العميلة «الصغيرة» للموساد ترصد القادة الكبار قبل اغتيالهم
المجد
في مساء التاسع من نيسان/ أبريل 1973 كانت الفتاة الحسناء «ياعيل» والشاب الوسيم «أفيتار» يجلسان في مطعم فندق فاخر في قلب بيروت يحتسيان النبيذ ويتمتعان بمذاق الأكلات اللبنانية.
لم يكن بإمكان أي من رواد المطعم أن يخمن حقيقة هويتهما كعميلين للوحدة التنفيذية المسئولة عن الاغتيالات في جهاز المخابرات الخارجية الصهيونية «الموساد»، وأن زيارتهما لبيروت مرتبطة بعملية سرية ستتم بعد ساعات.
هذا بعض ما جاء في مقدمة كتاب «ياعيل ـ مقاتلة الموساد في بيروت»، نشر بعض مقاطعه صحيفة «يديعوت أحرونوت» الذي ركز على دور ياعيل وقصتها كسيدة في عاصمة عربية والتي قال عنها رئيس الموساد لاحقا إنه لولا معلوماتها الاستخباراتية الحيوية المباشرة لما خرجت العملية لحيز التنفيذ. قال ذلك على مسامع رئيسة حكومة دولة الكيان وقتها غولدا مئير التي عرّفها الموساد عليها ففوجئت بصغر سنها وشجاعتها وبادرت لتقبيلها.
وسألها أفيتار وقتها عن الحي الذي تسكنه وعن شقتها وجيرانها الذين تراهم من نافذتها، وكان يقصد طبعا القادة الفلسطينيين البارزين الثلاثة كمال عدوان وكمال ناصر ومحمد يوسف النجار الذين اغتيلوا انتقاما لعملية ميونيخ، داخل شققهم في شارع في حي فردان في العاصمة اللبنانية.
من جهتها توجت «ياعيل» مهمتها بالقول لأفيتار إن ثلاثتهم كانوا في شققهم في تلك الليلة. قبيل توديعها طلب منها العودة لشقتها والمكوث في ناحية بعيدة عن النافذة، واعدا باللقاء بها بعد أيام في مكان وزمان يحددهما لاحقا. وتقول ياعيل ابنة التاسعة والسبعين الآن، إنها لم تكن تدري أن كوماندوز صهاينة، يتحركون في عمق البحر وينتظرون تعليمات لبلوغ ساحل بيروت، وبالتالي لم تكن تدرك أن تأكيد وجود الشهداء الثلاثة في شققهم يعني إيذانا بعملية الاغتيال التي سمتها دولة الكيان حينها «ربيع الشعوب»، وهي عملية قادها رئيس الحكومة الأسبق الجنرال إيهود باراك عندما ترأس وحدة خاصة تابعة لهيئة الأركان. وحسب كتب صهيونية سابقة فقد تخفى باراك بلباس امرأة.
وتقول ياعيل إنها عادت من المطعم ومن جولة قصيرة في بيروت لشقتها وتأكدت أن أحدا لم يدخلها كما تفعل دوما، وتأكدت أيضا عبر نافذتها أن المستهدفين الثلاثة ما زالوا في شققهم.
وكان النجار وعدوان يقيمان في الطابق السادس، بينما كان ناصر يقيم في الطابق الثالث من العمارة. وبعد ساعات استيقظت على سماع أزيز الرصاص وتبادل نيران كثيفة ومن طرف النافذة شاهدت ثلاث سيارات ضخمة على حافة الشارع وسمعت من ينادي بالعبرية «تعال إلى هنا». عندها ربطت بين ما قالته لأفيتار وبين ما تشاهده. وتعترف بأنها كانت بريئة وساذجة وقد اختارها الموساد كونها كذلك كي تستخدم سذاجتها إلى جانب أنوثتها في إبعاد الشكوك عنها.
وتستذكر ياعيل أنه بعد سماع الرصاص ساد هدوء لعدة دقائق قبل أن تهرع قوات الدرك اللبناني وعندها جلست على طاولتها وكتبت رسالة سرية للمسؤول عنها حول ما شاهدته.
وتوضح ياعيل أنها يهودية من أصل كندي وصلت إلى دولة الكيان بعد أزمة في حياتها الزوجية وقادها قدرها لعلاقات زوجية مع حارس رئيس الموساد تسفي زمير الذي ضمها للتنظيم السري بعد عدة لقاءات مع مسؤولية.
وتدربت ياعيل في بروكسل طيلة شهور قبيل سفرها لبيروت حيث انتحلت شخصية كاتبة ومخرجة سينمائية أمريكية تدعى هاستير ستينهوف ترغب في إنتاج فيلم عن كاتبة أوروبية أقامت في بيروت في القرن التاسع عشر.
وبعد الفندق استأجرت ياعيل شقة قبالة مساكن القادة الفلسطينيين كانت للبناني فؤاد عبود الذي أقام وشقيقاته بطابق آخر من عمارته. وداخل شقتها وضعت طاولة للكتابة بجانب نافذة تطل على المستهدفين لمراقبة أوقات دخولهم وخروجهم وجمع معلومات عن عائلاتهم وحراسهم وعن مجمل الفعاليات في بيئتهم. وصورت أماكن كثيرة وحساسة في بيروت كما تقول، وزودت الموساد هي وأفيتار الذي اقتضت الخطة «التعرف» عليه كسائح داخل فندق الانتركونتننتال بعدما سألها عما إذا كان قد التقى بها في متحف اللوفر في باريس بالماضي.
وبعد عملية الاغتيال مكثت ياعيل خمسة أيام وسط بيئة مطربة ومحاولات الأمن اللبناني ملاحقة سائحين أجانب قبل أن تحلق من بيروت إلى بروكسل لقضاء أسبوع نقاهة وتنفست الصعداء حينما حلقت الطائرة بالجو خارج أجواء لبنان.