المخابرات والعالم

النضال ضد الصهيونية ضرورة عالمية

المجد – خاص

هناك مواقف ساذجة تعمل على تبرئة  الولايات المتحدة الأمريكية من سياساتها في المنطقة العربية بذريعة هيمنة اللوبي الصهيوني على قرارها السياسي، وتؤكد في الآن عينه على اعتبار دولة الاغتصاب الصهيوني منذ نشأت أداة من أدوات الإمبريالية العالمية. ولكن، من جهة أخرى، لا بد من أخذ التطورات الجديدة بعين الاعتبار التي جعلت الحركة الصهيونية شريكاً إستراتيجياً في النظام الدولي الجديد، والتي تجعل الحركة الصهيونية مختلفة من حيث الرتبة والدور عن القواعد الإقليمية الأخرى للامبريالية في العالم الثالث.

فالحركة الصهيونية، منذ بدأت، كانت عالمية الطابع والتأثير يتجاوز نفوذها ودورها الإطار الإقليمي في ما يسمى "ألشرق الأوسط". ولكن منذ انهيار دول المنظومة الاشتراكية، وقعت قفزة نوعية في سطوة ونفوذ الحركة الصهيونية لم تشهد هذه الحركة لها مثيلاً في تاريخها. وكان يفترض أن يتقلص النفوذ اليهودي بدلاً من أن يتصاعد بعد الحرب الباردة لو كانت الحركة الصهيونية مجرد أداة أخرى من أدوات الإمبريالية العالمية.

ففي ظل الرئيس كلينتون بعد الحرب الباردة شهد النفوذ اليهودي في الولايات المتحدة قفزة نوعية، وبدأ طرح مسخرة "المحرقة" لتبرير ذلك النفوذ بشكل لم يحدث في العقود الأربعة التالية للحرب العالمية الثانية.

لتنطلق مرحلة جديدة تتسم بتحول الصهيونية كأيديولوجية وحركة إلى ركن من أركان الإمبريالية العالمية، دون أن يعني ذلك هيمنة الصهيونية على النظام ككل. فإحدى صفات العولمة الحديثة هي صهينة العالم، الأمر الذي يعني أن النضال ضد الصهيونية لم يعد ضرورة فلسطينية وعربية وإسلامية فحسب، بل ضرورة عالميه أيضاً.

كيف نجحت الصهيونية بأمريكا

نجاح اليهود في أمريكا ينبع من كونهم جزءاً لا يتجزأ من هذه التركيبة، لا من قدرتهم على جرها حيث لا تريد، والحديث الساذج بين أوساط بعض العرب والمسلمين عن التأثير في أمريكا إعلامياً وسياسياً يدل على جهل مطبق ببنية الحكم فيها.

الكيان الصهيوني تلقى من المساعدات المالية ما لم تقدمه أمريكا يوماً لغيره خاصة منذ حرب أوكتوبر عام 73. ومنذ الحرب العالمية الثانية، أعطت أمريكا الكيان الصهيوني ما يعادل 140 مليار دولار، مع العلم أن المساعدات الأمريكية الخارجية تقدم عادة على أربع دفعات خلال العام، أما المدللة دولة الكيان فتتلقاها في بداية السنة المالية دفعة واحدة مما يتيح لها أن تودعها في البنوك مقابل فائدة، مما يشكل مصدراً أخر للمساعدة.

وتقاسم أمريكا الكيان الصهيوني أخر منتجاتها العسكرية تطوراً، ولا تتردد بإعطائها معلومات استخبارية لا تقدمها لحلفائها في حلف الناتو، وتسارع لاستخدام حق النقض أو الفيتو في مجلس الأمن الدولي لحمايتها من أية قرارات تنتقدها كما فعلت 32 مرة منذ عام 1982مثلاً. وفي الحرب كما في المفاوضات السياسية، تلتزم الإدارة الأمريكية عامةً جانب الكيان الصهيوني.

وبعد ضربات 11 سبتمبر، باتت تعتبر دولة الكيان شريكاً فيما يسمى "الحرب على الإرهاب" بذريعة أن القوى والدول التي تهدد أمريكا بالإرهاب وأسلحة الدمار الشامل هي نفسها التي تهدد دولة الكيان.

