عين على العدو

قطاع غزة قضية ليست عربية

 


صار خبر قتل ثلاثة فلسطينيين وجرح عشرين وجرف خمسة بيوت وتشريد سكانها منها في قطاع غزة من الأخبار التي تمر بشكل اعتيادي لا يلتفت إليها، وباتت قضية حصار غزة وتجميع الناس وإقفال المدارس وانقطاع الكهرباء وانتشار البطالة من القضايا التي لا تستحق إصدار بيان أو موقف، فهي تحدث يومياً، بل مرات عدة في اليوم. ونتيجة لذلك، بات قطاع غزة منطقة مهملة كلياً، ولم يعد قضية عربية ولا حتى فلسطينية، فالقطاع يقصف، والأطفال يموتون يومياً، والمصافحات والقبلات على قدم وساق بين المتفاوضين الفلسطينيين والصهاينة، كأن أهالي قطاع غزة ليسوا فلسطينيين، وكأن سكانه ليسوا بشراً، ويقفون في حلق تحقيق (السلام) الوهمي الذي يعد به الرئيس الأمريكي جورج بوش ليتحقق قبل نهاية 2008. وفي الحقيقة، إذا استمرت الحال كما هي عليه الآن في قطاع غزة حتى نهاية عام ،2008 فإن القطاع سيشهد ثورات الجوعى والمظلومين والمحرومين، وستتأثر المنطقة كلها وتتحمل مسؤولياتها كاملة، إذا كانت لا تزال تفكر في المسؤولية.


 


قطاع غزة بكل بساطة، وحسب المعطيات الحالية والسابقة لم يعد قضية عربية، بل تحول إلى قضية جماعات حقوق الإنسان في أوروربا وأماكن أخرى، فقد أعلن تحالف لجماعات حقوق الإنسان تتخذ من المملكة المتحدة مقراً لها إن الوضع الإنساني في قطاع غزة هو الأسوأ منذ حرب عام ،1967 عندما احتلت “إسرائيل” القطاع، هذا الخبر نشر خلال شهر مارس/ آذار الماضي، وانتقدت الجماعات، ومن بينها منظمة العفو الدولية ومنظمة “انقذوا الأطفال” و”كافود” و”كير انترناشيونال” و”كريستيان آيد”، الحصار “الإسرائيلي” على غزة ووصفته بأنه عقاب جماعي غير شرعي، فشل في تحقيق الأمن ل “إسرائيل”. وقالت الجماعة في تقريرها الذي عنونته ب “قطاع غزة: انفجار إنساني” إن الحصار أدى إلى زيادة مستويات الفقر والبطالة بشكل دراماتيكي، كما أدى إلى تدهور التعليم والخدمات الصحية، حيث يعيش أكثر من مليون ومائة ألف من سكان غزة على المعونات الغذائية، كما أن من بين 110 آلاف شخص يعملون في القطاع الخاص خسر 75 ألف شخص وظائفهم، ناهيك عن قتل أكثر من 150 شخصاً على الأقل وجرح مئات آخرين نتيجة للتوغلات والقصف الصهيوني اليومي على البيوت الآمنة. والأنكى من ذلك، أن العصابات الصهيونية في الكيان الصهيوني تعترف بذلك وتقول إنه كان نتيجة خطأ.


 


قطاع غزة لم يعد قضية عربية، ولا أحد يلتفت إليه من الشخصيات الفكرية والمثقفة والسياسية العربية، بينما يتصدى داعية السلام الجنوب إفريقي والحائز على جائزة نوبل للسلام ديزموند توتو للحصار المفروض على قطاع غزة ويصفه بأنه عمل مثير للاشمئزاز، بل دان صمت المجتمع الدولي وتقاعسه إزاء هذا الحصار الذي يشبه ما يقوم به حكام بورما، ووصف تقاعس المجتمع الدولي بأنه وصمة عار للجميع. صحيح أن توتو أمسك بالعصا من الوسط، حين أبلغ رئيس الحكومة الفلسطينية المقالة اسماعيل هنية لدى اللقاء به بأن إطلاق الصواريخ على المدن والبلدات “الاسرائيلية” يمثل انتهاكاً لحقوق الإنسان، إلا أنه وصف مقتل 19 فلسطينياً سقطوا خلال قصف القوات “الإسرائيلية” لمنزلين في بلدة بيت حانون شمالي القطاع في شهر نوفمبر/تشرين الثاني من عام ،2006 وهي القضية التي جاء ليحقق فيها، وصفها بأنها مجزرة.


