عين على العدو

الأجواء إيجابية … ولكن

 


حالة من التفاؤل تسود هذه الأيام الأوساط الفلسطينية بمختلف اتجاهاتها، بعد عام من التشنج والتمنّع والتوتير، ولا نبالغ إذا قلنا من العناد المقصود ووضع العراقيل أمام انطلاق حوار فلسطيني فلسطيني يزيل الخلاف بين أبناء الوطن الواحد، وينهي حالة العداء المصطنع والذي لا يخدم إلا أعداء شعبنا.


 


هذا التفاؤل لا يخلو من الحذر بعد تجارب سابقة مريرة، فشلت في منع المواجهة المسلحة قبل عام، من اتفاق القاهرة عام 2005 الى وثيقة الوفاق الوطني عام 2006 ثم اتفاق مكة عام 2007، ناهيك عن جولات ولقاءات واتفاقات ميدانية كثيرة، حذر له ما يبرره ان لم تصدق النوايا أولاً، وثانياً وضع آليات تنفيذ محددة وواضحة ووفق جدول زمني لا يترك الأمور عائمة ومفتوحة للتأويل، وأخيراً إبعاد عناصر التوتير والفتنة والتي ليس من مصلحتها نجاح أي اتفاق فلسطيني فلسطيني ينهي دورها التوتيري التحريضي.


 


جربت الأطراف سياسات مختلفة تتغاضى وتتجاوز عناصر الفتنة والتوتير دون التعامل معها، بل في بعض الأحيان وقعت اتفاقات مع ذات العناصر التي كانت تثير الفتنة، لتسقط الاتفاقات قبل أن يجف حبرها، ورفعت شعارات من قبيل “عفا الله عما سلف” و “الاتفاق يجب ما قبله”، مروراً بمقولة “نفتح صفحة جديدة”، لكن هذه السياسات والشعارات فشلت كما الاتفاقات الموقعة سابقاً، وعليه لابد هذه المرة من التعامل المباشر وعدم التغاضي عن عناصر التوتير والفتنة.


 


صحيح أن محمود عبّاس قام المدة الماضية بالتخلص وابعاد العديد من تلك العناصر من الدائرة المحيطة به، بل وابعاد بعضهم الى خارج الأراضي الفلسطينية، وهي عناصر ساهمت بشكل كبير في افشال الاتفاقات السابقة، منهم وزراء سابقون، ومنهم ناطقون واعلاميون، منهم من ابعد الى مصر تحت مسميات ومناصب مختلفة، ومنهم من أُعيد إلى أوروبا يجر أذيال الخيبة بعد فشله في كل ما اوكل اليه من مهام وسقوط قناعه، اللهم إلا اظهار الأحقاد والأمراض، وهو الذي أدى إلى طرده شر طردة من محاضرة أقيمت مؤخراً في أوروبا، وآخرون غيرهم اختفوا تماماً عن الساحة السياسية العلنية لكنهم ما زالوا يقومون بدور خفي.


 


رغم إبعاد البعض، لازال حول عبّاس وفي دائرة صنع القرار من ساءتهم دعوته الأخيرة، وانطلقوا وبدأوا بممارسة ذات الدور الذي قاموا به سابقاً، في محاولة لتقويض أي اتفاق محتمل قبل أن يرى النور.


 


من هؤلاء على سبيل المثال ياسر عبد ربه الذي أصبح بقدرة قادر وفي غفلة من الجميع أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهو بالكاد يمثل نفسه، والذي حاول ويحاول جاهداً وبكل الوسائل تصعيد الموقف وتسخينه بعد كل مبادرة ايجابية، فعل ذلك صيف عام 2006 وخلافه المعروف مع وزير الخارجية القطري في حينه، يوم كان الاتفاق قاب قوسين أو أدنى، وفعلها أيام اتفاق مكة، واستمر في تصريحاته المسمومة، بل وصل حد التهجم على المذيعين كما فعل مع مذيع البي بي سي بشكل يذكر بأعمال البلطجة في جمهورية الفاكهاني التي ترعرع فيها، وأخيراً ما صرح به بالأمس الخميس 05/06/2006 لإذاعة صوت فلسطين حيث قال واضعاً شروطه إياها في تصعيد وتوتير مقصودين: “ان الخطوة المطلوبة من حماس لا زالت هي إنهاء الانقلاب… ان الموضوع ليس موضوع حوار والجلوس علي الطاولة للحديث، وانما هل نستطيع الوصول الي نتيجة حقيقية من جلوسنا علي الطاولة، ام أن الجلوس علي الطاولة سوف يستخدم فقط للتغطية علي الانقلاب وتكريس الأمر الواقع؟ …. وقبل الجلوس علي الطاولة للبحث لا بد من ان تكون هناك خطوات واضحة ومحددة لإنهاء الانقلاب، لإعادة توحيد السلطة لإجراء انتخابات مبكرة للوصول الي حل للمشاكل الناتجة عن الانقسام والانفصال بما فيها وحدة الأجهزة الأمنية وفق النظام والقانون …. وأضاف ان انهاء الانقسام يعني أيضاً القبول ببرنامج منظمة التحرير والتزاماتها كما حددت ذلك المبادرة اليمنية”!


