عين على العدو

مفاوضات التهدئة وفن المراوغة الإسرائيلية

 


في خضم النقاش المحتدم فلسطينياً، وإسرائيلياً، بشأن المفاوضات غير المباشرة الجارية حالياً بين “إسرائيل” من جهة، وحركة المقاومة الإسلامية حماس من جهة ثانية، عبر مصر، تطرح العديد من الأسئلة بشأن الأسباب التي حالت حتى الآن دون التوصل إلى اتفاق للتهدئة، ومدى ارتباط ذلك بطبيعة الشروط الإسرائيلية، واستمرار الحصار الإسرائيلي الخانق على قطاع غزة.


 


يبدو من خلال تتبع تفاصيل ما يدور من نقاشات بشأن التهدئة أن “إسرائيل” لا تزال تكابر وتسعى إلى فرض رؤيتها للتهدئة، من خلال محاولة إدخال حركة حماس في سراديب نمط المفاوضات الإسرائيلية، التي تستهدف إيصال المفاوض الفلسطيني إلى مرحلة من اليأس تجبره، تحت ضغط الحاجة والظروف الصعبة، على التسليم بالشروط الإسرائيلية للتهدئة.


 


ويظهر ذلك بشكل واضح من خلال الآلية التي تطرحها “إسرائيل” لتحقيق التهدئة، التي تنص على التدرج في الاتفاق، بما يلائم “إسرائيل” وأهدافها من التهدئة. وهذه الآلية تتضمن التالي:


 


1 ـ قبول حركات المقاومة الفلسطينية بوقف إطلاق الصواريخ، وكذلك وقف تنفيذ أي عمليات عسكرية من قطاع غزة أولاً.


 


2- بعد أن تتأكد من التزام حركات المقاومة الفلسطينية بوقف النار، تتعهد “إسرائيل” بعدم الإقدام على اجتياح غزة، دون أن تلتزم بعدم تنفيذ أعمال اغتيال، وما شابه.


 


3 ـ هذه المرحلة مشروطة بإنجاز المرحلة الأولى والثانية، وبناء عليها توافق “إسرائيل” على فتح معبر رفح، مع مراقبة إسرائيلية، بعد ذلك تبدأ تدريجياً بفتح المعابر الإسرائيلية التي تربط قطاع غزة بالأراضي المحتلة عام 1948.


 


إن مثل هذه الآلية الإسرائيلية للتهدئة تعني بشكل واضح تسليم حركات المقاومة الفلسطينية بكامل الشروط الإسرائيلية، والتي تعني هزيمة المقاومة وانتصار “إسرائيل”، ولهذا رفضت من قبل حماس، التي طرحت آلية أخرى تنص على تهدئة متزامنة ومرتبطة بفك الحصار وفتح المعابر دون أية شروط، وأن تشمل التهدئة، في مرحلة ثانية، الضفة الغربية، وعدم ممانعة أن يكون هناك مراقب أوروبي على معبر رفح شرط ألا يكون سبباً في إغلاق وفتح المعبر.


 


أما موضوع منع تسلح المقاومة والتخلي عن المقاومة وإلى ما هنالك من الشروط الإسرائيلية الأخرى فهي شروط لا يمكن أن تتحقق أصلاً أو أن تلتزم بها حركات المقاومة، وهي شروط تتحقق فقط في حالة انتصار “إسرائيل” وتمكنها من القضاء على المقاومة، لكن “إسرائيل” ليست في وضع يمكنها من فرض شروطها على حركات المقاومة في غزة، خصوصاً بعد أن فشلت في تحقيق أهدافها من العدوان الأخير على القطاع، والذي تبين معه عجز الجيش الإسرائيلي في مستويين:


 


ـ عدم القدرة على وقف إطلاق الصواريخ على المستوطنات الصهيونية في جنوب فلسطين المحتلة والتي بلغت مدينة عسقلان.


 


ـ مواجهة مقاومة شرسة على الأرض أظهرت أن اجتياحاً للقطاع لن يكون نزهة وإنه سيتكبد خسائر كبيرة وفي النتيجة لن يتمكن من بلوغ أهدافه في القضاء على المقاومة، أو وقف إطلاق صواريخها.


 


ولذلك من الطبيعي القول إن ما عجزت عن تحقيقه “إسرائيل” بواسطة القوة ليس بالأمر اليسير أن تحققه بواسطة التفاوض، وأساليب الخداع والمناورة والضغوط، خاصة إذا كان الطرف الذي يقابلها هو طرف مقاوم يدرك مثل هذه الألاعيب الإسرائيلية، وقد استفاد جيداً من تجربة المقاومة في لبنان، على صعيد التفاوض غير المباشر، والذي اقترن وارتبط بالفشل الإسرائيلي في ميدان المعركة.


 


انطلاقاً من ذلك عمدت “إسرائيل” إلى إرفاق عملية التفاوض حول التهدئة بتشديد الحصار على قطاع غزة، لاستخدامه ورقة ضغط في المفاوضات، حيث تعتقد أن تقليص كميات الوقود للقطاع، والسلع الأساسية، وعدم إدخال الأدوية الضرورية، سوف يتكفل بزيادة الأوضاع الاقتصادية صعوبة، ويخلق واقعا شعبياً ضاغطاً على حركة حماس يدفعها للقبول بالشروط الإسرائيلية للتهدئة من أجل فك الحصار الخانق.


