عين على العدو

خطة لمواجهة انفاق غزة: تخصيص مساعدات لوقف التهريب و دعم اسكان بدو سيناء ..

 


رؤى أمريكية لتدعيم العلاقات المصرية- الإسرائيلية


       عقدت اللجنة الفرعية للشرق الأوسط وجنوب آسيا، أحد لجان لجنة الشئون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي جلسة استماع تحت عنوان “علاقة الولايات المتحدة – إسرائيل – مصر : تعزيز إرساء السلام الإقليمي”. وبدعوة كلاً من المتحدثين: السفير السابق بالقاهرة دانيل كورتزر Daniel Kurtzer صاحب كتاب “مفوضات السلام الإسرائيلية – العربية: القيادة الأمريكية بمنطقة الشرق الأوسط”Negotiating Arab-Israeli Peace: American Leadership in the Middle East، والمتخصص في دراسات سياسات الشرق الأوسط في جامعة برينستون، والسيد دافيد ماكوفيسكي David Makovsky رئيس برنامج عمليات السلام في الشرق الأوسط في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى.


 


وتبحث جلسة الاستماع عن سبل لتعزيز الروابط بين مصر وإسرائيل، وتفعيل معاهدة السلام ذات الرعاية الأمريكية، كما تقوم بعملية تقييم أمني وجيوسياسي واقتصادي وجغرافي لدور طرفي المعاهدة منذ توقيعها بما يضمن عمر أطول لهذا السلام الذي استطاع بنجاح – من وجهة النظر الأمريكية- حماية استقرار المنطقة، وكذلك حماية مصالح الولايات المتحدة التي ازدادت تعقيداً وتهديداً بعد حرب العراق.


 


إنجازات كامب ديفيد من وجهة النظر الأمريكية


اعتبر السيناتور الديمقراطي جيري أكرمان Gery Ackerman رئيس اللجنة الفرعية أن اتفاقية كامب ديفيد التي تم توقيعها في سبتمبر 1978 بين إسرائيل ومصر برعاية أمريكية هي صمام أمان للاستقرار وتحقيق التنمية الاقتصادية للطرفين المباشرين، ونقطة تحول إيجابية للمنطقة كل معدداً إيجابيات هذا الانجاز الأمريكي في منع نشوب حرب بين الدول بعد حرب 1973، فقد أحدث معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل تحولاً في توجهات دول المنطقة والعقلية العربية بشكل عام، بمعنى أن الاتفاقية مثلت نقطة جاذبة للدول العربية الأخرى بحيث حل منهج إقرار اتفاقيات سلام مع إسرائيل محل منهج استمرار الحرب والمقاومة.


 


وبالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية فإن كامب ديفيد أرست قواعد الدور الأمريكي الشريك في أي اتفاقية سلام عربية إسرائيلية بعد ذلك، ومن خلال دورها الرائد في إتمام كامب ديفيد كانت الولايات المتحدة حجر الزاوية الضامن للاستقرار في المنطقة في الفترة التالية سياسياً وعسكرياً.


 


كيف تضمن المعاهدة مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل


ويؤكد السيناتور أكرمان Ackerman على أن مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل ومصر – شعباً وحكومة – تحتاج إلى ضمان استمرار واستقرار هذه الاتفاقية، فهذه العلاقة هي مفتاح استقرار وسلام المنطقة كلها وأن مسئولية الولايات المتحدة هي ضمان هذا السلام المصري الإسرائيلي.



 


لذلك فإن توجيه الولايات المتحدة انتقادات لأوضاع الحقوق السياسية والمدنية في مصر يأتي من منطلق أن استقرار الأوضاع في مصر هو ما يؤدي إلى استقرار معاهدة السلام المصرية – الإسرائيلية، وبالتالي استقرار مصالح الولايات المتحدة في المنطقة بمساعدة مصرية بالنسبة لمصالحها المباشرة مثل أمن إسرائيل وعدم صعود إسلاميين إلى الحكم يساندون حماس وإيران، وضمان حركة الملاحة التجارية والعسكرية في قناة السويس، وتفادي احتمالات نشوب سباق تسلح في المنطقة نتيجة انتفاء السلام في المنطقة ليس للولايات المتحدة اليد العليا فيه، أو بالنسبة لمصالح الولايات المتحدة غير المباشرة إقليمياً وعربياً.


 


ومن ناحية تقييم لما تم إنجازه، يرى كورتزر Kurtzer أن هناك ثقة على المستوى العسكري ما بين الجانبين المصري والإسرائيلي، وبالرغم من وجود بعض المشاحنات بين الجانبين لترسيم الحدود السياسية، إلا أن المعاهدة ذاتها لم تكن محل تراجع أحد الطرفين طيلة هذه الفترة، مما جعل حماية الحدود على طول سيناء لا تحتاج لتواجد عدد كبير من القوات متعددة الجنسيات والمراقبين وهو ما ضمن حد أدنى لتطبيق واستقرار الاتفاقية على المدى غير القصير. ومن ناحية أخرى أصبحت كامب ديفيد نموذج في إبرام أي اتفاق سلام مستقبلي مع إسرائيل وهو ما كفل لمصر دور أساسي في مبادرة السلام العربية منذ عام 2002 والتي شكلت تحولاً في إدارة عملية السلام عربياً.


