عين على العدو

أسئلة هزيمة حزيران على الأجندات العربية

 


العرب يتفككون، “إسرائيل” تكرس الاحتلال والضم، آفاق التسوية مغلقة بالحواجز والمعابر والبوابات والجدران والاستيطان، والفلسطينيون يتساءلون: ماذا تبقى لنا من أرض لإقامة الدولة المستقلة؟ ومعطيات وحقائق الأمر الواقع على الأرض تشهد أن المستعمرات الاستيطانية تنتشر على امتداد الجسم الفلسطيني، والمستوطنون- ودولة المستوطنين دولة ثانية إلى جانب “إسرائيل”، الجدار العازل وتفريخاته من الجدران.


 


تداعيات المستعمرات والجدران على الأرض والدولة، وتمزيق الوحدة الجغرافية والسكانية للضفة وإقامة مدن المعازل، والحصارات والأطواق والحواجز وتحويل حياة السكان إلى جحيم، والاغتيالات والاجتياحات وبلدوزر تدمير البنية التحتية ومقومات الاستقلال والدولة، تهويد المدينة المقدسة ومدينة خليل الرحمن…!


 


ربما تشكل العناوين أعلاه الخلاصة المكثفة جداً للمشهد العربي الفلسطيني في فلسطين في مواجهة «إسرائيل» العدوان والاحتلال والاستيطان والتهويد، فالعرب عملياً يتفككون ويتشظون ويفقدون البوصلة يوماً عن يوم، وينجرفون إلى القطرية والإقليمية والمسارية الأحادية، في الوقت الذي أصبح الفلسطينيون يتساءلون اليوم بعد واحد وأربعين عاماً على العدوان والاحتلال: ماذا تبقى لنا من أرض لإقامة الدولة الفلسطينية؟.


 


وذلك بعد أن أصبحت هذه الأرض تحت السيطرة الإسرائيلية المطلقة، فدولة الاحتلال لا تنام أبداً وهي تعمل على مدار الساعة على تكريس الاحتلال والضم وتغلق آفاق التسوية السياسية بالحواجز والمعابر والبوابات والجدران والاستيطان، ولذلك لا نبالغ حينما نقول إن حرب حزيران 67 والهزيمة العربية الساحقة فيها شكلت بكل ما أفرزته من نتائج عسكرية وسياسية واقتصادية وسيكولوجية وجيواستراتيجية، تحولاً خطيراً في مجرى الصراع العربي – الإسرائيلي ما زلنا نعاني منه عربياً حتى اليوم وإلى أجل غير مسمى، نظراً لما نتج عنها من خللٍ خطيرٍ في توازن القوى بين العرب و”إسرائيل”، ما سمح لتلك الدولة بأن تصول وتجول وتشن الحروب المتواصلة على العرب والفلسطينيين.


 


واليوم وبعد واحد وأربعين عاماً من الهزيمة والحروب الإسرائيلية المفتوحة تبقى الأسئلة الكبيرة تتفاعل على الأجندات العربية: لماذا حصلت الهزيمة آنذاك، ولماذا الهزيمة المستمرة منذ ذلك الوقت وحتى اليوم؟ وهل استخلص العرب يا ترى العبر والدروس اللازمة من الهزيمة؟



 


وإلى أين تسير الأوضاع العربية في ضوء ذلك؟ وانتقالاً إلى قراءة المعطيات والحقائق التي باتت قائمة على الأرض الفلسطينية المحتلة فنشير هنا إلى ما قاله خليل شيحة مدير عام جمعية التنمية الزراعية في فلسطين في حديثه عن ذكرى الهزيمة واحتلال الضفة المحتلة من «إن الاحتلال منذ اليوم الأول لاحتلاله الضفة عمد إلى اتخاذ كافة الإجراءات التي من شأنها تكريس احتلاله عليها».


 


وهكذا في هذا السياق تتابعت السياسات الإسرائيلية التكريسية للاحتلال وكان أقربها وأخطرها مخطط جدار الضم والتهويد العنصري والذي يعزل ما نسبته 35% من مساحة الضفة الغربية.