تعتبر دولة الكيان حليفٌ غير موثوق، لا يتورع عن التجسس على أمريكا كما فعل أكثر من مرة، وعن تسريب معداتها الحساسة للصين مثلاً. أما الحجج "الأخلاقية" التي تساق في أمريكا لتبرير دعم دولة الكيان فواهية أيضاً. فدولة العدو تقدم في أمريكا على أنها حملٌ ضعيف محاط بذئاب ينوون به الشر، ولكن العكس بالضبط هو الصحيح، حيث أن دولة الكيان تتفوق على جيرانها تقليدياً ونووياً وتكنولوجياً وأمنياً، وقد كان الأمر كذلك منذ حرب 1948.

علاقات ومصالح مشتركة صهيوامريكية

 دولة الكيان تقدم إعلامياً على أنها دولة ديموقراطية في محيطٍ من الديكتاتوريات، بينما هي في الواقع دولة تمارس أبشع أنواع العنصرية ضد العرب فيها، والعديد من الاعلام والكتاب العرب يصور ان اللوبي الصهيوني هو من يسطر على القرار الامريكي بل والغربي الي حد مبالغ فيه.

 لا ننكر العلاقة الخاصة جداً ما بين أمريكا والكيان الصهيوني، ولكن سبب دعم الإمبريالية في أمريكا، وفي أوروبا قبلها، للحركة الصهيونية يعود لتقاطع المصالح بين الطرفين، لا بسبب العلاقات العامة الذكية للوبي الصهيوني، حتى لو افترضنا جدلاً عدم وجود قوة اقتصادية يهودية متميزة في العالم. فأوروبا الاستعمارية رأت من مصلحتها أن تنشاً دولة الكيان الصهيوني في أواسط القرن التاسع عشر لمنع قيام الوحدة العربية، والإمبريالية ما زالت مستمرة بدعم الكيان الصهيوني لنفس السبب.

تقاطع المصالح والحاجة الإمبريالية الصهيونية المشتركة لإبقاء الوطن العربي ضعيفاً ومجزأً. وشتان ما بين هذا الموقع وموقع العرب والمسلمين الأمريكيين الذين يضرون بالمصالح الإمبريالية في الهيمنة على موارد وجغرافية المنطقة العربية بقدر ما ينجحون في عملهم لتحرير فلسطين وتوحيد الوطن العربي.

وبيت القصيد هنا هو أن الرأسماليين اليهود الكبار بمصالحهم الصهيونية يتقاطعون تماماً مع المصالح الإمبريالية الكبرى للإمبرياليين الأمريكان من غير اليهود، ويشاركون بشكلٍ كاملٍ بالتالي في صناعة القرار الإمبريالي الأمريكي.

والخلاصة تبقى أن اليهود في فلسطين ليسوا مجرد جماعة وظيفية، ودولة الكيان ليست مجرد قاعدة للإمبريالية، واللوبي اليهودي في أمريكا حقيقة لا جدوى من إنكارها، ولكنها كتلة متماسكة نسبياً قائمة لذاتها هي في الآن عينه جزء لا يتجزأ من المؤسسة الحاكمة الإمبريالية.

 وهذه المؤسسة الحاكمة هي عدوة كل شعوب الأرض وعلى رأسها العرب والمسلمين، وهي عدوة حتى لو لم يوجد لوبي يهودي أبداً، ولكن اللوبي كجزء من المؤسسة الحاكمة الإمبريالية ليس مجرد ذراع سياسية للكيان الصهيوني في أمريكا، بل هو جزءٌ عضويٌ من البنية الاقتصادية والاجتماعية للرأسمالية في عصر العولمة.

 وبصفته هكذا، يصبح اللوبي اليهودي بدوره عدواً لكل شعوب الأرض، وتصبح الصهيونية أكثر من حركة استعمار فلسطين، بل تصبح سمةً أساسية للرأسمالية في حقبة العولمة، فقد ترافقت عولمة الرأسمالية مع صهينتها، وهو ما ترابط مع تصاعد خطاب المحرقة الأجوف بالذات مع انتقال الرأسمالية من النموذج القومي إلى النموذج المعولم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى