عين على العدو

أضواء أوباما على منزلة “إسرائيل” في أمريكا

 


من فترة إلى أخرى وبوتيرة متسارعة يتلقي اللاهثون، من القادة الفلسطينيين والعرب والمسلمين، وراء التسوية بأي ثمن مع الكيان الصهيوني وبإرادة وإشراف أمريكي، صفعات يعجزون في غالبية الأحيان عن ترجمتها إلى تحول في فكرهم واختياراتهم نحو الإدراك بأن المقاومة هي السبيل الوحيد للحصول على حقوق الشعب الفلسطيني، وأن سياسة الحلول الوسط فاشلة. فباستثناء وقوع معجزات وهي قليلة جداً خاصة في السياسة الأمريكية لن يتخلي قادة البيت الأبيض في المستقبل المنظور كما لن يشذ المتنافسون في مختلف الانتخابات في تقديم وتأكيد الولاء الذي قد يكون بدرجات متفاوتة من التأييد المطلق إلى التأييد القوي للكيان الصهيوني.


 


يوم الأربعاء 4 حزيران (يونيو) جاءت الضربة من مرشح الحزب الديمقراطي للرئاسة الأمريكية باراك أوباما، الذي كان كثيرون في المنطقة العربية قد توقعوا وراهنوا أن يدخل تغييرات هامة علي توجهات الولايات المتحدة السياسية يبعدها ولو نسبياً عن سياسة التأييد غير المحدود ل”إسرائيل”. تصريحات أوباما عن توجهاته السياسية في الشرق الأوسط أثبتت من جديد أن سياسة البيت الأبيض متحكم فيها من طرف اللوبي الصهيوني وأن مرشحي الرئاسة يتفانون في التنافس علي الركوع أمام الكيان الصهيوني واللهث بشكل مبتذل وراء أصوات اليهود وتأييد آلة إعلامهم الجبارة التي تهيمن على المشهد في الولايات المتحدة.


 


ففي خطاب ألقاه أوباما أمام الاجتماع السنوي للجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية إيباك، أقوى منظمة مؤيدة ل”إسرائيل” في الولايات المتحدة، شدد على دعمه للدولة العبرية، مشيداً بما اسماه العلاقات الوثيقة بين الولايات المتحدة و”إسرائيل”.


 


وتعهد بالعمل في حال فوزه بالرئاسة على توقيع مذكرة تفاهم مع “إسرائيل” تقضي بدعمها بثلاثين مليار دولار خلال السنوات العشر القادمة.


 


وأضاف بصفتي رئيساً، لن أقوم بأي تنازلات عندما يتعلق الأمر بأمن “إسرائيل”، مندداً بالذين ينفون وقوع المحرقة في حق اليهود والذين يريدون تدمير “إسرائيل” والذين لا يعترفون بوجودها. وقال الذين يهددون “إسرائيل” يهددوننا، واعداً بتقديم كل الوسائل الممكنة ل”إسرائيل” من أجل الدفاع عن نفسها ضد كل التهديدات التي مصدرها غزة أو طهران ولتكون أقوى دولة في المنطقة.


 


كما وعد بالتدخل شخصياً من أجل مساعدة “إسرائيل” على إقامة دولتين، دولة يهودية ودولة فلسطينية، تعيشان جنباً إلى جنب بسلام وأمن .


 


وأضاف أن القدس ستبقى عاصمة “إسرائيل” ويجب أن تبقى موحدة .


 


ومن أجل تحقيق هدف إقامة دولتين، رأي أوباما أنه يجب عزل حركة المقاومة الإسلامية (حماس) إلى أن تتخلى هذه المنظمة عن الإرهاب وأن تعترف بحق “إسرائيل” في الوجود وأن تقر بالاتفاقات السابقة الموقعة بين السلطة الفلسطينية و”إسرائيل”.


 


وينظر المراقبون إلى الخطاب على أنه برنامج أوباما للحصول على تأييد الصوت اليهودي وإيباك التي تعتبر أقوى جماعات الضغط في الولايات المتحدة وأكثرها نفوذاً.


 


ولكن الدعم ل”إسرائيل” ليس ناتجاً فقط عن النفوذ والضغط الذي تمارسه جماعات الضغط اليهودي، وإنما هو ناتج عن قيم مشتركة ومعتقدات دينية أيضاً. وقد كتب محرر الشؤون الأمريكية في ديلي تلغراف يقول: إيباك بلا شك واحدة من أكثر المنظمات الضاغطة فعالية في واشنطن. لكنها تنجح، لأن أعداداً غفيرة من الأمريكيين يشاركونها أهدافها، ليس لأنها تستعمل القوة بطريقة ما مع السياسيين لتأييدها. فالمرشحون يريدون بركة إيباك لأنهم يعرفون أن رؤيتهم كموالين ل”إسرائيل” أمر أساسي لمصداقيتهم في السياسة الخارجية .


 


وفي استطلاعات الرأي يعبر الأمريكيون عن تأييد كاسح ل”إسرائيل”. فهم يرونها كديمقراطية مزدهرة تشكلت في مناخ قاس. وبالنسبة لباراك أوباما بصفة خاصة فإن تبديد الشكوك حول مصداقيته الموالية ل”إسرائيل” أمر أساسي للفوز بأصوات معظم الأمريكيين، الذين شعروا بالخوف والحذر منه عندما تم الكشف عما قيل إنها جذوره الإسلامية .


 


وإذا كان أوباما قد تمرغ في وحل الولاء ل”إسرائيل” في خطابه أمام إيباك فهو حاول أن يعكس جزء من القلق والتذمر الذي يبديه ساسة ومفكرون أمريكيون من الانصياع الأمريكي الأعمى وراء رغبات “إسرائيل”. فمستشار الأمن القومي الأمريكي السابق زبيغنيو بريجنسكي ينتقد اللوبي اليهودي بالولايات المتحدة، ويتهمه بانتهاج حملة ضد منتقدي “إسرائيل” شبيهة بتلك التي أثارها السناتور جوزيف ماكارثي ضد الشيوعية أعقاب الحرب العالمية الثانية.


 


ونقلت ديلي تلغراف عن بريجنسكي مؤخراً قوله إن اللوبي اليهودي الموالي لتل أبيب يتمتع بقوة جبارة، فيما تهمة معاداة السامية تثار تلقائياً كلما حامت شكوك حول نفوذه.


 


وحدد في تصريحات نقلتها الصحيفة قائمة من التفاهمات التاريخية قال إن على الإسرائيليين والفلسطينيين التوصل إليها، متهما إيباك بعرقلة جهود السلام الجارية لحل النزاع بين الطرفين.


 


ونسبت ديلي تلغراف إليه القول إن إيباك ظلت تعارض بانتظام الحل على أساس دولتين، وإن عدداً كبيراً من أعضاء الكونغرس جري ترهيبهم معتبراً ذلك تصرفاً غير صحي.


 


هذه الأصوات التي يمثل بريجنسكي واحداً منها لا تعارض بالطبع دعم “إسرائيل” ولكنها تحاول تحجيم نفوذها وضبطه، حتى لا يطغى على المصالح الأمريكية العالمية والتي تضررت كثيراً منذ غزو أفغانستان.


 


القلقون في “إسرائيل”


 


ولعل الواقع الذي تتردي فيه السياسة الأمريكية الآن، يسمح لتلك الأصوات أن تصل إلى شريحة أكبر من الأمريكيين، فقد أوصلت تلك السياسة السافرة في عدائها الولايات المتحدة إلى ما وصلت إليه من نتائج معنوية وخسائر في الأرواح، وتباطؤ في الاقتصاد بات مزعجاً حتى للمواطن الأمريكي العادي، حتى صارت السياسات الخارجية عاملاً مهما في اختياراته الانتخابية لأول مرة.


 


في البداية قيل إن تقدم أوباما الأسود المنحدر من أصل إفريقي مسلم مؤشر على مقدار التغير التاريخي الذي اعترى العقلية الأمريكية الشعبية، كما أنه يعد مؤشراً واضحاً على مقدار التعطش للتغيير والخروج من الحالة المزرية التي يعود الفضل فيها إلى سياسات الحزب الجمهوري والمحافظين الجدد الذين بدأوا عملية هروب متتابعة من السفينة الغارقة.


 


وإذا كان البعض قد تصور أن النفوذ اليهودي في الولايات المتحدة في تضاؤل فإنه غير دقيق على الأقل خلال المرحلة الحالية، ذلك أن الأسباب التي تثبته أعمق من أية تطورات سطحية، كما أن ضخامة الآلة الإعلامية الموالية على الإطلاق ل”إسرائيل” تظل قادرة على إعادة إنتاج التزوير والتضليل في تصوير ما يوصف بحقوق “إسرائيل”.


