الأمن عبر التاريخ

تطبيق الشريعة والأمن الشامل

 


إن المجتمع المسلم، يقصد به كل تجمع مسلم، تسوده عقيدة الإسلام، وتحكمه شريعته، وتظهر فيه قيمه الخلقية والسلوكية، وغالباً ما يتطابق معنى المجتمع المسلم مع معنى الدولة الإسلامية.


 


فالمجتمع في الدولة الإسلامية، هو مجتمع مسلم، وإن وقعت بعض المخالفات، أو التقصير من بعض أفراده، إذ العبرة بالغالبية التي يظهر فيها الخضوع للإسلام عقيدة وشريعة.


 


فالمجتمع، كائن حي قابل للتغير والتطور بما يُصلح أمره، وإذا ظهرت المخالفة لحكم الشرع في بعض الأمور، فهي لا تنزع عن الدولة أو المجتمع هويته الإسلامية، وإنما يكون علاج ذلك أو تلافيه من مهمات أولي الأمر والقائمين على إصلاح البلاد والعباد.


 


وثمة تجمعات إسلامية تعيش داخل دول غير إسلامية، تتمثل في الأقليات المسلمة، والجاليات الإسلامية، ولا مندوحة من وصفها بهذا الوصف، تمييزاً لها عن الدائرة الواسعة التي تعيش فيها، والتي لا تسودها أحكام الإسلام، ولا تظهر فيها قيمه وأنماطه السلوكية، ولا يُحتكم فيها إلى شريعته.


 


وهذه التجمعات، مطالبة بأن تحتفظ بهويتها الدينية وقيمها الخلقية، وأنماط سلوكها، المستمدة من الإسلام.


 


وهي – وإن كانت في دول ومجتمعات غير إسلامية – تعد جانباً لايستهان به من الأمة الإسلامية الواحدة، ولا يمكن لهذه الأقليات والجاليات أن تأمن على عقيدتها وتؤدي شعائرها، وتحيا بقيمها المستمدة من الإسلام، إلا إذا توافر لها داخل الدول والمجتمعات التي تعيش فيها، الأمن والطمأنينة.


 


فالمسلم يحتاج في إقامة دينه وأداء شعائره، والأمن على نفسه وعرضه وماله، إلى مجتمع آمن، حيث ولو كان يعيش في بلد ومجتمع غير إسلامي.


 


فالأمن من أول مطالب الإنسان في حياته.


 


الأمن للفرد والمجتمع


يحتاج الفرد في حياته إلى الأمن على نفسه ودينه وعرضه وماله، وقد جعلت الشريعة الإسلامية الحفاظ على هذه الضروريات من أهم مقاصدها.


 


وفي نظرة سريعة مستمدة من أحكام الإسلام، فرّق علماء المسلمين بين مطالب الحياة الضرورية، التي تهم الإنسان، وبين غيرها من حاجاته.


 


فأنزلوا الحفاظ على الدين والنفس والعقل والنسل والعرض والمال، منزلة الضرورة التي لا تستقيم الحياة إلا بها.


 


وجعلوا حاجات الإنسان التي تُيسر حياته في مرتبة تالية.


 


وأفسحوا مجالاً تكتمل به حياة الإنسان، فيما عدوه من الكماليات والتحسينيات.


 


ولا شك أن أمن الإنسان لا يمكن أن يتحقق، إلا إذا توافرت له ضرورات الحياة هذه، في أي مجتمع يعيش فيه.


 


وقد بلغ من عناية الشريعة بحفظ هذه الضرورات للمسلم، إلى أن حرمت على الشخص نفسه الاعتداء عليها، فحرمت الردة، وتعريض النفس للهلاك، وارتكاب الفواحش، وتناول المسكرات والمخدرات، وإضاعة المال، ونحو ذلك، كما حرمت على الآخرين الاعتداء عليها بأي صورة من صور الإعتداء، وشرعت عقوبات رادعة، وإجراءات وقائية متنوعة.


 


ومن أجل تحقيق أكبر قدر من الحماية لهذه الضرورات، كان تشريع الحدود والقصاص للزجر والردع عن الجرائم التي تمس الأفراد في أنفسهم وأبدانهم وأعراضهم وأموالهم.