 


غير أن مثل هذا الأسلوب الإسرائيلي، الذي يستخدم سياسة التجويع لتحقيق أهدافه، ليست غافلة عنه حركات المقاومة، وفي طليعتها حماس، التي وضعت خطة لمواجهته وإحباط أهدافه، من خلال تحويل الحصار إلى قنبلة تنفجر غضبا في وجه “إسرائيل”، وباتجاه خلق الظروف المواتية التي تدفع مصر إلى فتح معبر رفح، حتى لا يتكرر ما حصل في السنة الماضية من اجتياح جماهير غزة للمعبر للتزود بالمؤن والأدوية الضرورية.


 


ويبدو أن مصر تدرك ذلك، وهي تعمد إلى فتح المعبر بين فترة وأخرى، لعدة أيام، من أجل الحيلولة دون بلوغ الأوضاع هذا الحد من عدم القدرة على التحمل.


 


في ضوء ذلك فإن “إسرائيل” لن تستطيع أن تستخدم ورقة الحصار لإجبار حركة حماس على التخلي عن شروطها، والتسليم بالمطالب الإسرائيلية، وقد برز ذلك من خلال إعلان مسؤول حكومي إسرائيلي عن انزعاج “إسرائيل” من المسلك المصري في المفاوضات عندما قال: «إن مصر لا تتصرف كوسيط عادل في محادثات التهدئة بل كشريك ثالث له مصالحه الخاصة، التي يبني كل مواقفه على أساس هذه الرؤية، وإنه توصل إلى قناعة بأن ما يهم مصر هو إرضاء حماس، حتى لا توجه جماهيرها لتحطيم الجدار الحدودي بين سيناء وقطاع غزة، كما حصل في نهاية السنة الماضية.


 


انطلاقاً مما تقدم فإن “إسرائيل” في نهاية المطاف ليس إمامها من خيار سوى القبول بشروط حماس للتهدئة المتزامنة، والمرتبطة بفك الحصار ووقف العدوان، مقابل وقف إطلاق النار، على أن يشمل ذلك في مرحلة لاحقة الضفة الغربية، ولم يعد لدى “إسرائيل” هامشاً للمناورة، بسبب العوامل التالية :


 


العامل الأول: عدم القدرة على تحمل الاستمرار في حرب استنزاف متواصلة، بين قطاع غزة وجنوب فلسطين المحتلة عام 1948، حيث بات أكثر من ربع مليون مستوطن عرضة لقصف صواريخ المقاومة، في وقت كشف رئيس جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي «شين بيت» يوفال ديسكي، في تقرير سلمه إلى حكومته مؤخراً، أن حماس باتت تمتلك صواريخ قادرة على ضرب أسدود وكريات غات، وهي مناطق تبعد 40 كيلو متراً عن حدود قطاع غزة، وأشار إلى أن استخدام هذه الصواريخ مسألة وقت، ويعني ذلك أن العمق الإسرائيلي في معظم جنوب فلسطين المحتلة بات في وضع أمني غير مستقر، وعرضة، في أي معركة جدية، إلى القصف، الأمر الذي سيترك أثاره وتداعياته على مسار الصراع بشكل نوعي لصالح المقاومة، ويجعل “إسرائيل” في وضع ضعيف لناحية القدرة على إملاء شروطها، أو لناحية التمسك والتعنت في رفض التسليم بالمعادلة الجديدة التي فرضتها المقاومة في ميدان المعركة.


 


العامل الثاني: أن خيار اجتياح قطاع غزة، لفرض الاستسلام على المقاومة والشعب الفلسطيني، ليس مضمون النتائج، كما تقول القيادة العسكرية الإسرائيلية نفسها، ولذلك هي تتحفظ على أي توجه للقيام بحملة عسكرية، لعدة أسباب في طليعتها:


 


ـ الخشية من وقوع خسائر كبيرة في صفوف الجيش الإسرائيلي، وعدم القدرة على وقف الصواريخ، وكذلك عدم قدرة القضاء على المقاومة.


 


ـ احتمال سقوط سلطة محمود عباس نهائيا، وتفجر انتفاضة فلسطينية ثالثة في الضفة الغربية.


 


ـ حصول خسائر كبيرة في صفوف المدنيين الفلسطينيين، وبالتالي تفجر موجة غضب عربية ودولية ضد “إسرائيل”.


 


ـ مثل هذا الوضع سوف يؤدي إلى تعميق المأزق الإسرائيلي، إلى جانب الفشل في تحقيق أي من الأهداف التي تريد بلوغها “إسرائيل” من العملية العسكرية، لذلك كله فإن المفاوضات الجارية، وإن شهدت مرحلة مد وجزر، إلا أنها في النهاية سوف تؤدي إلى تسليم “إسرائيل” بمعادلة توازن الرعب التي تفرضها المقاومة الفلسطينية عبر تطوير عملياتها النوعية، وقصف المستعمرات الصهيونية في جنوب فلسطين، لردع ولجم العدوان الصهيوني الوحشي ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. 

مقالات ذات صلة