الأمن المجتمعي

الجهاد في سبيل الله هو جوهـر العقيدة العسكرية الإسلامية

نطل عليكم من هذه النافذة “الأمن العسكري” في خطوة نسعى من خلالها وضع العمل العسكري في الاطار الشرعي الذي يبنى عليه أمن المجاهد عسكريا من حيث الجوانب التعبوية والروحية أولا لننطلق الى الجوانب العسكرية البحتة كالاعداد والاجراءات والتحصين… الخ .  وهنا  تتبلور المبادئ الأساسية للاستراتيجة العسكرية الامنية الإسلامية أخذاً من القرآن الكريم والسنة الشريفة في عقيدة الجهاد في سبيل الله، فقال الله تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (الحج:78).


وقال تعالى: (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حقاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة:111).


وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”وإذا تركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم“. أخرجه أبو داود.


وفي الحديث الصحيح: ”من مات ولم يغزو ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق“ رواه مسلم.


 


الجهاد مبدأ من مبادئ الإسلام:


فالجهاد بوجه عام يعتبر مبدأ من مبادئ الإسلام التي أخذت مكانها بين عقائده وفروعه، واستقرت دعوة القرآن إلى الجهاد – على عمومه – متعلقة بذمة المسلمين جماعة وأفراداً وتقتضيهم أن يؤمنوا بتشريع الجهاد – عامة – كإيمانهم بأي معتقد صحيح سواه، وأن يقوموا بتنفيذه كما يجب أن ينفذوا غيره مما فرض الله.


وقد قرن الله الجهاد بالإيمان وجعله دليلاً عليه أو ثمرة طبيعية له. كما يفهم من قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحجرات:15). فإن ذلك يفهم منه أن الجهاد بالأموال والانفس آية على عمق الإيمان وصدقه في النفوس. كما ان بعض الفقهاء يعتبر الجهاد ركناً سادساً من أركان الإسلام.


 


الجهاد تكليف وتكريم للأمة الإسلامية:


ولقد جعل الله تعالى الجهاد هو الوظيفة الشريفة التي كرم بها الأمة الإسلامية كما يفهم من قوله تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ) (الحج:78) (أي اختاركم) فالاختيار هنا تكريم وتشريف لهذه الأمة التي جعلها الله في خير منزلة بين الأمم في قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أمة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران:110) وفي قوله سبحانه: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (البقرة:143).


ومعنى أمة وسطاً: أي خياراً معتدلين ”إن خير الأمور الوسط“ ومعنى شهداء على الناس: أي في مقام عال فإن الشهيد لغوياً هو الذي ينظر من عل.


وقد سبقت حكمة الله جل شأنه أن تكون أمة محمد مجاهدة عزيزة الجانب ولم يرد لها أن تخضع ولا ترضى بالذلة ولا أن تستكين إلى هوان لذلك أوجب الإسلام على المسلمين الجهاد في سبيله وإعلاء كلمته ونصرة الحق والدفاع عن العقيدة والوطن والأمة.


 


 الهدف من الجهاد في سبيل الله:


وتتميز عقيدة الجهاد بوضوح الهدف، فإن الغرض من الجهاد ليس غرضاً مادياً أو حظاً دنيوياً، وليس اغتصاباً لحق أو عدواناً على أحد، وإنما هو أعلاء كلمة الله، وكلمة الله هي الحق وهي العدالة وهي الرحمة وهي الإخوة وهي السلام العام للفرد في نفسه ودمه وماله وعرضه وللأمة في كرامتها وعزتها وكل مقدساتها، وللناس جميعاً كما يفهم من قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) (سورة البقرة:208).


وقوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (الأنفال:61).


ثم إن كلمة سبيل الله تسع كل القيم السامية فلا يتأتى معها جور أو غدر أو عدوان.


 


الجهاد والإيمان:


وربط الله سبحانه وتعالى الإيمان بالجهاد في صورة محكمة متماسكة بحيث يزول الإيمان عند الفرار من الجهاد وعند النكوص عنه وفي ذلك يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أو مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (الأنفال:15-16).


ويقول جل شأنه: (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حقاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة:111).


ومما يذكر أنه حينما نزلت هذه الآيات قال الصحابة رضوان الله عليهم ”ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل“ وكان المسلمون الأولون يتسابقون إلى الجهاد ولا يعتذرون عنه أو يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم في التخلف عنه كما يقول الله: (لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) (التوبة:44).


أما المنافقون الذين لا إيمان لهم فكانوا ينتحلون المعاذير فراراً من الجهاد ويستأذنون في النكوص عنه ويلجئون إلى الإستنابة عنه والفتور كما يقول الله فيهم (إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) (التوبة:45).


وهكذا كان من أجل إرضاء الله سبحانه وتعالى ومن أجل دخول الجنة حيث النظر إلى وجهه الكريم، يتسابق المؤمنون في الجهاد فقد روى الإمام مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: ”انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر وجاء المشركون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض“.


فقال عمير الأنصاري رضي الله عنه: يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض؟


قال: نعم.


قال: بخ بخ !!


فقال رسول الله: ما يحملك على قول بخ بخ!


قال: لا والله يا رسول الله، إلا رجاء أن أكون من أهلها.


قال: فإنك من أهلها.


فأخرج تمرات من قربة فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمرات ثم قاتلهم متى قتل“ رواه مسلم.


وجاء أعرابي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فآمن به ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه، فكانت غزاة غنم فيها النبي صلى الله عليه وسلم. فقسم عليه السلام وقسم له فقال الرجل: ما هذا؟ فقال: قسمته لك، قال: ما على هذا اتبعتك ولكن اتبعت على أن أرمى إلى هاهنا (وأشار بيده إلى حلقه) بسهم فأموت فأدخل الجنة، فقال: إن تصدق الله يصدقك، فلبثوا ثم نهضوا في قتال العدو، فأتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أهو هو؟ قالوا نعم. قال: صدق الله فصدقه، ثم كفن في جبة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قدمه فصلى عليه، فكان مما قاله مما ظهر من صلاته دعاؤه: ”اللهم هذا عبدك خرج مهاجراً في سبيلك فقتل شهيداً، وأنا شهيد على ذلك“ أخرجه النسائي.


وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو المعبر الصادق دائماً عن موقف المؤمنين يقول فيما رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ”والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم اغزوا فأقتل، ثم أغزو فأقتل“.


فهو أمام المجاهدين حقاً وأعلمهم بما ينال الشهداء من رضوان الله، وبما أعده لهم جزاء على صدق جهادهم وبلائهم، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) (آل عمران:169-170).

مقالات ذات صلة