عين على العدو

نكبة فلسطين المستمرة: حين تصبح «الوقاحة» واجباً ملحاً

 


لأن من المعروف أن المستقبل لا وجود له إلا في الحاضر، فإن استمرار «التوافق المائع» حول مقاربة المسألة الفلسطينية ليس موقفاً يتسم بالنفاق فحسب، بل هو تواطؤ مع الحالة الإجرامية وتعاون معها.


 


ثمة ظاهرة غريبة تستبد بالعالم بخصوص فلسطين، ويصعب توصيفها حقاً، ناهيك عن فهمها. فهي تكاد تكون نوعاً من تحويل الحالة الفلسطينية إلى وضع «افتراضي» (virtuel)، بمعنى العالم الوهمي الذي نتحدث عنه أو بصدده كما لو كان قائما، وهو وضع يسهّله اليوم اتساع نطاق تداخل الوهم-افتراضي مع الواقعي في كافة نواحي الحياة. يحدث ذلك بدءا من التعاملات المالية الكبرى والصغرى، ومرورا بهيمنة السرد القصصي أو فن الـstorytelling على الوقائع السياسية، في الإعلام على الأقل وهو على ما هو عليه من قوة، وانتهاء باللعبة الالكترونية الشائعة والتي أطلق عليها اسم – يا للدلالة – «حياة ثانية»!


 


إلا أنه ومهما بلغت قوة هذه «الايديولوجيا»، يصعب أن تروي لمن تسير أحوالهم بشكل سيء للغاية بأن الوضع يتحسن! وهو ما حاوله بطريقة بائسة الرئيس الأميركي بوش منذ عزز اهتمامه بالوضع الفلسطيني مع مؤتمر أنابوليس وشعاره الشهير «دولة فلسطينية قبل نهاية 2008»، وانتهاء بزيارته الأخيرة للمنطقة قبل بضعة أيام. هذا بينما تخرج علينا شاشات التلفزة يومياً بتلك الصور الفظيعة لآباء يرفعون على أكف أيديهم أشلاء أطفالهم، يقدمونها لعدساتها التي لا ترتوي… وبينما تستكمل إسرائيل جدارها الملتف حول كل القرى والمدن، وعلى رأسها القدس، عازلاً إياها عزلاً تاماً، سوى من أنفاق معدة لحركة الفلسطينيين، يخرجون ويدخلون منها، تماماً كـ… الجرذ.


 


وبينما يصاب المسؤولون الفلسطينيون بالفصام التام، فلا يكف محمود عباس عن الإعلان أن المفاوضات لا تحرز أي تقدم، وأنها وصلت إلى طريق مسدود، لكنه يستمر فيها. فهل حقاً لا خيارات أخرى أمام الفلسطينيين سوى فصل المستقبل عن الحاضر وهو التهيئة المثلى للضحايا كي يبتلعوا خسارتهم؟ هل يشكل حقاً استمرار السلطة الفلسطينية في احتلال مكانها أخف الضررين، إذ وكما تحاجج، فلمن تترك الشعب الفلسطيني. أم بات ذلك يشكل مشاركة فعلية، وبغض النظر عن النوايا، في فبركة التعمية؟ وللحق واستطراداً، فتلك «قصة موت معلن»، لكل طرف من أطرافها مبرراته في احتلال مكانه فيها، فيقال مثلاً إن الأوروبيين لم يسددوا بعد دينهم التاريخي عن قرون من اضطهادهم لليهود انتهت بالمحرقة (وإن يكن ديناً يدفعونه من كيس سواهم، ويرتكبون في سياق ذلك جريمة جديدة، ولكن هذا تفصيل)، ويدّعى أن اللوبي الصهيوني يسيطر على السياسة الأميركية (وهو وضع للعربة أمام الحصان، ولكن لا يهم)، وأن العرب يدارون عجزهم بمسرحية التفاوض على التسوية، والدليل أنهم لا يتمسكون حتى بمقترحاتهم حين تكون ذات مغزى، كمشروع المبادرة العربية الصادر عن قمة 2002…


 