 


ومنهم أيضاً مستشار عبّاس نمر حمّاد الذي استجلب من ايطاليا بعد عقود من الزمن قضاها هناك، ليكون دوره الحصري هو التوتير والطعن والتشكيك في كل موقف تقاربي، ونذكر جميعاً كيف جن جنونه على الهواء وأمام الملايين ليتلاسن مع عزام الأحمد بعد توقيع اتفاق صنعاء، لم يتمالك نفسه يومها وهو يشهد اتفاقا فلسطينيا ينهي الخلاف، ولم يصبر الى ما بعد اللقاء المباشر، فأخرج ما في جعبته من رفض مطلق للاتفاق والوفاق، وهو ذات الموقف الذي كرره بالأمس بعد كلمة إسماعيل هنية، لم ير حمّاد فيها إلا السلبية، وكرر اسطوانته المشروخة وعباراته التوتيرية التي اعتاد عليها، وهو ما جعل كاتبا فتحاويا ومحافظا سابقا هو منذر رشيد أن يطلب منه أخذ اجازة صيفية طويلة، وعلى حساب الشعب الفلسطيني لأنه وبحسب الكاتب: “اذا أردنا ان نجعل الحوار مجدياً ويصل الى ما  يطمح اليه شعبنا على أمثال السيد نمر حماد أن يأخذوا إجازة وخاصة اننا على أبوب الصيف  ورحلة استجمام مدفوعة التكاليف وعلى حساب الشعب الفلسطيني  ‘ لأننا بالمحصلة بوجودهم سنخسر أكثر  من ثمن تكاليف رحلاتهم”.


 


بطبيعة الحال لا ننسى هنا من لعبوا دوراً رئيسياً في الفتنة، من لوردات الأجهزة الأمنية، أمثال الهاربين دحلان والمشهراوي وأبو شباك، أو من بقي منهم ليمارس جهازه قمعه المعتاد كالطيراوي، هذه العناصر أصبح من شبه المستحيل أو ربما المستحيل القبول بهم أو أن تشملهم أي مصالحة وطنية، أو السماح لهم بممارسة أي دور، لأنهم وببساطة عامل انفجار ومواجهة، بل هم ضمانة لفشل أي اتفاق ووفاق، وهم وكما أكدت الأحداث والتقارير من كان يهيئ للانقلاب الحقيقي بدعم خارجي.


 


مع أن المنطق والعدل يفترض محاسبتهم ومعاقبتهم، إلا أن الأجواء الايجابية الجديدة لا يراد لها أن تتعكر بأمثالهم، فأضعف الإيمان أن يتم إبعادهم وعزلهم تماماً عن مواقع ودوائر صنع القرار، ويكفيهم ما قاموا به حتى اليوم.


 


هذا لا يعني أنه لا توجد أصوات عاقلة وحكيمة، تتخذ مواقف مشرفة، وتمنح الأمل بالتوصل لاتفاق ينهي حالة التوتير والعداء، وهذه الأصوات العاقلة الحكيمة هي في ازدياد بعد انضمام بعض من كانوا في معسكر التوتير الى معسكر العقلانية والمصلحة العامة.


 


بهذه العوامل فقط يمكن ضمان النجاح لأي اتفاق قادم، وضمان ألا يلقى مصير ما سبقه من اتفاقات: صدق النية، آليات واضحة وبسقف زمني محدد، وإبعاد العناصر التوتيرية،….. وإلى الأبد.

مقالات ذات صلة