 


إن تشريع القصاص في الإسلام، هو الوسيلة الفعالة التي تكفل حماية الأنفس، وهو في نفس الوقت يحقق العدل بين الفعل ورد الفعل، أو بين الجريمة والعقوبة.


 


يقول الله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى” (البقرة الآية 178).


 


ويقول تعالى: “وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ” ( المائدة الآية 45).


 


هذا هو الأصل في القتل العمد العدوان، وفي العدوان المتعمد على الإنسان فيما دون النفس، ومع ذلك ندب الشارع الحكيم إلى العفو مقابل الدية أو بغير مقابل، يقول الله تعالى: “فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ” (البقرة الآية 178).


 


فحماية نفس الإنسان وبدنه، تظفر بأعظم الاهتمام في موازين الشرع الإسلامي، وهي حماية للأفراد أساساً، ولكنها من جانب آخر، تحمي المجتمع وتوفر له الأمن والاستقرار.


 


وحماية الفرد من العدوان على نفسه وبدنه، من أهم واجبات ولي الأمر، فهو المسئول عن إقامة الحدود وإنزال القصاص بمن يستحقه من المعتدين على الأنفس والأبدان.


 


وهذا محل إجماع من علماء المسلمين، إذ إن إقامة الحدود وإنزال القصاص، من شأن ولي الأمر أو من ينيبه، وليست من شأن الأفراد حتى لا يئول القصاص إلى الثأر أو الانتقام.


وحماية الشرع للأفراد، تشمل بعد حماية النفس والبدن، حماية الأموال.


فالملكية في الشرع الإسلامي، لها حرمة ولها حماية توفر الزجر والردع معاً.


 


إن عقوبة قطع اليد، تعد عقوبة جسيمة وذات أثر خطير على حياة من يقدم على ارتكاب جريمة السرقة، ولكنها في نفس الوقت وقاية من انتشار هذه الجريمة في المجتمع، وهي تحول دون الاستهانة بحرمة المال والملكية، وتوفر الأمن لملايين الناس , مقابل بث الرعب في قلوب عدد ضئيل من الناس، إذا فكروا في ارتكاب الجريمة، لأن تحقيق الأمن والاستقرار لملايين الناس في بيوتهم ومحال عملهم وتجارتهم، وانصرافهم إلى السعي في الأرض، وابتغاء الرزق الحلال، وتنمية المال، هدف كبير يتعلق بالمجتمع كما يهم الفرد.


 


ولذلك كانت عقوبة السرقة التي وردت في القرآن الكريم: “وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ” (المائدة الآية 38).


 


عقوبة تهديد وزجر، قبل أن تكون عقوبة شائعة في المجتمعات التي تطبق شرع الله.


 


وهذا ما يؤكده الواقع المشهود في المملكة العربية السعودية.


 


ومثل عقوبة السرقة في شدتها وجسامتها، عقوبة محاربة الله ورسوله.


 


وهو تعبير بالغ الدقة والوضوح، في اعتبار الإخلال بالأمن العام، والجرأة على انتهاكه علناً وبطريق العنف، مثل سلب المال أو التعدي على الأنفس والأعراض، جريمة خطيرة تمثل محاربة لله ورسوله مما يستحق إنزال العقوبة الجسيمة بمرتكبها.


 


ويدخل تحت هذه الجريمة من الأنواع ما تشمله، من استخدام العنف والإكراه وسلب الأموال عنوة، والاعتداء على الأعراض كرهاً أو علناً، وممارسة تجارة المخدرات وترويجها بين الناس، للإضرار بالقوة العاملة في البلاد، وإفساد أخلاق الناس، وإهدار طاقتهم.


 


ومن صور هذه الجريمة، ترويع الناس بوضع مواد خطرة أو متفجرة في أماكن يرتادها الناس لحاجات حياتهم، حتى ولو لم تتسبب في قتل أحد.


 


فإن إخافة الطريق وحدها، يتحقق بها ارتكاب حد محاربة الله ورسوله الذي نص الله في القرآن الكريم على عقوبتها بقوله: “إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ” (المائدة الآية 33).


 وهذا الحد كما عدَّد الفقهاء صوره، يحفظ أمن الدولة وأمن المجتمع من جرائم خطيرة، يتعاون فيها المجرمون على الإخلال بأمن الناس.


