عين على العدو

استثمار من أجل تمويل الاحتلال

علامة سؤال كبيرة يضعها ملايين الجائعين في الدول العربية «ذات السيادة» وهم يستمعون إلى الأخبار عن أكبر مؤتمرات دولية تنعقد من أجل جمع مليارات الدولارات الأميركية من «الدول المانحة» ومؤتمرات مماثلة من أجل جذب مليارات غيرها من «القطاع الخاص» في هذه الدول لتشجيع «الاستثمار والتنمية»، فقط في الدولتين العربيتين الوحيدتين اللتين تفتقدان «السيادة» وتخضعان للاحتلال، فلسطين والعراق، ويتساؤلون عما إذا كانت هذه «الجهود الدولية» تستثمر في الاحتلال وتموله وتطيل أمده أكثر مما تساهم في تقصير عمره!


 


ولا بد أن أسرة الشهيد الفلسطيني الذي سقط برصاص جنود الاحتلال وهو يتظاهر سلمياً من أجل رفع الحصار القاتل عن قطاع غزة عند أحد معابره المغلقة يوم الخميس الماضي، وأسرة مواطنه الفتى اليافع الذي استشهد الأسبوع الماضي برصاص الجنود أنفسهم على حاجز حواره العسكري على مدخل مدينة نابلس المحاصرة منذ ثماني سنوات في الضفة الغربية، وكذلك أسر الشهداء العراقيين المدنيين الذين سقطوا برشاشات مروحية للاحتلال الأميركي شمال بغداد نهاية الأسبوع المنصرم، لا بد وأن هذه الأسر – التي تعجز «السلطة الوطنية» في كل من «غيتو» المنطقة الخضراء ببغداد و«المقاطعة» في رام الله عن «حماية» أبنائها – تتنازعها مشاعر العجب والاستهجان والغضب وهي تستمع إلى رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي (الخميس) والرئيس الفلسطيني محمود عباس (الأربعاء)، خلال أربع وعشرين ساعة، يتعهدان ب «حماية» المستثمرين الأجانب واستثماراتهم.


 


فهذه الصورة الشاملة «متناقضة» وهي لا تشجع الاستثمار لأن «رأس المال جبان» كما قال رئيس المجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والإعمار محمد شتية وبالتالي فإن مصير أية ملايين أو مليارات تتدفق على فلسطين سوف يستهلكها الجنرالات الأميركان الذين يشرفون على التنسيق الأمني بين سلطة الحكم الذاتي وبين الاحتلال على تعزيز الأهلية الفلسطينية لهذا التنسيق بينما يكون مصير الباقي هو نفسه مصير حوالي أربعة عشر مليار دولار تدفقت من المانحين إلى السلطة منذ عام 1993 ليبتلعها الفساد والهدر وسوء الإدارة أو ليبتلعها فساد أثرياء الاحتلال الجدد من العراقيين والمقاولون والمتعاقدون الأمنيون (المرتزقة) الأجانب كما أشار نواب الكونغرس الأميركي نهاية الأسبوع الماضي.


 


وهذا التناقض لم يفت تقريراً للبنك الدولي الأربعاء الماضي جاء فيه أن مليارات المانحين التي تعهدوا بها لفلسطين في مؤتمر باريس لن تحقق الأثر المتوخى منها دون حدوث «تغيير رئيسي» على الأرض (وهو تغيير ليس متوقعاً في الأمد المنظور لا بل إن الإدارة الأميركية لا تستهدف من تنظيم مؤتمرات المانحين والاستثمار إلا تعزيز الوضع الراهن للاحتلالين على الأرض)، فإذا كانت هذه هي توقعات البنك الدولي الذي يرأسه روبرت زوليك، الذي رشحه لمنصبه الرئيس الأميركي جورج بوش نفسه المصر على مواصلة الاحتلالين في فلسطين والعراق، خلفاً لبول وولفويتس الذي ترك منصبه بعد فضيحة شخصية أعقبت فضيحة كونه أحد منظري ومهندسي احتلال العراق، فإن الآفاق الاقتصادية لعرب فلسطين والعراق لن تختلف كثيراً عن الآفاق السياسية المسدودة التي لا مخرج منها إلا بإنهاء الاحتلالين أولاً.


 


إن توقيع اتفاقية أميركية – فلسطينية الخميس الماضي لضمان الاستثمارات في الأراضي الفلسطينية التي ما زالت تحت الاحتلال من «هيئة الاستثمارات الخاصة وراء البحار» التابعة للحكومة الأميركية – التي لا تتدخل في ضمان الاستثمار داخل الولايات المتحدة نفسها وتترك ذلك للقطاع الخاص – كان مجرد المثال الأخير على الجهود «الاقتصادية» الحثيثة والمحمومة التي تبذلها الإدارة الأميركية لإبقاء «السلطة الوطنية» في كل من فلسطين والعراق عائمة مالياً للصمود في وجه مضاعفات المقاومة المتصاعدة ضد احتلالها المباشر للعراق واحتلالها بالوكالة الإسرائيلية لفلسطين، وهل يمكن حقاً تفسير التمويل والتسليح والحماية السياسية والدبلوماسية الأميركية للاحتلال الإسرائيلي بغير كونه احتلالاً أميركياً بالوكالة لأن الاحتلال الإسرائيلي ما كان له أن يطول أمده حتى الآن دون الدعم الأميركي غير المحدود له.


