عين على العدو

اتفاق الدوحة وحكمة القيادة القطرية

 


بلد التناقضات لبنان بلد صغير لا تتجاوز مساحته العشرة آلاف كم2. يسكنه خمسة ملايين نسمة إضافة إلى (400) ألف فلسطيني موزعين في مخيمات على طول البلد وعرضها. ومما لا شك فيه أن مشكلة اللاجئين الفلسطينين في لبنان تدخل في تعقيدات الأزمة اللبنانية بشكلٍ مباشر. ويتوزع السكان في لبنان على أكثر من ثمانين طائفة ومذهب. أكبر هذه الطوائف والمذاهب توجد بين المسلمين والمسيحيين. أما أبرز الطوائف والمذاهب الإسلامية في لبنان (السنة، الشيعة، والدروز) بينما يأتي في الجانب المسيحي الطائفة المارونية ثم الإرثدكس ويليهم الأرمن.


 


لا يخفى على أحد حجم التأزم الذي وصلت إليه الأزمة اللبنانية بين الموالاة التي يتزعمها تيار المستقبل والمعارضة التي يتزعمها حزب الله نتيجة لتمسك كل طرف بمطالبه وأجندته الخاصة. إن كل المعطيات السابقة للأحداث أعطت مؤشراً واضحاً بأن الأزمة ستصل إلى مرحلة الصدام المسلح لا محالة، وأن الأحداث والصدامات التي وقعت ما هي إلا الشرارة الأولى لمعركة قادمة محتملة وإن بدا للبعض بأن النار قد خمدت.


 


المؤشرات بأن حزب الله استطاع وبكل قوة أن يفرض أجندته على الطاولة ويفشل مخططات الحكومة ومن تبعها. وقد ساعده على ذلك حلفاؤه في المعارضة، وقد استطاع الحزب أن يفشل ادعاء الحكومة والولايات المتحدة وإسرائيل ومعهم دول الاعتدال بأن انقضاض حزب الله على بيروت هو حرب شيعية تقودها إيران على السنة، حيث تدخل الساسة الإسرائيليون والأمريكان بشكل مباشر على خط الأزمة مما يفسد هذا الزعم.


 


الدول التي كانت خطوة خطوة مع الحدث فهي بالتأكيد أمريكا وإسرائيل و سوريا وإيران ومصر والسعودية إضافة إلى قطر. من الواضح تماماً أن القيادة السياسية في قطر قارئة جيدة للأحداث وتستطيع أن تتنبأ أحداث المستقبل. فقطر تدرك تماماً بأن المشروع الأمريكي في المنطقة بدأ ينهار ويسقط وأن الوقت ليس في صالح محور الاعتدال من مؤيدي واشنطن وأن التغيرات السياسية القادمة في المنطقة ربما تطال عروشاً كثيرة في الدول المجاورة، وربما سيكون التحرك الشعبي العربي وراء انتهاء هذه العروش نظراً لما يجري في فلسطين ولبنان والعراق. فهي لا تستطيع مواجهة السياسة الأمريكية من جهة، ولكنها اختطت لنفسها خطاً سياسياً مستقلاً يتماشى مع مصالحها وأجندتها الإقليمية المبنية على ضرورة إيجاد مكان مميز لقطر في الإقليم برغم صغر مساحتها ولعب دور سياسي مؤثر في الأحداث الإقليمية يساعدها على البقاء والاستمرار كدولة ذات تأثير.


 


قطر تدرك تماماً أن إيران في طريقها لامتلاك سلاح نووي لا محالة وهي دولة إقليمية كبيرة ومؤثرة لا يجب معاداتها لأن الأمريكيين لن يكونوا متضررين أكثر من الخليجيين إذا ما وقع المحظور واندلعت الحرب, كما تدرك أيضا أن المشروع الإسرائيلي في تراجع وتهاوٍ أمام المقاومة اللبنانية والفلسطينية التي سيكون لها القول الفصل في المرحلة القادمة بالتعاون مع سوريا ومن خلفهم إيران, لذلك فهي تحاول أن تحتفظ بمساحة كبيرة من المناورة وإن كانت بدأت تميل نحو محور الممانعة. وهنا نود الإشارة إلى أن قطر تلعب نفس اللعبة التي لعبها الملك عبد العزيز في نهاية الأربعينات مع بريطانيا، عندما انحاز إلى الولايات المتحدة القادم الجديد إلى المنطقة لأنه كان يدرك أن بريطانيا في مرحلة الانهيار الإمبراطوري.


 


بعد اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة تم إرسال وفد وزاري منهم إلى لبنان لتقصي الحقائق وإعادة تفعيل المبادرة العربية لحل الأزمة اللبنانية, وقد نجح الوفد الذي ترأسه رئيس الوزراء القطري بصفته رئيس وزراء ووزير خارجية قطر في إقناع الطرفين بالذهاب إلى الدوحة لبدء حوار وطني شامل يناقش كل القضايا موضوع الخلاف. ويبدو أن قطر استطاعت أن تلعب دورا مؤثرا في فكفكة الأزمة اللبنانية مؤقتا. يبدو أيضا أن الطرفين أدركا طبيعة وطموح الدور القطري والذي ربما يكون قد رتب لنجاح هذا الحوار مع أطراف عربية وإقليمية أخرى مثل السعودية ومصر اللتين أصبحتا في موقف حرج بعد تدخل حزب الله المسلح في الأزمة وإضعاف الموالاة, هذا إلى جانب استثمار علاقته الجيدة مع طهران.


 


ومن خلال تحليل مجريات الأحداث؛ يبدو أن قطر أحد أهم الرابحين في هذا الدور الإقليمي المتميز. علاوة على أن حزب الله والمعارضة اللبنانية بشكل عام ستكون الرابح الأكبر في هذا الحوار وان قدمت بعض التنازلات, ولكن يجب أن نشير إلى نقطة مهمة وهي أن نجاح هذا الحوار وان بدا مفككا للأزمة؛ إلا انه لن يحلها جذريا وسيبقى مسكنا لفترة من الوقت وبعدها يمكن أن تنفجر الأمور في أي لحظة. لأن طبيعة الأزمة اللبنانية تكمن في كونها صراعا بين مشروعين متضادين لا يمكن أن يلتقيا, بل بالعكس يحاول كل منهما إفشال الآخر, والصراع اللبناني الداخلي بمشروعيه ما هو إلا انعكاس مباشر للصراع الإقليمي والدولي في المنطقة بين محور تتزعمه الولايات المتحدة وتدخل إسرائيل فيه بشكل غير مباشر ومحور ممانع للهيمنة الأمريكية وهو ما يجعل الأزمة مستمرة ولها انعكاساتها على الإقليم.

مقالات ذات صلة