 


الأمن للدولة


إن الأمن الفردي – أي أمن الإنسان على نفسه وماله وعرضه – ضد أي اعتداء يقع عليه من غيره، مكفول عن طريق تطبيق الأحكام الشرعية، التي تحمي الأنفس والأعراض والأموال.


 


وولي الأمر، مسئول عن إقامة حدود الله، حماية للأفراد، ومنعاً لانتشار الفساد وشيوع المنكر في المجتمع.


 


ولكن ذلك ليس كل مسئولية ولي الأمر، الذي يتولى حفظ مصالح المسلمين عامة، وكفالة أمنهم جميعاً من اعتداء غيرهم عليهم.


 


فالعدوان كما يقع من فرد على آخر داخل المجتمع المسلم، قد يقع على المجتمع المسلم جملة من مجتمع آخر، وقد تتعدد صور هذا العدوان الذي يهدد الدولة الإسلامية والمجتمع المسلم.


 


ومن واجب ولي الأمر، أن ينهض بحماية المسلمين ومصالحهم ومجتمعهم من كل صور التهديد والعدوان، حتى يتحقق للمجتمع المسلم أمنه في جميع مجالات حياته.


 


وفي التنظيم الدولي الحديث، حيث يكون المجتمع في رعاية دولة لها حدودها ولها سيادتها على إقليمها، يكون الأمن الوطني من أول مهام ولي أمر المسلمين في الدولة الإسلامية، وتكفل المواثيق الدولية، ومنها ميثاق الأمم المتحدة، لكل دولة الحق في العيش آمنة داخل حدودها، والحق في رد العدوان عنها إذا وقع من دولة أخرى أو جماعة مسلحة، ولا يسمح ميثاق الأمم المتحدة بالعدوان ولا بالاستيلاء على أراضي الغير بالقوة، ولا بالأعمال العدوانية الموجهة ضد أي دولة، ويعطي الحق في رد العدوان عن الدولة المعتدى عليها بكل الوسائل، بما في ذلك تعاون الدول الأخرى عسكرياً في التصدي للعدوان الذي يقع على دولة عضو في الأمم المتحدة، طبقاً للفصل السابع من الميثاق.


 


ولكن المواثيق الدولية وحدها، لا تكفي من وجهة النظر الإسلامية، فلا بد أن يهيئ ولي الأمر أسباب القوة التي تحمي الدولة الإسلامية وأفرادها، وتمنع من انتهاك حدودها أو الإضرار بمصالحها، وهذا ما أوجبه الله تعالى على الدولة المسلمة والمجتمع المسلم بقوله: “وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ” (الأنفال الآية 60).


فالأمن الوطني، مسئولية إسلامية.


 


ومن أسباب فرض الجهاد، دفع العدوان عن المسلمين إذا وقع عليهم عدوان من غيرهم، يقول الله تعالى: “أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ” (الحج الآية 39، 40).


 


وقد جاهد المسلمون لحماية دولتهم الأولى في المدينة، وتصدوا للعدوان عليهم من الكفار وغيرهم من اليهود، حين نكثوا العهد وتآمروا على المجتمع المسلم.


 


وولي الأمر المسلم، هو المسئول عن إعداد القوة التي تعد لدفع العدوان عن المسلمين، وهو الذي يعلن الجهاد، ويرتب الولاة عليه والقائمين بأمره، ويحدد الهدف منه.


 


وطاعته واجبة في كل ذلك، ولا تجوز مخالفة أمره في شأن مهام الجهاد، أو تحديد الأعداء الذين تجب مقاتلتهم، والذين تجوز مهادنتهم، أو الصلح معهم، والأحوال التي يجب فيها الجهاد.


 


وحكم الجهاد وجزاؤه، والهدف منه، وواجب من يتولى القيادة فيه، وواجب المجاهدين، وآداب القتال في الجهاد، كل ذلك مبسوط في مواضعه من كتب الفقه والسنة.


 


الأمن الاجتماعي


ويحتاج المجتمع المسلم إلى الأمن الاجتماعي، وهو تعبير حديث، لكنه يعبر عن معنى إسلامي، وهو أن يكون المجتمع المسلم، كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضا.


ونجد هذا المعنى واضحاً أشد الوضوح في الحديث الشريف: “مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى” متفق عليه.