 


قطاع غزة ليس قضية عربية، عالم الرياضيات الأمريكي ديفيد مامفورد تبرع في السادس والعشرين من مايو/ أيار الماضي بجائزة علمية، كانت دولة الكيان الصهيوني قد منحته إياها في وقت سابق، إلى كل من جامعة بير زيت الفلسطينية ومنظمة “جيشا الإسرائيلية” التي تعنى بحماية حقوق الطلاب الفلسطينيين في قطاع غزة. وكان مامفورد قد فاز بجائزة “وولف برايز”، وتبلغ قيمة نصيبه منها 33333 دولاراً أمريكياً، وقال العالم الأمريكي، الذي يعمل في جامعة براون في الولايات المتحدة، إنه قرر التبرع بحصته من الجائزة لأنه يؤمن بأن “حرية الحركة والانتقال شيء أساسي وجوهري للتطور الفكري”.


 


قضية قطاع غزة ليست عربية، اكتفت الجامعة العربية بإجراء محادثات طارئة بتاريخ 21 يناير/ كانون الثاني الماضي،  بشأن الحصار “الإسرائيلي” لقطاع غزة، وما أدى إليه من انقطاع للكهرباء، واصفة الوضع بأنه “كارثي”. وهو وصف لا يعكس أي موقف، وبدلاً من رفع الحصار ومواجهة الحقارة الصهيونية، فقد بحث مندوبو الدول الأعضاء في الجامعة، الدعوة الى فتح معبر رفح بين غزة ومصر، الذي تصر “إسرائيل” على إبقائه مغلقاً.


 


قطاع غزة ليس قضية عربية، فكل دولة لها من المشاكل الداخلية ما يكفيها، هذا لسان حال كل الدول العربية، أما دول الجوار، فمنها من عقد اتفاقيات (سلام) مع الكيان الصهيوني، ومنها من انضم حديثاً لقطار (السلام)، الأمر الذي سينعكس سلباً على موقف القيادة الفلسطينية في قطاع غزة وغيره، وستكون الدولة العبرية قد نجحت في مساعيها في عقد اتفاقيات سلام مع دول الجوار، وحيّدتها عن الصراع العربي  الصهيوني، ولم يتبق سوى الاستفراد ب “الإرهابيين” الذي استولوا على القطاع، ومن هؤلاء الإرهابيين أطفال رضع وتلاميذ مدارس وشيوخ ومرضى.


 


الرئيس المصري الراحل أنور السادات، قبل أن يذهب إلى الكنيست، تعهد بأن يحقق إنجازات لمصر وفلسطين، لكنه عقد اتفاقية كامب ديفيد، وفتح الاقتصاد على مصراعيه، ولم يحقق شيئاً لا لمصر ولا لفلسطين، فهل سيحقق الآخرون (إنجازات) تذكر، علما بأن أحداً لا يستطيع أخذ شيء من سياسيي الكيان الصهيوني، والمشاهد والشواهد كثيرة؟


 


قطاع غزة، ونتيجة للعودة غير المدروسة للقيادات الفلسطينية إلى غزة قبل 14 عاما تقريباً، لا بد أن يعاني ما يعانيه، فالقطاع مرتبط اقتصادياً بالكيان الصهيوني، يحصل على الوقود والغاز منه، والنظام المصرفي مرتبط به، والعمال يذهبون للعمل في المستوطنات! والتجارة تزدهر حين تفتح المعابر، والعملة هي “الشيكل”، أي العملة “الإسرائيلية”، فكيف تحرر القطاع، وهو يتلقى تدفئته وأمواله وقوت يومه من “الإسرائيليين”؟


 


قطاع غزة تحت الحصار منذ شهور طويلة، وحكومة حماس ليست السبب، بل المجزرة اليومية هي الهدف، كل يوم شهداء وقتلى وجرحى، وسيستيقظ المجتمع الفلسطيني ذات يوم ليجد سكان القطاع ما بين جريح ومشرد ومعاق وأسير وسجين وشهيد، وقلة قليلة ستحيا لتكون شاهدة على الصمت العربي الكريه، والتجاهل العالمي المتآمر. فمن لهذا القطاع غير الله؟

مقالات ذات صلة