 


وإذا كان «إنهاء الاحتلال» عبارة لا ترد على ألسنة المسؤولين الأميركيين كهدف لجهودهم هذه فإن كلمة «الأمن» لا يكاد يخلو منها بيان أو تصريح لهم كهدف لهذه الجهود، وهم لا يخفون أن المقصود من استعمالها هو أمن الاحتلال والمتعاونين أو المتقاطعين مع استحقاقاته وإملاءاته في «العمليات السياسية» التي أطلقها لترسيخ جذوره أو إطالة أمده.


 


والمقارنة بين الجهود «الاستثمارية» الأميركية لخدمة الجهد العسكري للاحتلالين في العراق وفلسطين ليست تعسفية لا في أهدافها ولا في أساليبها، وإذا كانت مجرد مصادفة أن ينعقد مؤتمر فلسطين للاستثمار في بيت لحم ومؤتمر مماثل تنظمه السويد في العراق في الشهر نفسه، في الحادي والعشرين والتاسع والعشرين من شهر مايو الجاري على التوالي، فإن تكتيك عقد مؤتمر دولي للدول يليه مؤتمر دولي لجذب استثمارات القطاع الخاص كان هو نفسه الأسلوب الذي لجأ الاحتلال الأميركي المباشر وبالوكالة إليه لتحميل غيره في المجتمع الدولي الأعباء الاقتصادية لتوفير أمن للاحتلال والمؤسسات السياسية المنبثقة عنه عجزت عن توفيره جحافله العسكرية.


 


فمؤتمر باريس الذي عقده «مانحو» فلسطين في العاصمة الفرنسية في شهر ديسمبر الماضي سبقه مؤتمران مماثلان للعراق في مدريد عام 2003 وفي منتجع شرم الشيخ المصري على البحر الأحمر في الشهر الخامس من العام المنصرم، وإذا كان لسوابق العراق مؤشرات ذات دلالة يسترشد بها لمعرفة ما ستتمخض عنه نظيراتها الفلسطينية فإن نتائجها السلبية في العراق لا تبشر بأي خير في فلسطين يمكن أن ينعكس سياسياً باتجاه رفع الحصار عن القطاع ومدن الضفة وتقصير عمر الاحتلال واجتماعيا باتجاه انخفاض البطالة ومعدلات الفقر والفقر المدقع.


 


وفي الحالتين الفلسطينية والعراقية يلفت النظر أن واشنطن تبذل قصارى جهدها بالعصى والجزر لدفع الدول العربية إلى التبادل الدبلوماسي والانخراط السياسي والاقتصادي مع كلتيهما ودفع القطاع الخاص العربي إلى الاستثمار فيهما. وتتميز الحالة الفلسطينية بكونها مؤهلة كمعبر للتطبيع الاقتصادي الإسرائيلي مع القطاع الخاص العربي من فوق رؤوس الحكومات العربية التي ما زالت تمسك بورقة التطبيع لتبادلها بموافقة دولة الاحتلال على منح الشعب الفلسطيني حداً من حقوقه الوطنية أدنى حتى من الحقوق التي تمنحها قرارات الأمم المتحدة له. كما يلفت النظر أن مؤتمر بيت لحم ينعقد بقدر ملحوظ من التطبيع توافق كل الأطراف المشاركة عليه بينما تعتبر الحد الأدنى من «التطبيع الإنساني» بين الشعبين الشقيقين في مصر وقطاع غزة خطاً أحمر!


 


لقد استثمرت الولايات المتحدة آلاف المليارات من الدولارات لتمويل الاحتلالين اللذين يعتبران ركنين أساسيين للاستراتيجية الأميركية في الوطن العربي ومحيطه الإسلامي والشرق أوسطي. إنه استثمار في الاحتلال، ولن تحجب كل العناوين «الوطنية» للمتساوقين مع الأهداف السياسية لهذا الاستثمار هذه الحقيقة الساطعة كالشمس.


 


ومن يتابع «مساهمة» التابع البريطاني لواشنطن في الحالتين سيدهشه أن يكون رئيس الوزراء غوردون براون صاحب فكرة مؤتمر بيت لحم قد أقام حفل استقبال في مقره أواخر الشهر الماضي لكبار رجال الأعمال والصناعيين لتشجيعهم على الاستثمار في العراق كي يثبتوا كما قال إن «السلام والازدهار يسيران يداً بيد»… تحت الاحتلال!


 


فإذا كان السلام والازدهار والاستثمار والتنمية والانتخابات الرئاسية والبرلمانية وبناء مؤسسات لسلطة «وطنية» جميعها ممكنة في ظل دولة للاحتلال غزت الدولة الوطنية وهدمتها ما الحاجة إذن إلى دولة وطنية لا يمكنها أن تقدم لشعبها ما هو أفضل بكثير من ذلك، اللهم إلا إذا كان كل ذلك مجرد أوهام لإطالة أمد الاحتلال! 

مقالات ذات صلة