتها بالخرس التام بعد أن اتضحت الصورة وسقطت الأقنعة وانكشف الزيف!


 


لقد بات واضحاً للجميع أن إدارة بوش الحالية مازالت بعيدة وبعيدة جداً عن أن تكون وسيطاً شبه نزيه في أي قضية بين العرب و”إسرائيل”… وتلك هي العقدة الحقيقية التي تغلق كل أبواب الأمل في نشوء دور أميركي محايد في المنظور الراهن.


 


إن ما قاله بوش أمام الكنيست وأمام منتدى شرم الشيخ لم يخيب آمالنا فقط وإنما كشف بوضوح عن تواطؤ أميركي وليس مجرد انحياز اعتدنا عليه لسنوات طويلة كما أنه كشف عن تحامل رخيص على حقوقنا المشروعة في إدارة شؤون بلادنا برؤيتنا الذاتية بعيداً عن نزعات الوصاية ورغبات السيطرة!


 


إن من الظلم للحقيقة ولأنفسنا أن يدعونا أحد لأن نلتزم الصمت بعد أن فاض كيل الانحياز وطفح سم التحامل… ولدينا والحمد لله حجج قوية تمكننا من إدارة حوار متكافئ إذا رغبوا في ذلك … أتحدث عن حوار عاقل ومدروس بعيداً عن مفردات التراشق!

مقالات ذات صلة