 


يضاف إلى ذلك سيطرة “إسرائيل” على 90% من المياه القابلة للاستخدام حيث حرمت بذلك حوالي 220 تجمعاً فلسطينياً ريفياً من شبكات الري «ناهيك عن قيام الاحتلال بتدمير وقطع 5,3 ملايين شجرة منها مليونان أثناء الانتفاضة الحالية فيما جرفت “إسرائيل” خلال الانتفاضة الحالية أيضاً ما يزيد على 76 ألف دونم من المحاصيل المختلفة إضافة إلى تدمير كم كبير من مزارع الدواجن والأغنام.


 


ولذلك ليس عبثاً أن يتساءل الفلسطينيون بمنتهى القلق: ماذا تبقى لنا من الأرض لإقامة الدولة بعد تقسيم الضفة إلى كانتونات معزولة وبناء المزيد من المستوطنات والطرق الالتفافية وعزلها عن قطاع غزة..؟. فحسب أحدث التقارير الفلسطينية فقد حولت “إسرائيل” الضفة إلى جزر معزولة، ويقول هاني المصري المحلل والكاتب السياسي “المشروع الفلسطيني في خطر شديد أكثر من أي مرحلة مضت وذلك بسبب تجاهل الأساس القانوني لحل القضية الفلسطينية من قبل الفلسطينيين أنفسهم”.


 


يضاف إلى ذلك جملة لا حصر لها من العناوين التي تعكس حقيقة الأوضاع الفلسطينية.


 


ولعل الحقيقة الكبيرة الناصعة أيضاً أن دولة الاحتلال لم تتوقف يوماً أبداً عن سياسة التكريس والتهويد، بل إنها فتحت منذ الاحتلال على الفلسطينيين كل الجبهات الممكنة المتاحة لديها. فمنذ البدايات الأولى للهزيمة العربية والاحتلال شنت دولة الاحتلال حرباً مفتوحة على الفلسطينيين على قاعدة “حق اليهود في البناء والسكن والاستيطان اليهودي وفي كل مكان، وهي قاعدة حق القوي على الضعيف”.


 


وعلى قاعدة أن الضفة الغربية وقطاع غزة جزء من “أرض إسرائيل أيضاً”. وفي أعقاب انتفاضة الأقصى /2000 كشرت “إسرائيل” عن أنيابها تماماً فاعتبر افرايم سنيه، الجنرال احتياط ونائب وزير الدفاع الإسرائيلي سابقاً أن هذه المعركة هي الأخيرة في الحرب من أجل أرض “إسرائيل”، ومن جهته، اعتبر باراك أن حدود “إسرائيل” في المعركة حيث يجري وضع آخر وتد استيطاني.


 


إن ما جرى ويجري هناك يحكي لنا قصة النكبة / الكارثة والبطولة الفلسطينية التي تجلت ولا تزال أمام العالم بالبث الحي والمباشر! وهنا في هذا الصدد ونحن أمام الذكرى الحادية والأربعين لحرب وهزيمة حزيران 67، وقد كنا قبل أيام أمام الذكرى الستين للنكبة واغتصاب فلسطين، نوثق أن فلسطين من البحر إلى النهر باتت تحت مخالب الاغتصاب والتهويد والاقتلاع والترحيل.


 


وهذه العملية تجري مع بالغ الأسف تحت مظلة “عملية السلام والتطبيع” في هذه المرحلة، وعلى مرأى من العالم العربي والمجتمع الدولي، ليتضح لنا بالمعطيات والأرقام الموثقة أن خرائط الحرب والجدران والاستيطان هي التي تهيمن اليوم، إذ تتواصل في كل أرجاء الضفة معركة تحويل كل مدينة أو قرية فلسطينية إلى جيب منقطع محوط بمناطق سيطرة إسرائيلية عسكرية واستيطانية على حد سواء، في الوقت الذي يغيب فيه الدور العربي العروبي الحقيقي عن كل ما يجري هناك…!

مقالات ذات صلة