 


ونلاحظ في خطاب أوباما خيطاً من التأثر بما أبداه بريجنسكي من توجه نحو تعديلاً لسياسة الأمريكية، وثمة صلات وثيقة تربط المستشار السابق بباراك أوباما، وهي تثير مخاوف في الطائفة اليهودية الأمريكية من أن المرشح الديمقراطي سيعمل على تليين موقف واشنطن المنحاز تقليدياً لتل أبيب إذا ما أصبح رئيساً للولايات المتحدة. غير أنه يجب القول إن هذه المخاوف هي جزء من حملة التضليل التي لا تستهدف المرشح الديمقراطي وحده بل مجمل الكتلة الناخبة الأمريكية، المضطرة تحت تأثير هذا الشحن إلى التنازل عن كل فكر للتغيير والسير على خطى المحافظين الجدد، خاصة وأن ما يسمى المعتدلين من العرب لا يقومون بما يعادل جزء من ضغط اللوبي الصهيوني.


 


ومن الواجب الإشارة هنا إلى أن أوباما قال إنه سيبدأ في ذلك في الأيام الأولى من رئاسته البحث عن حل في الشرق الأوسط ولن ينتظر حتى نهاية ولايته.. وأن على “إسرائيل” أن تجمد بناء المستوطنات، قوبل بفتور واضح.


 


ورغم خطاب أوباما المؤيد ل”إسرائيل”، لم يعقب أي مصدر رسمي في “إسرائيل” على انتصاره في المعركة على ترشيح الحزب الديمقراطي، وانقسمت المحافل السياسية في القدس المحتلة في الرأي بالنسبة للآثار التي ستكون لانتخابه المحتمل لرئاسة الولايات المتحدة حسبما أكدت ذلك صحيفة يديعوت أحرنوت .


 


حيث قالت: أولئك القلقون يخشون أساساً من غير المعروف بزعمهم أن أوباما هو مجهول، في الغالب يقول الأمور الصحيحة بالنسبة ل”إسرائيل”، وظاهراً يطلق تصريحات مؤيدة ل”إسرائيل”، ولكن ليس لديه تجربة عامة كبيرة بموجبها يمكن محاكمة مواقفه تجاه “إسرائيل”. وإذا كان في خطابه أمام إيباك قد أكد التزامه بتصفية التهديد الإيراني، فإنه وخلال الانتخابات التمهيدية ضد كلينتون صرح بأنه سيكون مستعداً لأن يجلس بنفسه للحوار مع إيران. مثل هذا الحوار، كما تعبر المحافل الإسرائيلية عن قلقها، سيضعف الجبهة الدولية ضد طهران.


 


وفضلاً عن ذلك يوجد حوله غير قليل من الأشخاص المقربين من محافل اليسار أو محافل إسلامية أمريكية تعارض “إسرائيل”، ومن هنا يمكن أن يتعرف المرء على اتجاهه في مواضيع الشرق الأوسط. ولا ينسي المحللون التذكير أن موريس دوفيرجيه وزير الخارجية الفرنسي السابق والمحلل السياسي كتب أن الرؤساء الأمريكيين يعطون الكثير من الوعود خلال الحملة الانتخابية ولكن بعد وصولهم إلى البيت الأبيض يقضون السنة الأولى لحكمهم لينسوا الشعب وعودهم. غير أن هذا الوضع لم ينطبق أبداً حتى الآن على علاقات واشنطن الحميمة جدا ً مع تل أبيب.


 


ويشير أندرو بوش الخبير الاستراتيجي في شركة كابيتال ماركت : لسنا واثقين تماماً بعد مما سيكون عليه برنامجه الانتخابي لأن طروحات المرشحين في الانتخابات التمهيدية تختلف عن طروحاتهم عندما يواجهون الخصم مباشرة .


 


وأضاف: أن الديمقراطيين يميلون إلى التوجه بموقفهم أكثر إلى اليسار في الانتخابات التمهيدية والاقتراب من الوسط بعد الفوز بالترشيح من أجل إقناع عدد أكبر من الناخبين.


 


فمثلاً صرح أوباما بصدد كوبا، وقبل أن يحسم المعركة ضد منافسته، أنه سيبقي على الحصار، ونسي أنه أعلن في بدء حملته أنه سيعمل على رفعه، وكذلك في حظر سفر الأمريكيين إلى كوبا لأغراض تعليمية.


 


إنها رسالة إلى اللاهثين وراء التطبيع والتسوية بأي ثمن. ولا عزاء لأهل الاعتدال العربي إذا خيب باراك أوباما آمالهم.

مقالات ذات صلة