 


مستجدات الواقع الإقليمي التي تهدد اتفاقية السلام


ومن منظور أكثر شمولاً للوقوف على التهديدات التي تُواجه معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية فنجد التفسير الذي يرى في تداعيات السياسة غير المسئولة للإدارة الحالية تجاه العراق السبب وراء تهديد استقرار السلام القائم والمحتمل وذلك من خلال تهديد حالة عدم الاستقرار في الخليج وكذلك تدفق اللاجئين العراقيين للأردن للأمن الإسرائيلي.


 


ومن جهة أخرى تعرض الأمن المصري للخطر نتيجة تصاعد النفوذ الإيراني بسبب إخفاق الولايات المتحدة في العراق، وكذلك تعرض الأمن الاقتصادي المصري للتهديد الناتج عن الظروف الاقتصادية العالمية، والذي تمثل في عدم قدرة الطبقات الاقتصادية الدنيا على تلبية حاجاتهم، وارتفاع معدلات التضخم وارتفاع الأسعار، وهو ما قد ينتج عنه اضطرابات اجتماعية داخلية، وعليه خلق حالة من عدم الاستقرار السياسي بحيث يُصبح تنامي هذه المخاطر التي يواجهها طرفي المعاهدة مصدر عدم استقرار حالة السلام التي استمرت 30 عاماً، وهو ما يصب في خانة ضرب المصالح الأمريكية في المنطقة، مما يقلل من فرص إرساء السلام مستقبلاً، ويزيد الوضع تعقيداً من خلال إثارة بؤرة توتر خامدة.


 


مصر وإسرائيل حالة من السلام البارد


إلا أن السيد ماكوفيسكي Makovsky أثناء حديثه عن معاهدة السلام المصرية -الإسرائيلية تطرق إلى موضوع يُعتبر خطاً أحمر لدى الجانب المصري، وهو أنه بعد 30 عاماً من إبرام الاتفاقية، وانتفاء ظاهرة الحروب النظامية من الصراع العربي الإسرائيلي فإن العلاقة المصرية – الإسرائيلية ما زالت تعاني من حالة “سلام بارد”، في إشارة إلى عدم تحلي مصر بما أُطلق عليه “روح التطبيع” مُعزياً ذلك إلى أن الجانب المصري يتعلل بأن الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي هو السبب وراء تجنب وجود حالة من التطبيع الكامل.


 


عودة الدبلوماسية الأمريكية هي الحل


ويرى السفير دانيل كورتزر Daniel Kurtzer أن جميع الإدارات الأمريكية منذ أوائل السبعينات وهي تعمل على تخطى العقبات التي تقف أمام إحلال السلام في الشرق الأوسط، وبالرغم من أن بعض الإدارات قد نجحت بشكل كبير فهناك إدارات أخفقت في إتمام هذه المهمة، إلا أن عودة الدبلوماسية الأمريكية الغائبة لمسرح الأحداث في الشرق الأوسط ووجود القيادة السياسية الفاعلة بشكل أكبر مما كان علية خلال العشر سنوات الفائتة سيكون أحد أهم السبل الناجحة لتخطي العقبات الحالية أمام إحلال سلام متكامل.


 


ففي السنوات الأخيرة اعتمدت السياسة الخارجية الأمريكية على الخطاب شديد اللهجة وسياسة العقوبات واستخدام القوة العسكرية وتهميش دور الدبلوماسية الأمريكية والتي استطاعت قبل ذلك تحقيق الاستقرار والسلام في المنطقة، وتمكين الولايات المتحدة من لعب دور حيوي يكشف عن حدود الممكن والمصلحة.


 


وعلى مستوى عملية السلام في الشرق الأوسط فإن غياب الدبلوماسية الأمريكية في عهد الإدارة الحالية لم ينجز سوى زيادة الضغوط وارتفاع معدلات عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني لدى الفلسطينيين والإسرائيليين، فبالرغم من انعقاد قمة أنابويس قرب نهاية ولاية الإدارة الحالية والمحاولات الدبلوماسية المتمثلة في جولات الرئيس بوش ووزيرة الخارجية الأمريكية للمنطقة والتي لم تسفر عن نتائج واقعية لا على مستوى المفاوضات ولا على مستوى الممارسات، إلا أن جوهر منطق أنابويس لإحياء السلام ما زال أمامه فرصة، وبالتالي فإن الحفاظ على العلاقة الثلاثية الأمريكية – المصرية – الإسرائيلية والتي تُعتبر حجر زاوية لما تم إنجازه أمريكياً في الشرق الأوسط وما يمكن للولايات المتحدة أن تنجزه في المستقبل لابد وأن تضعه الإدارة الأمريكية كأولوية في أجندتها.


