عين على العدو

أولمرت بلا جوهر .. القيادة في الأوقات العصيبة بحاجة لصلاحيات أخلاقية

لايهود اولمرت مزايا كثيرة. رئيس الوزراء هو صديق جيد لرفاقه واب مخلص لاولاده ووفي للموالين له. هو ليس لامعاً الا انه ذكي. ليس عميقاً الا انه براغماتي. مواظب ومجتهد وبارد الاعصاب. اولمرت يمتلك مزايا كثيرة من مزايا صانعي القرار. تضاف اليها قدرته علي صيانة شبكات الطاقة واستخدامها وقت الضرورة.


اولمرت هو سياسي موهوب متعدد الوجوه. هو يعرف كيف يسحر ويخيف. يلعب بنار العالم الفسيح الا انه يعرف كيف يخفض من هامته. من المشكوك فيه ان يكون في البلاد شخص اكثر منه ارتباطاً وتشبيكاً. ولا أحد مثله يعرف كيف يجتذب الكبار ويتصاحب مع المجرمين الجناة.


وعلي الرغم من ذلك يعاني رئيس الوزراء من نقص كبير يلقي بظلاله القاتمة علي كل مزاياه: هو شخص بلا جوهر. ليست لديه رؤية وفلسفه شمولية للواقع وليست لديه اسس قيمية او مبادئ بنيوية. ليس لدية لباب او الواح العهد القديم ان انطلقنا من المفاهيم العميقة، فاولمرت لا يعرف من اين والي اين يسير. لذلك هو يستطيع ان يقول اليوم عكس ما قاله بالامس من دون ان ترمش له عين.


ايضاً هو لا يجد اية صعوبة في قول الف والقيام بـ الباء . رئيس الوزراء قادر علي تغيير جلده وسياسته بكل سهولة وليونة. لذلك هو مواظب علي استغلال الفرص وقادر علي البقاء بصورة عبقري. الا انه يصنع واقعاً قصير العمر والبقاء.


كونه قائداً بلا بوصلة او دفة، هو يشد الانتهازية حتي درجة السخافة والبراغماتية حتي فقدان الطريق. هو يحمس الناس ويثير حماسهم واحياناً ينومهم مغناطيسيا، ولكن خلال الاربعين عاما التي قضاها في السياسة لم يترك وراءه اية بصمات. حتي خلال عامين في رئاسة الوزراء لم يفعل اي شيء حقيقي هام.


هذان كانا عامين هامين كان من المفترض برئيس الوزراء ان يبني الدولة خلالهما علي طريق الاختبار التاريخي الاكبر في نهاية العقد. كان من المفترض فيه خلال هذه الفترة ان يسعي بدأب وراء السلام وان يستعد للحرب. ان يعد الارض تمهيداً لتقسيم البلاد وان يعد الافئدة للكفاح من اجل البلاد. ان يكبح ايران وان يجرب سورية وان يستنفد حماس. ان يوطد شرعية اسرائيل كدولة قومية يهودية ديمقراطية. ان يعيد لها مزايا الدولة النوعية. ان يعيد هيبة الحكم المركزي والنهج الوطني الشامل وان يجدد حكاية المعني والمغزي وان يوفر للدولة أدوات للحكم واعتزازاً سياسيا وشعوراً بالاتجاه.


اولمرت لم يفعل اي شيء من هذه الامور. هو وعد بالانطواء وتراجع بعد ذلك. وعد بانهاء الصراع فخيب الآمال. فشل في حرب لبنان الثانية وفشل في فهم معناها وما يترتب عليها. فعل ولكن بقدر غير كاف بعض الامور. في القضية الايرانية المصيرية. يضيع وقتاً عزيزاً قبل الولوج الي المفاوضات مع سورية ومن دون ان يبلور استراتيجية شاملة ودائمة في مواجهة حماس. لم يعد الدولة استعداداً لاخلاء المستوطنات. هو ايضا لم يجلب الامة للاصطفاف من وراء الجيش ودعمه.


رئيس الوزراء راوح في المكان خلال العامين الماضيين في كل ما يتعلق بالخارجية والامن. ولكن بالنسبة للداخل والمجتمع فقد تسبب بضرر فادح وهائل. هو لم يجسد الانقلاب المطلوب في جهاز التربية والتعليم واحدث انقلابا مدمراً في جهاز القانون والقضاء. خضع بلا شروط لشاس وشجع تصاعد المركزية في الانتاج وقبل باتساع الفجوات الاجتماعية. في ظل اولمرت اصبحت اسرائيل دولة مستباحة، فرطت بالضعفاء والعاجزين والتكافل الاجتماعي تآكل والعدالة الاجتماعية اصبحت مداساً. الفساد اصبح وباء متفشياً في الدولة.


في دولة اخري وفي عهد آخر كان من المحتمل التعامل بتسامح مع اخفاقات رئيس الوزراء الثاني عشر. في آخر المطاف هو ما زال غضا مبتدئاً. ربما سيتعلم بعد حين. وفقاً للمصادر الاجنبية يتبين انه قد تعلم كيف يتخذ قرارات في مجال الامن القومي. ووفقاً للمصادر الاقتصادية هو قائد انتاجي بصورة معقولة. ليس كل شيء اسود بأسود. والشبهات التي تحيط به شخصياً لم تثبت بعد.


ولكن في هذه الدولة اصبح التسامح تجاه الحكام ترفا. اسرائيل بحاجة اليوم الي الامتياز في كل المجالات خصوصاً في مجال القيادة. اولمرت ليس متفوقاً في هذا المضمار. هو لا يمتلك الخصلة وليست لديه. الشخص الذي لا يمتلك الجوهر واللباب لا يستطيع قيادة الدولة نحو السلام او الصمود في الحرب. شخص بلا صلاحيات اخلاقية لا يمكن ان يكون قائداً في الاوقات العصيبة.


لذلك ورغم ان اولمرت هو شخص رائع وصديق مدهش وودود، الا ان مكانه ليس في رئاسة الوزراء. وجوده في الحكم لعامين مصيريين آخرين هو مغامرة علي كل الخزينة.

مقالات ذات صلة