عين على العدو

العرب و”إسرائيل”.. جدل التنمية والمواجهة

 


نحسب أن ستينية إعلان الدولة الصهيونية مناسبة لإثارة شجون وأسئلة أخرى، غير تلك التي تتصل بالبكائيات وبالسرديات التقليدية حول أسباب النكبة الفلسطينية. أحد هذه الأسئلة التي نرشحها للإلحاح على العقل العربي، يدور حول ما إن كانت الأولوية عربياً هي لملاحقة ركب التقدم والتطور بمعناهما الشامل أم لمواجهة “إسرائيل”؟.


 


مؤخراً، طرح كاتب عربي نابه هذا الاستفهام، وقبل أن يبسط اجتهاده في الإجابة عنه، عرج إلى بعض حيثيات العلو الإسرائيلي الكبير مقارنة بالعرب «كالنظام الاجتماعي والسياسي والمؤسسات العلمية والتعليمية والقضائية والعسكرية والاقتصادية، المطابقة للمعايير المعروفة في الدول الحديثة المهيمنة عالمياً».


 


وفي تقديره تبدو هذه المواصفات التي يفتقر العرب إليها مسؤولة عن ترسيخ أقدام “إسرائيل” الغريبة عن منطقتنا في العالم، مقابل هامشيتنا الحضارية التي أفقدتنا ميزة الرسوخ في هذه المنطقة»!. وعلى ذلك يذهب كاتبنا إلى أن أوضاع العرب ليست سيئة لأنهم هزموا أمام “إسرائيل” أو أنهم غير متحدين. أو لأنهم لا يمنحون أولوية مطلقة لمواجهة هذه الدولة.


 


وهو يؤكد أن الأولوية ينبغي أن تكون لمعركة التقدم والارتقاء الحضاري على ما عداها.. فلو كانت مدارسنا وجامعاتنا وبرلماناتنا وسلطاتنا القضائية ومؤسساتنا الاقتصادية ومصانعنا ومزارعنا وأنساقنا الاجتماعية والسياسية ومواطنتنا من مستوى حضاري لائق، لما كنا انشغلنا ب”إسرائيل” إلى هذا الحد! «كنا سنفوز على “إسرائيل” أخلاقياً ونفسياً، فيسهل الفوز عليها عسكرياً.».


 


هناك مدرسة عربية فكرية وحركية تتبنى هذا الرأي.. مدرسة تعتبر أن الأولوية المطلقة يجب أن تمنح لقضايا التنمية والتحديث على مختلف الصعد. ويقدر أصحاب هذا الرأي أن انتصارات “إسرائيل” على العرب تعود في أصلها وفصلها إلى فارق الطور الحضاري بين الطرفين، الذي يسجل سبقاً بمسافة شاسعة لصالح الطرف الأول على الرغم من عدوانيته وطغيانه.


 


الحق أن هذه المدرسة تحظى للوهلة الأولى ببريق وإغراء وربما بصدقية تصعب مقاومتها. ذلك لأن “إسرائيل” تتمتع بالفعل بالسبق والأفضلية الحضارية، في شقها المادي بالذات، قياساً بالعرب. كيف لا وهي التي تخصص لبحوث التنمية والتطوير العلمي نسبة من دخلها الإجمالي قد تزيد عما يخصصه الآخرون أجمعين، وتنتج أحدث المصنوعات المدنية والعسكرية وتعد من أودية السيليكون و«الهاي تيك» الشهيرة عالمياً وفقاً للمعايير المعتمدة دولياً.


 


بيد أن الانبهار بهذا التقدير لا ينبغي له أن يحملنا على الاعتقاد في صحته وصدقيته بشكل مطلق ومجرد ودون تمحيص في بعض الحيثيات.. ولا أن يصل بنا إلى القول إن منح الأولوية عربياً لمعركة التطوير والتقدم سيفضي حتماً إلى مغالبة الدولة الصهيونية.. لماذا؟.


 


لأن هذه الدولة وحالة الصراع المرير والممتد معها، مبثوثة ومستقرة وفاعلة داخل معركة التخلف والتقدم في الرحاب العربية. بمعنى أنه لا يمكن عزل قضيتي أو معركتي مواجهة “إسرائيل” والتقدم عن بعضهما البعض، عبر إدراجهما على سلم أولويات.. بحيث يتفرغ العرب لواحدة منهما ثم يلتفتون إلى الثانية بأريحية من يمتلك وحده تقرير جدول همومه ومعاركه.


