عين على العدو

كم مرة سيلدغ العرب؟

 


ها أن العرب سيلدغون من نفس الجحر مرة أخري، وها أن ذاكرتهم التاريخية لا تسعف حاضرهم. فأثناء صراعات الحرب الباردة أقنعت الولايات المتحدة الامريكية الكثير من العرب بأن عدوً الإسلام، وبالتالي العرب، الأسوأ والأخطر كان الإتحاد السوفييتي.


ألم يقل منظِّر نظامه الشيوعي بأن الدين هو أفيون الشعوب ؟ ووصلت حملة الإقناع الملتبسة الماكرة تلك إلي قمَّتها في منتصف الثمانينات من القرن الماضي عندما دخلت جيوش الاتحاد السوفييتي أفغانستان المسلمة. ويذكر الكاتب الأمريكي هانتغتون في كتابه المعروف صراع الحضارات أن امريكا استطاعت آنذاك إقناع دولة عربية بترولية كبيرة بصرف مبلغ ثلاثة مليارات ونصف المليار من الدولارات مابين أعوام 1984 و1989 لتجنيد وتدريب ودعم حوالي خمسة وعشرين ألف متطوِّع من العرب والمسلمين ليخوضوا حرباً دينية نيابة عن أمريكا وضدَّ عدوٍّ أساسي من أعدائها، يقف حجر عثرة أمام هيمنتها العالمية. وهكذا، وبدلاً من تركيز العرب والمسلمين آنذاك كل طاقاتهم المادية والبشرية ضدَّ عدوٍّ استيطاني صهيوني غاصب ومهدِّد لوجودهم كأمة، انشغلوا بمعركة هي في أساسها وأهدافها البعيدة المدي معركة أمريكية بامتياز.


اليوم، حلَّ محلًّ شعار الدين أفيون الشعوب ، المختلف حول ماكان يعنيه في ذهن قائله، والذي كان موجًّها ضدًّ كل الأديان وليس دين المسلمين فقط، شعار أكثر تحديداً وخطراً وهو شعار أن الإسلام هو دين شيطاني مرتبط بالعنف والمعاداة للحضارة الإنسانية وبالغدر الهمجي عبر تاريخه. وهو شعار يحتوي علي تنميط عنصري ظالم للعربي يختزله في خمس صور: فهو إمًا بدوي مغامر جلف، أو بائع لا يعرف إلاً مساومة وخداع الآخرين، أو إمرأة تجسٍّد الشهوانية والصور المبتذلة، أو غني مسرف بابتذال وبلادة، أو إرهابي يمارس العنف الحيواني.


وهذا الشعار الجديد وذلك التنميط الاجتماعي والثقافي الإقصائي تولًّد في امريكا بعد أحداث 11 ايلول (سبتمبر)، وهو يترسُّخ شيئاً فشيئاً في دوائر الإعلام والسياسة والأبحاث الامريكية تمهيداً لجعله ثقافة كونية، مًّما يجعل شعار الدين أفيون الشعوب ، الذي اعتبرته بعض الدوائر العربية آنذاك كأكبر كارثة وأعظم خطر هدَّد الدين الإسلامي والوجود العربي، شعاراً هزلياً بالمقارنة.


ومع كل تلك الوقاحة الفكرية والإيديولوجية تعود أمريكا من جديد لتلعب اللعبة إيًّاها: ليس عدوٌّكم الخطر الصهيوني ولا تهديده المعلن لتهميشكم كأمة والسيطرة علي حاضركم ومستقبلكم، وإنما عدوكم في هذه المرة هي إيران الدولة المسلمة. من أجل الهدفين الاستراتيجيين الأمريكيين، وهما الالتحام الكامل بالمشروع الصهيوني وجعله مشروعاً أبدياً والإستيلاء علي الثروة النفطية، تلبس امريكا في هذه المرة عباءة التأجيج المذهبي الطائفي، مثلما لبست من قبل عباءة المدافع عن أديان البشرية، وتطالب العرب بأن يقحموا أنفسهم في معاركها ويحاربوا نيابة عنها. انه الثعبان الأمريكي نفسه الذي استعمل العرب والمسلمين في الثمانينات لتدمير الاتحاد السوفييتي ثم ها هو ينفث سموم العداء لثقافة العرب ودين المسلمين، والثعبان الأوروبي نفسه الذي استعمل العرب في القرن الماضي لتدمير الخلافة الإسلامية في تركيا، ثم نفث سموم اتفاقية سايس ـ بيكو كتقدير لجهودهم.


لقد استغلُّ الأمريكيون خلافاً فكرياً وإيديولوجياً بين العرب والنظام السوفييتي لصالح صراعات مصالحهم الإستراتيجية، وها هم يعودون لاستغلال خلافات سياسية بين العرب وإيران لصالح مصالح إستراتيجية أمريكية صهيونية في أرض العرب والمسلمين. وسيلعبون بكل ورقة خلاف أو سوء تفاهم أو إحتكاك بين العرب وإيران ليقحموا العرب في معاركهم العبثية مع دولة مسلمة جارة ومناهضة للمشروع الأمريكي ـ الصهيوني بكل قوة. فإذا كان التاريخ الأمريكي مع الآخرين، من مثل إبادتهم لشعوب الهنود الحمر وإبادة مئات الألوف بقنابلهم الذرية وحرق الأخضر واليابس في فيتنام وتخليهم عن كل من حالفهم عندما يكون ذلك في مصلحتهم الإستراتيجية ووقوفهم الأعمي مع الوجود الصهيوني في فلسطين، إذا كان ذلك التاريخ لايجعل العرب حذرين، أفلا يستجمعون ذاكرتهم التاريخية القريبة ويتجنبون وضع إصبعهم في ذات الحجر الذي لدغوا منه مرات ومرات.

مقالات ذات صلة