لكن هل للفلسطينيين خيارات أخرى؟ لم تثر النقاش المطلوب فكرة تقديم استقالة السلطة أمام الأمم المتحدة، وإعادة الأمانة إلى العالم كي… يرتبك على الأقل، وهو ما يضع أيضاً الإسرائيليين أمام مسؤولياتهم – التي تعفيهم منها الوضعية الحالية – فيعودون قوة احتلال فحسب، مسؤولة بموجب معاهدات جنيف عن كلفة المدارس والمستشفيات وإنارة الطرقات. وقد جرى التعامل مع الفكرة بالاستبعاد الضمني، فيشار لها بطريقة غائمة ومشوِّهة لمضمونها، كأن توضع في تناقض مع المسؤولية الواجبة على القيادة الفلسطينية حيال شعبها، أو في تناقض آخر مع ضرورة تنظيم المقاومة العامة للاحتلال. بينما هي تشكل موقفاً تاريخياً لقدرتها على تسجيل طبيعة اللحظة والفعل فيها، إذ تنهي دوران طاحونة القتل والرياء معاً، وتعلن الحاجة إلى قواعد جديدة للعب. وبالطبع، فمن السخف التشبث بالتناقض الثاني، أي وضع هذه الخطوة في تقابل مع تنظيم المقاومة – مدنية وعسكرية – فكأن قواعد اللعبة الحالية تتسع لمثل هذه المقاومة أو تتولاها، وكأن المطلوب أن يستقيل السادة المسؤولون في السلطة ثم يذهبون بالضرورة إلى بيوتهم (ولم لا؟!)، وكأن شيئاً يمنعهم من الاستمرار في النضال إن شاؤوا. بل يمكن الجزم بلا خوف بأن قلب الطاولة على هذا الشكل بات شرطاً ضرورياً كي يستعيد عموم الفلسطينيين الأمل بأن ثمة جدوى من المقاومة، فيعودون إليها كخيار ايجابي يفضي إلى مكان ما، عوضاً عن حالة الإحباط العام الهائلة التي تقسم الفلسطينيين اليوم بين انتحاريين ومساكين تتوسطهم قلة من الانتهازيين! يعودون إليها مبدعين حتماً، وهم من أمضى فيها ستون عاما…


 


وأما أسخف مبررات رفض فكرة استقالة السلطة الفلسطينية أمام الأمم المتحدة، فتلك القائلة بأنها ستكون اعترافاً منها بصحة منطق حماس المشكك بجدوى المفاوضات. وهذا لجوء إلى استنفار الاستقطاب العصبوي كأفضل وسائل قتل السياسة! ومع انه لا شيء يمكن أن يعالج الانشطار الفلسطيني كقرار ذاتي بالخروج من عنق الزجاجة نحو آفاق أخرى.


 


لقد توصل إلى هذه الاستنتاجات كل الكوادر الأممية التي عملت في فلسطين، أو حتى تجشمت عناء زيارتها. فلنتذكر التقرير الذي حرره العام الفائت القناصل الأوروبيون في القدس الخمسة والعشرون (بالإجماع!) والذي قررت المفوضية الأوروبية حجزه وعدم نشره. وتكفي لتأكيد ذلك التقارير اليومية لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، وما أدلى به الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر بعد زيارته فلسطين (ناهيك عن تصريحاته حول من يمتلك فعلاً السلاح النووي، ولم يكن كلامه سوى واقعياً)، وأخيراً «عار الإنسانية» كما يتبدى في فلسطين بحسب القس ديزموند توتو (الذي اضطر منذ أيام للوصول إلى غزة عن طريق العريش فرفح لأنه، ورغم رمزية ما يمثل، وسنيّه الثمانين، وجائزة نوبل للسلام التي يحمل، ورغم تكليفه رسمياً من الأمم المتحدة بمهمته، رفضت إسرائيل منحه تأشيرة لزيارة القطاع!).


 


ما الذي يثير العالم؟ ليس كل هذا، بل استعادة المفاوضات على «المسار» السوري-الإسرائيلي، وهي المرشحة، إن استمرت، لعشرات السنوات من المناورات. ما الذي يشغل بال العالم؟ ما يقال له فضيحة الرشى التي استلمها ايهود أولمرت من الثري اليهودي الأميركي تالانسكي (وهو مبلغ تافه يثير تندر المرتشين الفعليين! ولكن الأمر يمس المبدأ). يستقيل أو لا يستقيل، تلك هي المسألة!


 


فهل يمكن للفلسطينيين، الذين يعيشون نكبة مستمرة منذ ستين عاماً، أن يرتضوا ديمومة إدارة قضيتهم على هذا المنوال القاتل، بالمعنى المادي للكلمة وبمعناها السياسي كأفق؟ ألم يحن عليهم واجب «الوقاحة» بعد، وهي هنا ليست سوى قول الأشياء كما هي، والتعامل معها… بواقعية.

مقالات ذات صلة