 


مفاتيح تفعيل المعاهدة


وبجانب غياب الأداة الدبلوماسية، فقد أثار تجاهل مصر وإسرائيل والولايات المتحدة لقضايا ذات أبعاد سياسية وأمنية واقتصادية تحديات تواجه استقرار المعاهدة الآن ،كما تحتاج إلى مساعدة أمريكية لتطوير القدرة الثنائية لمصر وإسرائيل على مواجهة هذه القضايا والتعاطي معها مما يجعل مساحة الاتفاق والتعاون أكبر.


 


على المستوى السياسي:


 فبالرغم من وجود رؤية مشتركة للطرفين تجاه الدعم الإيراني لحماس وحزب الله في لبنان ومعارضتهما لبرنامجها النووي، إلا أن الطرفين لم يكونا حتى الآن رؤية مشتركة للتعامل مع هذه المخاوف التي تجمع مواقفهما، وهو ما يعني افتقادهما لآلية للحوار الاستراتيجي بين الطرفين، ومثال على ذلك قلة عدد الزيارات المتبادلة بين كبار المسئولين السياسيين والعسكريين.


 


فمن وجهة النظر الأمريكية المطروحة في الجلسة عادة ما لا يُركز الحوار بين الطرفين على رسم الخطوط العريضة الإستراتيجية تجاه قضايا التهديد المشترك، وإنما يُركز على التفاصيل ويرتبط الحوار أكثر بحل أزمة معينة تنتهي بعده آلية الحوار، لذلك فإن أهمية وجود حوار ثنائي أو ثلاثي بمساندة أمريكية تجنب طرح معاهدة السلام ليس فقط حالة السلام البارد والقائمة بل أيضاً تجنبهم الوصول إلى حالة عدم التفاهم.


 


وعلى المستوى الاقتصادي:


 تُعاني العلاقات المصرية – الإسرائيلية من انخفاض عدد المشاريع المصرية الإسرائيلية المشتركة، فبالرغم من وجود بعضها، إلا أنه من المفترض أن يعمل الطرفان على تعميق التعاون الاقتصادي بشكل أكبر ومن خلال دعم أمريكي، فعلى سبيل المثال قام الكونجرس بدور كبير في إبرام اتفاقية الكويز والتي أصبح لها دور كبير في تعزيز هذه الروابط.


 


وعلى المستوى الأمني:


وهو الجانب الأكثر حساسية في علاقة مصر وإسرائيل ويثير هنا ماكوفيسكي Makovsky قضية أنفاق تهريب الأسلحة من سيناء المصرية إلى داخل غزة لصالح حماس، ويلقى على الجانب المصري مسئولية التصدي لهذا التهريب من خلال استمرار المشاورات الأمنية بين المسئولين في مصر وإسرائيل، أو بمشاركة أمريكية أو من خلال مشاورات مصرية – أمريكية من جانب وإسرائيلية- أمريكية من جانب آخر، بل ازداد الأمر تعقيداً بعد صعود حماس إلى سدة الحكم في غزة وتكرارية المناوشات التي تحدث بين الحين والآخر على الحدود المصرية، فلابد من ضمان استمرارية هذا التنسيق في الفترة المقبلة وجعله أولوية دبلوماسية للولايات المتحدة.


 


وفي إطار قضية تهريب الأسلحة يقترح ماكوفيسكي Makovsky أن يقوم الكونجرس بتخصيص نسبة من المساعدات المقدمة لمصر توجه لمواجهة قضية الإنفاق وتهريب الأسلحة، ومن ناحية أخرى فإنه يمكن الاستعانة بالقوات متعددة الجنسيات الموجودة في سيناء ليشتمل عملها على المساعدة في مجال مراقبة حركة تهريب الأسلحة.


 


ومن منظور أمني مختلف فثمة بعد أمني جغرافي تم إثارته في الجلسة وهو صحراء سيناء سواء كان ذلك من خلال تهريب الأسلحة، أو استخدامها لتدريب عناصر لتنظيم القاعدة ضد إسرائيل. وللتصدي لهذا التهديد، فكان من ضمن المقترحات أن تقوم مصر بتوفير فرص عمل وإقامة مشاريع إسكان لقبائل البدو التي تعيش في سيناء على أن يكون للولايات المتحدة دور في تشجيع الحلفاء من أوروبا للمساهمة في دعم حملة تنمية كاملة لسيناء.


 


ففي الوقت الذي حاولت فيه الجلسة الوقوف على مصادر تهديد السلام المصري الإسرائيلي في ظل المستجدات الإقليمية والدولية والوقوف على سبل استغلال العلاقة المصرية – الإسرائيلية كأداة لخدمة المصالح، فقد أبرزت المناقشات والمقترحات إفلاس سياسة الإدارة الأمريكية في مجال دعم عملية السلام في الشرق الأوسط، بل إن فشلها على جبهات عربية أخرى، وخفوت دور الأداة الدبلوماسية لصالح الأداة العسكرية سمح بتداعيات هذه السياسة بتهديد ما يعتبره الجانب الأمريكي حجر زاوية عملية السلام، وهي معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية.


تقرير واشنطن- رنا أبو عمرة

مقالات ذات صلة