 


وقد أمر الله المؤمنين بالتعاون على البر والتقوى، ونهاهم عن التعاون على الإثم والعدوان.


 


يقول الله تعالى: “وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ” (المائدة الآية 2).


 


ويقول تعالى: “إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة“ٌ (الحجرات الآية 10)


 


وهذه الأخوة التي جعلها الله بين المؤمنين، قرينة الولاية المتبادلة بينهم: “وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ” (التوبة الآية 71).


 


وقد تضمن تشريع الإسلام، ما يكفل قيام هذه الأخوة والولاية المتبادلة.


ويظهر ذلك فيما يلي:


أولاً: تشريع الزكاة التي تؤخذ من أغنياء المسلمين وترد على فقرائهم، وهو تشريع يحقق الأمن الاجتماعي، يشعر فيه القادر بأنه مسئول عن غير القادر في الوفاء بضرورات حياته، حتى لا يشيع الحقد في المجتمع، إذا كان المال بيد الأغنياء وحدهم، ولا ينال العاجز والضعيف منه شيء.


 


وهذه الغاية، من أهم الأهداف التي تسعى إليها المجتمعات في زماننا المعاصر، وقد شرع الإسلام الزكاة لتحقيق هذا الهدف الذي ضلت مجتمعات كثيرة في العالم المعاصر كيفية الوصول إليه، واشتطت كثير من المذاهب والآراء في اتخاذ الوسيلة إليه، حتى إنها اتخذت العدوان على الحقوق، وبث الحقد في النفوس، طريقا للأمن الاجتماعي.


 


وقد ثبت فشل المذاهب والآراء التي أرادت تقريب الفوارق بين الناس على غير هدي الإسلام وبغير وسيلته.


 


ومن أهم محتويات كتب الفقه الإسلامي، كتاب الزكاة، الذي يبين أنواع الزكاة ونصابها، ومن تجب عليه، ومن يستحقها، ومصارفها، وواجب ولي الأمر في تحصيلها، وتوزيعها على أصناف المستحقين.


 


يقول الله تعالى: “إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ” (التوبة الآية 60).


 


ثانيا: أوجب الإسلام نفقة القريب الفقير على القريب الغني، الذي يرثه، مما يقوي رباط الأسرة ويجعل المجتمع متماسكاً، يشعر فيه كل قادر بأنه مسئول عن أقرب الناس إليه.


كما أوجب رعاية الجار.


يقول الله تعالى: “وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ” (النساء الآية 36).


 


وهذا التوجيه القرآني، يشمل رعاية الجار، وأصنافاً من الضعفاء في المجتمع.


 


والأحاديث الواردة في رعاية الجار، أكثر وأشهر من أن تذكر في هذا المجال.


 


والمقصود من تشريع الرفق بالضعفاء، ورعاية الجار، هو المحافظة على الأمن الاجتماعي داخل الأسرة وفي المجتمع الكبير.


 


يضاف إلى ذلك ما ورد في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة، في شأن الصدقة وصلة الأرحام والإحسان إلى الأيتام، وتوقير العلماء وأهل الفضل، وحض الحكام وولاة الأمر على الرفق بالناس، وتبادل النصح بين الراعي والرعية.


 


ثالثاً: أقام الإسلام فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي فريضة جماعية، أي تؤديها طائفة لحساب المجتمع كله.


 


يقول الله تعالى: “وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” (آل عمران الآية 104).


 


فإقامة هذه الفريضة في المجتمع، تضمن أمنه وسلامة الناس وتضامنهم في دفع الفساد وتحصيل المصالح.


 


الأمن الاقتصادي


وفي مجال الأمن الاقتصادي، حض الإسلام على العمل


وقد وردت كلمة العمل وما يشتق منها، أكثر من ثلاثمائة مرة في القرآن الكريم، شاملة العمل للدنيا وللآخرة.


ويشمل ذلك العمل في الزراعة والصناعة والتجارة.


يقول الله تعالى: “وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ “(الأنبياء الآية 80)


 


. ويقول جل شأنه: “أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ” (الواقعة الآية 63، 64).


 


ويقول سبحانه: :“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ” (النساء الآية 29).