 


أحد أهم عيوب مدرسة الأولويات وتقديراتها المومأ إليها أنها تقيم مثل هذا العزل وتفترض هذه الأريحية. ولو كان ذلك جائزاً لفقدت “إسرائيل” وظيفة جوهرية من وظائفها في المحيط الإقليمي العربي الذي استزرعت فيه، وظيفة الوقوف لقضية التطور واستئناف الدور الحضاري التاريخي لهذه المنطقة بالمرصاد.


 


محاولة إعاقة العرب ووقف نموهم النوعي وتأبيد تخلفهم أقدم من وجود “إسرائيل” ذاتها. لنتذكر مقاربة الغرب العدائية لمشروع محمد علي الكبير انطلاقاً من مصر والشام. ولنتذكر تكرار المقاربة ذاتها، في حضور الدور الإسرائيلي هذه المرة، مع مشروع جمال عبد الناصر النهضوي القومي.


 


يروي كريستيان بينو وزير خارجية فرنسا في منتصف خمسينات القرن الماضي، أنه عندما التقى ديفيد بن جوريون رئيس وزراء “إسرائيل”، قبل عدوان 1956 الثلاثي الشهير، أبلغه بأنه يحمل ل”إسرائيل” أخباراً سارة استقاها من لقاء له مع عبد الناصر. وهي أن الزعيم المصري سيركز جهوده على التنمية ورفع مستوى المعيشة في مصر، تاركا المشاكل مع “إسرائيل” لتحلها الأيام. وقد كان رد بن جوريون سلبياً إلى أبعد الحدود لدرجة أنه قال: إن هذا خبر سيء، معتبراً أن تجميد الصراع على الجبهة المصرية مع إصرار عبد الناصر ورفاقه على قضايا التنمية (والاستقلال) بمثابة تهديدات حقيقية للأمن الإسرائيلي.


 


وفي تقديرنا أن الفكرة الرابضة في مفهوم بن جوريون، التي تربط ديمومة التميز النوعي الإسرائيلي مقابل العرب باستمرار الضغط عليهم وإشغالهم بحروبها العدوانية واستنزاف مواردهم وبث الفرقة بينهم، هذه الفكرة لم تتقادم ولا اختفت لدى النخب الصهيونية الحاكمة حتى يومنا هذا.


 


العرب والحال كذلك ليسوا هم اللاعب الوحيد في غمرة بحثهم عن النجاة من أحابيل التخلف متعددة المظاهر والمصادر. إسرائيل وحلفاؤها الدوليون الأقوياء موجودون في ميدان معركة التقدم ووجودهم في حلبة الصراع المسلح وغير المسلح. وقدر العرب أن يواجهوا المعركتين معاً وهو أمر يحتاج إلى أولي البأس والعزم الشديدين.


 


علاوة على وقوعهم في محذور التفريق بين معركتي التقدم ومواجهة “إسرائيل”، يغالط البعض أنفسهم ومعطيات الواقع حين يطالعون أحوال العرب و”إسرائيل” بمنظور جامد (ستاتيكي).. فيتحدثون عن “إسرائيل” «المظفرة» لقاء العرب «المهزومين» على مدار العقود الستة الماضية.


 


وهذه مقاربة تنطوي على إجحاف بالشق العربي من المعادلة، وكذا بالأداء العربي في كل من ميداني التنمية والتحديث ومواجهة الغزوة الصهيوني وكيانها السياسي. فمن قال إن عرب أو حتى فلسطينيي بواكير ما بعد نكبة 1948 وتداعياتها الأولى هم أنفسهم عرب وفلسطينيو اليوم؟.


 


ومن قال إن “إسرائيل” 1948 بآمالها ومشروعها الصهيوني كما تصوره آباؤها المؤسسون هي التي نسمع ونرى في عامها الستين؟. حقاً ألحقت “إسرائيل” أذى شديداً بالفلسطينيين والعرب. وكانت ومازالت، عنصراً أصيلاً ومحدداً أساسياً بين يدي الإعاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في حياة محيطها الإقليمي العربي.


 


بيد أن هذا المحيط تمكن بدوره من مقارعتها وإبطال الكثير من رؤاها ومخططاتها، ولو أنه وظف فقط القطاعات التي أفلتت من ربقة التخلف العلمي وأبحرت في عالم الحداثة توظيفاً حسناً، لربما كان المشهد الإسرائيلي مختلفاً تماماً أو حتى مختفياً اليوم.

مقالات ذات صلة