 


ويحض الرسول صلى الله عليه وسلم على إتقان العمل، حتى يصبح عمل المسلم، متميزاً عن عمل غيره بهذا الإتقان الذي يصل إلى مرتبة الواجب الديني:


 


إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه رواه البيهقي في الشعب، والطبراني في الكبير، والسيوطي في الجامع الصغير.


 


وقد وردت توجيهات عديدة في شأن الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، وكلها تضمن ضبط هذه العناصر لتحقق أثرها في المجتمع المسلم، ولا تختل العلاقة بينها، أو يختل شيء منها، فيفسد اقتصاد المجتمع.


 


فالدولة الإسلامية، يجب أن تسعى إلى تحقيق كفاية الإنتاج من السلع والخدمات المختلفة لكل المسلمين فيها، من حيث الكم والكيف، وفي مجالات الزراعة والصناعة والتجارة، وجميع الخدمات الضرورية للناس.


 


ويحض الإسلام على حماية موارد المسلمين التي أعطاهم الله وملَّكهم إياها، والمحافظة عليها، ويحض على رعاية العامل وإعطائه أجره العادل، وعلى إتقان العمل وتنظيمه.


 


وبذلك تشمل التوجيهات الإسلامية، كل عناصر الإنتاج من موارد طبعية، وقوة بشرية، ونظام للعمل، يضمن كفاية الإنتاج.


 


والمبدأ العام في التوزيع، هو العدل، فالناس جميعاً تعود إليهم ثمرات العمل، فلا يحرم العاجز والضعيف من ضرورات حياته وحاجاته الأساسية.


 


وفي الاستهلاك يوجه الإسلام إلى القصد فيه، وينهى عن الإسراف.


 


قال الله تعالى: “وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا” (الأعراف الآية 31).


 


وقال سبحانه:“وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا” (الإسراء الآية 26، 27).


 


وقال صلى الله عليه وسلم: “كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا من غير إسراف ولا مخيلة” رواه الإمام أحمد، والبخاري، وابن ماجه.


 


والمجال لا يتسع لذكر توجيهات القرآن وما ورد في السنة المطهرة، من ضبط لعناصر الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجتمع المسلم، حتى يتحقق له الأمن الاقتصادي، وهو جانب مهم من الأمن الشامل الذي يحققه الإسلام للمجتمع المسلم.


 


الأمن الثقافي والفكري


وثمة مصطلح يظنه الناس حديثاً ومن تعبيرات هذا العصر، وهو مصطلح الأمن الثقافي، أو الفكري، بمعنى أن يعيش الناس في بلادهم آمنين على أصالتهم، وعلى ثقافتهم المستمدة من دينهم وتراثهم وأعرافهم، ولكن ما نبه إليه علماء المسلمين، وما حذروا منه، من الغزو الثقافي للأمة الإسلامية، نجد توجيهاته حاضرة وظاهرة في الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الشريفة.


 


فالمحاولات، قديمة لإبعاد المسلمين عن دينهم وعقيدتهم وشريعتهم.


 


يقول الله تعالى: “وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ” (البقرة الآية 109).


 


ويقول تعالى: “وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ” (البقرة الآية 120).


 


ويقول سبحانه: “وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا” (البقرة الآية 217).


 


وهي محاولات تعددت عبر تاريخ الإسلام كله، ولا تزال هذه المحاولات تغير من أساليبها وخططها بحسب حال المسلمين، ولكنها ما تزال تحتفظ بالهدف الذي حدده القرآن، أن يردونا بعد إيماننا كفاراً حسداً وحقداً منهم من بعد ما تبين لهم الحق.


 


إن إبعاد المسلمين عن دينهم وغزوهم ثقافيا، يتخذ وسائل، منها إضعاف العلوم الدينية الإسلامية، وإسقاطها من مكانتها في نفوس المسلمين، وكذلك علوم اللغة العربية، فهذه العلوم مصدر الثقافة الإسلامية والعربية كلها.


 


إن الغزو الثقافي، له صور ووسائل متعددة، وهو يستغل ضعف النفوس التي تعاني من الانبهار أو الانهيار أمام كل جديد من القول أو الفكر أو السلوك، دون أن تدرسه، وتضعه على موازين الإسلام لتقويمه والحكم عليه.

مقالات ذات صلة